مهرجان "بلباو" الشعري السابع: تواصل حقيقي بين الثقافات

، بقلم حياة الرايس

من مدينة "بلباو" عاصمة مقاطعة الباسك أقصى شمال أسبانيا جاءتنى الدعوة إلى المهرجان العالمي السابع للشعر في بلباو.. وكنت أقدر هذا الشعب واحترمه فهو ما انفك يناضل من أجل إثبات هويته الثقافية، وما زالت أصداء قضية مطالبته باسترجاع لوحة "الجرنيكا" الشهيرة من مدريد التي رسمها بيكاسو لتكون شاهداً على مذبحة هذه القرية التي هرستها القنابل النازية عام 1937 والتي دفعت بيكاسو إلى إبداع عمله الشهير، ما زالت عالقة بذهني.

شعب الباسك الذي يطالب باستقلاله عن أسبانيا ويتمسك بلغته الأم وبخصوصيته الثقافية كعنوان لهويته وكإثبات لوجوده؛ ماذا نعرف عنه؟

دفعني الفضول لقبول الدعوة كفرصة للانفلات من "جبة" النمطية الثقافية والمركزية الغربية التي تسعى إلى بسط ثقافتها على العالم كنموذج أوحد، وطمس كل الثقافات الأخرى الأقل شأناً في نظرها مستغلة امتلاكها لوسائل الاتصال الحديثة في زمن هذه الثورة الإعلامية...

كنت أريد التعرف عن قرب على ثقافات أخرى وهُويات أخرى وأقليات أخرى وقوميات أخرى وخصوصيات أخرى متنوعة. إذ التنوع هو نكهة المشهد الحضاري الإنساني في أروع صوره.

فهناك قوميات وهويات ثقافية مازالت تناضل لإيصال صوتها والدفاع عن وجودها الشرعي وتحاول أن تنفتح عن الآخر أيضا أاينما كان دون تعصب ودون انغلاق، ربما ذلك ما حدا بمهرجان الشعر العالمي "بلباو" في دورته السابعة إلى المحافضة على تقاليده بدعوة بلد عربي كل سنة إلى المشاركة في فعالياته المتنوعة بين شعر وموسيقى ومسرح وأدب. وقد وقع الاختيار هذه السنة على تونس.

حضر هذا المهرجان الذي تواصلت فعالياته أسبوعاً كاملاً تقريباً من 16 إلى 22 أكتوبر؛ شعراء وموسيقيون وفنانون من مختلف أنحاء أسبانيا ومن مختلف أنحاء العالم، وخاصة القوميات الأخرى مثل الكاطالويين والإيرلنديين والقشتاليين وغيرهم.

كانت قاعة المكتبة العامة (أكبر مكتبات بلباو) تشبه في هندستها وتصميمها وعظمة زخرفتها قاعات الكنائس، كما كان يخيّم عليها صمت وخشوع الكنائس، فتح بابها على مصراعيه في تمام الساعة السابعة والنصف تماما موعد توقيت الأمسية الشعرية كما كتب في البرنامج وكما وزع في الدعوات وكما أعلن عنه في الصحف دون تقديم أو تاخير، فتح الباب في موعده للجمهور (الذي كان ينتظر في الخارج ولم يتقاطر في إستهانة بالوقت قبل الموعد أو بعده)، ثمّ أغلق بعد دخوله لتتحول الأضواء إلى المنصة حيث صعد الشاعر "بدرو أوغارت" من بلباو وهو شاعر كبير له مكانته واحترامه لدى أهل الباسك، يحبونه ويعتزون به كثيراً ليقدم الأمسية بحديث عن الأدب العربي عامة والشعر خاصة ليتخلص إلى التعريف بمسرحيتي الشعرية: "سيّدة الأسرار عشتار" الملحمة الميثولوجية. معرفاً بي بالاعتماد على سيرتي الأدبية.

بعده دعيت إلى المنصة لابدأ قراءاتي الشعرية وسط صمت رهيب وانصات مرهف وتطلع كبير وفضول نبيل وحضور راق لمعرفة الآخر. من قال إن "الآخر" لا يحبنا ولا يريد أن يستمع لنا وأن يتواصل معنا؟ لكن "الآخر" ليس واحداً ولا يجب جمعه في سلة واحدة، بل هو "آخرون" متعددون في مواقفهم منا.

كنت اقرأ بلغتي العربية ولم أكن لأقرأ بغيرها تجذيراً لهويتنا وتعريفاً بلغتنا التي جاء عدد كبير لسماعها دون معرفتها؛ وهذا يعتبر في حد ذاته تحدياً كبيراً وتعبيراً نبيلاً عن حسن نية الآخر ورغبته وتطلعه لمعرفة هذه اللغة وهذه الثقافة التي يروج لها البعض إنها عدائية إرهابية... قرأت قصائد عديدة عن الحب والسلام قصداً، يرافقني العود العربي كخلفية موسيقية رومانسية، وقرأت مقاطع من ملحمة "عشتار".

وكانت الترجمة الفورية للغة الأسبانية ترافقني على شاشة عملاقة تتصدر منصة القاعة من الأول للآخر بعدما وقع إعدادها من قبل بالتنسيق مع إدارة المهرجان التي حرصت على استلام القصائد قبل مدة لتتمكن من ترجمتها، وقد وافيتها بذلك حرصاً على نجاح الأمسية.
وكانت السيدة "بغونيا موران" مديرة المهرجان حريصة على كل كبيرة وصغيرة. فقد سألوني حتى عن ترتيب قراءة القصائد قبل ذهابي ليكون الإعداد محكماً والمرافقة بالترجمة دقيقة؛ وهذه علامة من علامات النظام؛ إلا إن وثائق المهرجان التي وزعت علينا كانت كلها بالأسبانية وكنا نود لو أنها ترجمت إلى الفرنسية أو الإنجليزية ليستطيع قراءتها كل الضيوف الأجانب.

من ناحية أخرى فقد كان احتفاء وسائل الإعلام بنا كبيراً فقد رتبوا لي لقاء مع تليفزيون الباسك، وغطوا فعاليات المهرجان في نشرة الأخبار الرئيسية، وجاءتنا الصحافة المكتوبة التي كانت مرفوقة بمترجمة فرنسية، تحدثتُ عن المشهد الثقافي في تونس، وعن المرأة التونسية التي سألوني عنها كثيراً وعن مدى تقدم تجربتها في مجال الأحوال الشخصية، وقد لاحظت أنهم متعطشون إلى معرفة كثير من التفاصيل عن العالم العربي وثقافته عموماً. ولم ألاحظ عدائية أو حساسية من وسائل الإعلام كما حدث معنا في بعض المرات السابقة في مناسبات أخرى وفي بلدان أخرى، لذلك أعود فأقول إنه لا يجب أن نضع كل الصحافة الغربية في سلة واحدة.

كانت أخبار المهرجان تملأ الشوارع، وكان حدثاً ثقافياً كبيراً، ومعروف عن الاسبان عموماً تقديرهم واحترامهم للشعر، وقد كان للأطفال نصيب أيضا في هذا المهرجان؛ إذ خصصت لهم حصص قراءات وورشات لتحبيبهم في الشعر منذ الصغر لكي لا نأتي في الكبر ونقول لهم لماذا لا تحبون الشعر ولا تهتمون به؟


حياة الرايس

كاتبة وأديبة تونسية

من نفس المؤلف