الخميس ١٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
استطلاع
بقلم عبد الله المتقي

القصة القصيرة جدا بالمغرب: مواقف ورؤى

القصة القصيرة جداً، جنس أدبي استطاع أن يتخذ له موضعا بين الأجناس الأدبية، وقد لاقى إقبالا كبيرًا ، واهتماما لافتا في المشهد الإبداعي المغربي، مع توالي الإصدارات . وقد بلغ الاهتمام بهذا الجنس درجة تخصيص أيام دراسية
ونشر مختارات لكتابه ضمن انطولوجيات مختصة .(1)
بيد أن هذا الجنس القصصي مازال يثير جدلا واسعا ، بين مؤيد ومعارض وأحيانا بين جاحد ومنكر لا يعترف به ، إذ لا يعدو أن يكون في نظره إلا فورانا.وموجة
ريثما تمحي
ماموقفك من هذا الشكل من الكتابة السردية ؟ و كيف ترى مستقبلها ؟
سؤالان سعينا من خلال طرحهما في هذا الاستطلاع على نخبة من القصاصين والنقاد الى تعميق النقاش حول الجنس وتداعياته من جهة و تقريب القراء والمهتمين منه أكثر.

مصطفى لغتيري – قاص

القصة القصيرة جدا عرفت ولادة طبيعية جدا والمجال مفتوح أمامها

إذا انطلقنا من اعتبار الأجناس الأدبية وليدة حاجة اجتماعية وإنسانية ملحة ،وبأنها كائن مستقل تخضع ولادته وتطوره وانقراضه لعدة عوامل ذاتية وموضوعية،فإن القصة القصيرة جدا - بناء على ذلك - ظهرت إلى الوجود وبدأت شيئا فشيئا تفرض نفسها على المشهد الأدبي المغربي ، لأن هناك ضرورة ملحة لوجودها ، وقد ساهم في ذلك عاملان أساسيان ،أولا التطور الذي عرفته القصة القصيرة ،والذي كان من المحتم أن يفرز شكلا كتابيا من نوع ما ،ثانيا التحولات الاجتماعيةالمتسارعة في علاقتها باكتساح العولمة لكل المجتمعات وتأثيرها المباشر على أنماط العيش ،وهذا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن لا يخلف آثاره الواضحة على الذائقة الفنية والأدبية،ولعل ذلك ما يبرر الاهتمام الذي أضحت القصة القصيرة جدا تلاقيه -في الآونة الأخيرة - من الكتاب والقراء على السواء القصة القصيرة جدا عرفت ولادة طبيعية جدا والمجال مفتوح أمامها على مصراعيه لتحقق التراكم المرغوب ،وهي - بلا شك - إضافة نوعية إلى المتن السردي المغربي شكلا ومضمونا ،و أتوقع لها ازدهارا مضطردا في السنوات القليلة القادمة

محمد رمصيص – ناقد

إلى مستقبل مطمئن ...

حققت القصة القصيرة جدا بالمغرب تداولا ومقروئية هامين لتلاتة أسباب أساسية في اعتقادي الشخصي وهي:

1-الشكل المعماري المكثف

2-اللغة الحكائية

3-المضامين المعالجة.

أما على مستوى المعمار فقد اتصفت بالتكثيف وشدة الامتلاء الشيء الذي جعل ملفوظها الموجز والمرمز يثير عدة تأويلات.وهذا يتوافق وإحدى استراتيجية الكتابة العربية القديمة’’البلاغة في الإيجاز’’.إن حجمها المكثف حتم تجنب الاستطراد وإسقاط التفاصيل وبالتالي السرعة في الإيصال والتواصل الأمر الذي يتوافق وطبيعة العصر السريعة. فالحكي المضغوط والمكثف لد رجة تقطيره عبر مصفاة دقيقة جعل منها عنصرا جماليا وليس هدفا في حد ذاته ،أقصد القوة الاقناعية للتعبير المركز الملتقط للحظة شعورية أو حدث مثير أو شخصية فارقة وهذه إحدى التمفصلات التي يمكنها اختزال حركية العالم في جمل محدودة،وكما يقال القصة القصيرة جدا ترى العالم من خلال ثقب الباب بينما القصة القصيرة تنظر له بعد أن يفتح على مصراعيه.بمعنى أن شكل فعل الكتابة محدد أساسي في خلق العالم الموازي للواقع،فضلا عن الأثر المتبقى بسببه. أما على مستوى اللغة الحكائية للقصة القصيرة جدا فقد تم شعرنتها وأضحت تكتسي نشاطا وحيوية جديدين وطلقت خمولها المعجمي المألوف.وبذلك أمست كتابتها تحمل في ثناياها نبضة شعرية قربتها من قصيدة النثر .إن جملها الحكائية أضحت بمثابة برقية سردية شديدة الوقع والتأثير.فشكل كتابتها الشذرية استبدل السرد الخطي بالحكي المفتت والمتشظي ..كتابة تراهن على الإقلاق لا الإمتاع والتسلية..كتابة بدون مقدمات في الغالب وبخاتمة مفتوحة على ما لا نهاية من الاحتمالات الدلالية. أما ملمحها الثالث والمسعف على تداولها وأقصد به المضامين المعالجة.. فقد أضحت أكتر جرأة وان كانت أحيانا تشتغل وفق جمالية المجاز لا الحقيقة فهي تمس موضوع الحرية الجنسية وتحولات القيم والعلاقة المختلة بالسلطة وصراع الأجيال وما شابه مما جعلها برقيات سردية قلقة ومقلقة ..ويبقى أن نشير على الرغم من بلورتها لهذه الملامح فالقصة القصيرة جدا لا زالت غير مكتملة الملامح أي أنها في طور التشكل بمعنى أنها مشروع قصصي يبحث عن شكله النهائي..إن اهتمام منتجيها بالمعمار الفني واللغة الحكائية فضلا عن جرأة المعالجة هو نوع من إعادة الاعتبار لشكل الكتابة الأدبية وهذه قناعة جيل أدبي جديد له أسئلته الخاصة وهواجسه الفنية وحساسية الإبداعية.إن هذا الرصد المركز لوضع القصة القصيرة جدا بالمغرب يؤشر على مستقبل مطمئن لتداولها بشكل أوسع ووقع أعمق ...

محمد اشويكة – قاص

القصة القصيرة جدا مفتوحة على آفاق الجمال

أظن أنه مهما اختلفنا حول تسمية القصة (قصيرة، قصيرة جدا، ومضة...) فنحن ندور في فلك واحد، ونشتغل على جوهر واحد: القِصَر... هذا هو الشيء الثابت غير المختلف حوله، أما ما بقي فعوارض تتأثر بالزمان والمكان ونفسية القاص و... إذا، كيف نقدم فكرة القصة في حيز نوسعه ونضيقه حسب الحاجة القصصية؟ وهل تختلف القصة القصيرة جدا من حيث التقنيات عن القصة القصيرة؟

أظن أن في كل تِكْنِيكٍ بُعْدٌ غيبي، بمعنى أن تكنيك القاص فيه كثير من الاعتقاد، وكثير من الأفكار النهائية التي غالبا ما يشحذها الناقد ويكرسها محاولا جعلها مرجعيات يقوض بها النصوص تارة ويرفع من شأنها تارة أخرى، فعوض أن يكشف عن مكامن التجديد، يكرس التقليد والتعود... والقصة القصيرة جدا ـ إن تَمَّ تداولها ـ بهذا المعنى، لا تستطيع أن ترفع رأسها إلى كبد السماء لتتجدد من الداخل، بل تنهار إلى أنفاق مظلمة تضعها داخل أقانيم يألفها القاص ويتعود عليها. إذا فالتكنوقاص، يتجاوز كل إيمان قصصي مطلق، ويوظف التقنية لحظيا في انتظار البحث عن تقنيات متجددة أخرى، فليس كل الأفكار تحكى بنفس التقنيات. إن جعل النفس طيعة لمسايرة قفزات الزمن، تجديد لأنفاس القصة القصيرة جدا... فأخطر شيء على الإبداع النكوص...

نقرأ في التجارب العالمية، سيما في أمريكا اللاتينية، قصصا قصيرة جدا زادها المغامرة، اختصرت الحكي في كلمة أو كلمتين، وجعلت أبواب التأويل مشرعة للمغامرين... القصة القصيرة مغامرة ذهنية وسردية تمارس إغراء على الكاتب خصوصا وأن الزمن الذي نعيشه قد بلغ من التعقيد ما لا ينفع معه نسق فلسفي أو باراديغم علمي للفهم... وبما أن القاص في رأيي، عاشق للمغامرة كالفيلسوف، فاللحظة القصصية فرصة وجودية لالتقاط بعض من جزيئات ذلك التعقيد وتدوينه في تضاعيف قصة قصيرة جدا... ونكون بالتالي هنا أمام شذرات فلسفية قصصية تعالج جزءا من إشكاليات الإنسان الراهن.

شخصيا، أميل إلى الشذرة القصصية للسبب الذي ذكرت آنفا، فالقاص لا يعيش اليقين كعالم الدين، ولا يتوهم الإمساك بناصية القول كالخطيب، ولا يمتلك الحل الآني كالسياسي، ولا يرى الكل مريضا كالطبيب... إنه يشتغل على المفارقات القصيرة، ويخلخل العتمات اللغوية، ويعانق أدغال القص الوحشية، ويخلق الكثافة في لحظات الفراغ ويعوضها بلحظات الامتلاء، ويخاطر في اللحظات العسيرة، يعانق النفوس الكسيرة والبرهات القلقة، يقبض على التصورات الهاربة والأزمنة المنفلتة... القصة القصيرة جدا، قنبلة إذا لم يعرف حاملها طريقة التعامل معها، يفجرها في أية لحظة، والمشكلة إن فجرها وسط الأهالي! نغامر بضرب عنصر التجديد المهم في اللحظة القصة. مثلا، كثيرة هي النصوص القصصية التي لا نكاد نعثر فيها على اللحظة القصصية داخل اللحظات الشعرية التي تكتنفها، مع العلم أن شعرية القصة تختلف عن شعرية القصيدة... مهما اجتهدنا في الحجج التي تدعم تكسير الحدود الأجناسية. إن البعض يرى أن هذا التطعيم يجدد دماء القصة القصيرة جدا، لكنه لا ينتبه إلى أنه يضيع روح الشاعر فيه ويفتت نغم القصيدة الذي هو مبني على الاستماع الدقيق لنبض الطبيعة (بمعناها الفلسفي)، وبالتالي لا يؤسس لشعرية القصة، ولا يحفظ للقصيدة جرسها، فالتجديد القصصي لا يعني التدمير الجمالي، بل صناعة الجمال... فالقصة القصيرة جدا مفتوحة على آفاق الجمال، ما دام الجمال ينبع من الذات المتأملة القلقة التي تريد القبض على لحظة باسقة من تلك اللحظات الطائشة.

وفاء مليح – قاصة –

ق.ق.جدا لون قصصي مؤقت وفوران منذورا للانطفاء

حينما نتحدث عن القصة القصيرة جدا، نتحدث عن القصة الومضة، القصة اللقطة، القصة الكبسولة، القصة البرقية إلى غير ذلك من المصطلحات التي تعني القصر والسرعة في التعبير. يبدو من خلال مصطلح ق.ق.جدا أنها تتميز بخاصيتين أساسيتين وهما القصصية والقصر الشديد.. هذا اللون في كثير من الكتابات لا يتجاوز السطرين وربما يزيد في بعض الكتابات إلى صفحة.

يتضح من تعدد مفاهيم المصطلح تعدد الآراء وفتح باب النقاش على مصراعيه لوضع مقاربة تحدد مفهوم المصطلح. استعمل مصطلح القصة القصيرة جدا ليدل على:

قصة لا تتجاوز ثلاث أسطر

قصة لا تتجاوز صفحة واحدة

قصة لا تتجاوز الأربع صفحات

فما يطلق عليه قصة قصيرة جدا في الفترات الأخيرة القصة التي لا تتجاوز ثلاثة أسطر ويعلل كتاب هذا اللون القصصي بالسرعة التي أصبحت تميز إيقاع الحياة، فأصبحت أكثر الأجناس الأدبية استهلاكا لسهولة نشرها في منابر صحفية وأدبية بحيث يخصص لها مساحات تناسب حجمها الصغير. وتشترك مع القصة القصيرة في سمات منها الاقتصاد في اللغة والتكثيف والإيحاء، مع اختلاف بسيط هو أن ق. ق. جدا أشد اختزالا وتكثيفا، حيث تصبح الكلمات لا تتجاوز عدد أصابع اليد..فنجدها في الأمثال الشعبية. الحكم والنكت إذ تتقاطع مع هذه الأجناس الإبداعية وتتداخل معها، لهذا لايمكن أن نتحدث عن جنس مستقل بذاته وننسب لها سمة القصصية التي لا تتميز بها لأن شرط القصصية هو الحكاية ولغة الحكي.

القصة القصيرة كجنس أدبي يتميز بكثافته ولغته المركزة والموحية، يمكن أن يتراوح حجمه بين الصفحة والأربع صفحات، يحقق شروط القصصية بما فيها روح الحكي والتكثيف. أما القصة ق. جدا التي لا تتجاوز الثلاثة أسطر فهل نجحت في تحقيق متعة روح القص والحكي؟؟...
لذا أعتبر ق.ق.جدا لونا قصصيا مؤقتا وفورانا منذورا للانطفاء وتبقى القصة القصيرة الجنس الأدبي المستقل بذاته الذي يحقق شروط القص والتكثيف والترميز ومتعة الحكاية وشاعرية اللغة....

إبراهيم القهوايجي – ناقد-

القصة القصيرة جدا ..الجنس الأدبي المناسب لهذا للعصر بامتياز..

ساهمت عدة عوامل في بلورة القصة القصيرة جدا، منها سرعة إيقاع التطور والتحول الذي عرفته المجتمعات العربية التي استلزمت البحث عن شكل تعبير جديد هو القصة القصيرة جدا، هذا فضلا عن عوامل أخرى ليس هنا مكان استقصائها...
لقد استطاعت القصة القصيرة جدا أن تحظى بموقع متميز بين باقي الأجناس الأدبية الأخرى، كما أنها شكلت ظاهرة ملفتة للانتباه من ناحية مقروئيتها وإقبال القراء على التهامها، والمشهد القصصي المغربي يعج بأسماء كتاب هذا الجنس الذي تتالت إصداراته بشكل مطرد، ومع كل هذا الزخم ما تزال القصة القصيرة تسيل مدادا وتثير جدلا في المدونة السردية العربية...

أرى أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي قائم الذات يسنده بناء فني خاص وتشكيل مميز..وهو يستجيب لمتطلبات حياتنا السريعة التي تقتضي بدورها الاختصار في كل شيء..وما التكثيف والاختزال والإيجاز والمفارقة و..إلا انعكاس للحظتنا السريعة المتميزة بتعقد وتشابك تفاصيل وجودنا في ظل واقع افتراضي ، وتزايد خطير لدور المعلومة والتقدم التقني الممعن في التطور..فحاجتنا للقصة القصيرة جدا ، تبعا لذلك، ملحة جدا..
ولا يسعني في هذه العجالة إلا أن أكون متفائلا بمستقبل القصة القصيرة جدا انطلاقا مما يشهده حاضرها ومنجزها الحالي وتراكمها المتزايد في النشر هنا وهناك. أعتقد أنها ستترسخ أكثر فأكثر ، لأنها ومضات سريعة أو ساندويتشات خفيفة ملائمة للحظتنا الهاربة بسرعة ، مع العلم أنها تنطوي على أسئلة عميقة جدا...وسيزداد عدد المهتمين بها كتابة ونقدا وقراءة يوما بعد يوم..ولعل وعي كتابها الجمالي وقدرتهم المعرفية واطلاعهم على تجارب قصصية أخرى ومهارتهم في سبك اللغة ..كل ذلك قمين بتبوئها مكانة سامقة في أدبنا...

د- سعاد مسكين - باحثة

القصة القصيرة جدا ليست بموجة عابرة بل هي صيغة جديدة من الخطاب

مما لا شك فيه أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي خاض غماره العديد من الأدباء والمبدعين المغاربة في السنوات الأخيرة من هذا القرن.ومن المتعارف على هذا الجنس أنه ظهر في أمريكا اللاتينية،وبزغت فيه أسماء لامعة من مثل:" خوليو كورطاثار" ، و" خوان خوصي أريولا" ، و"خوليو طوري"، وآخرون. لكن هذا لا يمنع من وجود جذور أصيلة له في الأدب العربي القديم، إذ لا تختلف القصة القصيرة جدا في بنيتها ورؤاها عن بنية الخبر أو النكتة (أخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار اللصوص، وأخبار العشاق، وأخبار البخلاء...)، بنية حاولت أن تقارب الذهنيات العربية المهمشة والمقموعة ببلاغة تتأسس على الوعي الجمالي، و على التكثيف الصوري والرمزي.

لا تخرج القصة القصيرة جدا إذن عن هذا الإطار، فقد جعلتها خصائصها البنيوية المتمثلة في : القصر والإيجاز/ حضور المعنى المقتضب / تفادي الجمل الطويلة / اجتناب الإطناب / إيحائية ورمزية المعنى / تنوع النهاية /حضور عنصر الدهشة. بأن تكون غمازة، همازة، عبارة عن طلقة رصاص سريعة وهادفة قد تصيب الهدف(القارئ المفترض)، أو تطرحه أرضا قتيلا.

لهذا يمكن القول إن القصة القصيرة جدا هي شكل من أشكال الكتابة لا يخرج عن" أدبية" النص السردي، شكل يتماشى مع متغيرات ومتطلبات الحياة الجديدة، فهو ليس نتاجا جديدا بل هو تطور لأشكال قديمة (النكتة ، الخبر ) واستمرار لأشكال حديثة ( القصة القصيرة). ونعني بهذا القول أيضا أن القصة القصيرة جدا ليست بموجة عابرة(une mode) بل هي صيغة(un mode) جديدة من الخطاب تلتقط اللحظة، والحدث الومضة بكثافة لغوية، وبلاغة رمزية، تعبران عن الإنسان العادي والهامشي عبر كتابة صادقة وبليغة كما عبر عنها الخبر في الثران قديما.
إن الحديث عن القصة القصير جدا يدعونا أيضا إلى الحديث عن شروط الكتابة فيه لأنه قد يغرر بالبعض ركوب صهوته أخدا بعين الاعتبار معياري الإيجاز والتكثيف، لكن لا يعني ذلك السطحية والفراغ لأننا في بعض الأحيان قد نقرأ نصوصا مطروحة على أعمدة الصحف والمجلات العربية لا ترق إلى مستوى هذا الجنس السردي ، وأقل ما يمكن أن نصفها به ( خواطر، حكايات، ثرثرات...). لذلك نرى من وجهة نظرنا أن المقبل على الكتابة في هذا النمط من الأشكال السردية ، قبل أن يكون مبدعا عليه أن يكون قارئا راكم العديد من النصوص العربية والأجنبية المنتمية إلى هذا الجنس الأدبي، أو القريبة منه كالشعر والقصة القصيرة كي يتمكن من إنتاج نص قصصي قصير جدا محكم السبك، ومبصوما بالجودة.

عبد اللطيف النيلة- قاص –

سيتنامى الاهتمام بالقصة القصيرة جدا... لكن مخاضا عسيرا ينتظرها

كيف تلتقط في ومضة خصيبة صورة من صور الحياة؟ كيف تسرد القطرة، مثلا، تقلبات السماء أو نوايا الغيوم أو هواجس أرض أو حلم بقرة أو روح شخص يفكر في القطرة نفسها؟ ذلك سر/سحر القصة القصيرة جدا. فهي تقطر مادتها، في إيقاع سريع متوتر، لتصنع مجهرا نشرف منه على قطعة من الحياة، فنرى حركة فكرة عميقة، أو تشابك موقف بسيط، أو سيرة عاطفة، أو انكسار حلم، أو قفزة خيال، أو لاشعور حادثة... سرها/سحرها محبوك بخيوط التكثيف والإيحاء، مستثمر للمفارقة والقلب والإدهاش، ناهل من التناص والمحاكاة الساخرة... تتقدم إلينا مستلهمة مزاج نكتة أو مثل أو حكمة، متقاطعة مع روح الشعر أو المنطق أو المقالة أو... والبياض الكثير الذي يتدلى تحت السواد القليل للقصة.ق.ج هو نداء لملء الفراغات واستخلاص الدفين، هو استنفار لإطلاق الشحنة المركزة في رؤوس اللغة النووية. على المتلقي، إذن، أن ينشط الذوق والذاكرة والمخيلة... ليخلخل الكثيف، يوسع الضيق، ويفصل المجمل. كأن الصانع أكمل بناءه بأقل ما يمكن من مادة وصورة، لكنه أودع فيه طلبا لكمال أعلى. كمال يوجد بالقوة، ولن يصير وجودا بالفعل إلا في حضرة قارئ خبير رهيف الذوق.

إن الخصائص السالفة لا يمكن إلا أن تغري القاص بمراودة القصة الق.ج عن نفسها. لذلك أخذت تتسع دائرة الاهتمام بالقصة الق.ج من طرف عدد من القصاصين المغاربة وبعض المنشغلين بالقصة (بوجه خاص، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، التي بذلت جهدا لافتا في احتضانها والتعريف بها وترجمتها). ويبدو لي أن هذا الاهتمام سيتنامى أكثر فأكثر. فالحاجة ملحة إلى سرد يواكب الإيقاع السريع الذي صار يسم عصر الطفرة التقنية، كما يستجيب إلى ما يرد إلى رأس القاص من أفكار وامضة وأحاسيس خاطفة وسيناريوهات ميكروسكوبية. وإذا كانت القصة الق.ج تتمتع راهنا بمكانة متميزة في الأدب العالمي، لاسيما في أدب أمريكا اللاتينية أحد المختبرات النشيطة للقصة، فذلك سبب آخر يحرض على ممارستها وانتشارها.

يصعب، من ثم، اعتبار القصة الق.ج مجرد موجة عابرة لن تلبث أن تنحسر تاركة بحر السرد لقوارب القصة القصيرة وسفن الرواية. غير أن مخاضا عسيرا ينتظر القصة.ق.ج، في المشهد السردي المغربي، حتى تشارف ما أنجزته القصة القصيرة، كما وكيفا. هناك فعلا نصوص جميلة وعميقة، تأخذنا إليها بقوة، لكن ما أكثر الزبد. الجرم الصغير للقصة الق.ج يشجع على اجتراحها، لكنه مدار صعوبتها بالذات: إنه الفخ الفاغر مَكره لمن لا يعرف من أين تؤكل الكتف. أما النقد، الذي يفترض فيه أن يكشف قيمة وحدود وأفق ما تحقق، فمازال صوته خافتا ومحتشما. ربما عن إهمال أو كسل أو عدم اهتمام، أو ربما لأنه لم يستوعب بعد «صدمة» القصة.ق.ج.
ستثمر شجرة القصة.ق.ج أجمل فأجمل، إذا عمق القاص الرؤية وشحذ الأداة أكثر فأكثر، مستندا إلى وعي نظري بخصوصيتها الجمالية. ولابد، بموازاة ذلك، من حضور بناء وفاعل لصوت النقد.

محمد فاهي – قاص –

مستقبل ق ق جدا يتوقف على وعي أصحابه برهانات هذا الشكل العميق " والشعري "

بالنظر إلى عوامل متعددة ، فولادة القصة القصيرة جدا كان طبيعيا ، هنالك من جهة ، تراكمات التجريب في القصة المغربية التي تسارعت في السنوات الأخيرة إبداعا ودراسة ، وهنالك الفورة التي عرفتها قصيدة النثر ، ليس على مستوى الإشكال الشعرية فحسب ، بل على مستوى مايسمى وقتها بالتمرد على الوصاية الشعرية ، ولاشك أن القصة كانت تنصت إلى كل الجدل الذي لم تثره بكل هذه الحدة ، بقدر ماكانت جدارة النص حافزا أساسيا في الغالب.
أعتقد ان " الزرافة المشتعلة " لأحمد بوزفور ظهر في هذه الفترة ليقول :انه يمكن قراءة الذات والإنصات للآخر بوعي جمالي وفكري مرهف .

هنالك من جهة أخرى متطلبات التواصل الرقمي التي تستدعي التعرف على شبكة واسعة من الرموز ستؤثر لامحالة في الشكل القصصي ، هذا دون إغفال التفاعل والحوار مع نصوص أجنبية أهمها القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتينية .

- ان القصة القصيرة جدا تلخص سيرورة الترميز والتكثيف وبلاغة الاقتصاد سواء تلك التي تراكمت في القصة او تلك التي تفرضها متطلبات التواصل المعاصرة.
- القصة ق جدا تقول أكثر مما تقوله القصة القصيرة مع خلاف مايروج أحيانا في صفحات الجرائد ...
- مستقبل ق ق جدا يتوقف على وعي أصحابه برهانات هذا الشكل العميق " والشعري " ، كما يتوقف على اشتغال الدرس الأدبي برصد آلياته البلاغية ، وظروف تشكله وشروط استمراره .
- إنني اكتب القصة القصيرة جدا ، نشرت بعضها في مجموعتي الأولى ، واشعر بجدارة هذا الشكل في اختيار زاوية النظر على الأقل.
- القصة ق جدا ومضة او شظية أو جزيئ تتمثل تجزئيات العالم وتشظيه وإغراقه في الراهن المفارق وكأنه يتمظهر على شاشة هائلة .. فيها تتوسع حقول الهامش والمنسي ، وتبرز التناقضات القاتلة أحيانا ، والمضحكة أحيانا أخرى ، كما تمثل غربة الفرد وسط الآلة في عالم تسيره قوى قاهرة تستهدف نبضه الإنساني وهويته الوطنية ...

1- ندف النار - مختارات من القصة القصيرة جدا في المغرب واسبانيا - سلسلة " ترجمات "-مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى