السبت ٣٠ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦
بقلم راندا رأفت

إنه أبدا لا يستحق

اصطدمت مساء بنبأ موته ، لم يكن وقع موته في نفسي كأي موت سمعت أو قرأت أو حتى رأيته في الدنيا ، تمنيت له كل شيء إلا هذا …

كان جار و مالك للعقار الذي أسكنه و أهلي ، يعمل في أحد المصالح الحكومية ينهي عمله في الثانية ظهرا ، يعود مباشرة إلى البيت لا أظنه التفت لهذا أو ذاك بعد مواعيد العمل الرسمية و لم تكن له من متع الحياة ما تسول له نفسه التأخر عن موعد عودته للبيت …

لذهنك كل الحق أن يتفتق عن سؤال من أين له بالعقار و راتبه الحكومي لن يتعد في أفضل الأحوال الخمسمائة جنية و لم يكن له من عمل إضافي يتربح منه ؛ فقد كان يستبيح كل مال يشم رائحته ، هو لن يسرقك و لن يلحق بك أي ضرر لكنه يجيد فن المسكنة و التقطيب و الشكوى لا يمانع أن يبكي بدلا من الدموع دما كي يثير شفقة من يطمع فيه لدرجة أنك لو وقعت تحت تأثيرة لأعطيته كل ما لك عن طيب خاطر بل و سعيد أنك أسعدت ذلك البائس الذي غدرت به الدنيا و الناس … هذا بالضبط ما حدث مع ابنه حين رزقه الله بإعاره بعد عناء استمر سنوات دون مساندة أبوية من أي نوع .
قالت له زوجته : إنه يأخذ ثمن تربيتك بالفوائد
قال لها : أخرسي
أعطى له ما جمع و كان هذا العقار الذي أسكنه و أهلي ….
يالبشاعة أصوات البكاء على الميت .. ينتفض قلبي لها ألما و امتعاضا و تحسرا…

لم يكن يلقي بالا بالناس و لا بما يدور حوله كل شيء يراه من منظور التآمر العالم يتآمر على مصر حقدا ، التجار يتآمرون على شركات المياه الغازية و يتهمونها بالصهيونية غيرة من نجاحها ، يتعامل مع الناس اللذين يعيشون معه و حوله على أنهم حثالة ، أو مجرد كائنات دونية تطمع في التقرب منه و التودد إليه ، بحكم منصبه الإداري يأتيه أصحاب حاجات في غير أوقات العمل في سبيل خدمة ما، توقيع ما مسألة حياة او موت بالنسبة إليهم و لن تكلفه هو شيء ، أستمع لصوت إذلالهم تكبرا لا يريد أن يقابلهم بحجج شتى واهية يأكل، نائم، متعب ، تعلو أصوات دعواتهم عليه و هم ذاهبون جارين أذيال الخيبة ، و هو أبدا لا يلين .

حين عودته إلى البيت يتفرغ لمراقبة الداخل و الخارج من السكان حاشرا أنفه فيما يخصه و ما لا يخصه يعطي لنفسه الحق في معاقبة أي مقصر حتى لو في الواجب المدرسي ، هو ضيف أساسي في كل الحفلات و المناسبات و العزومات ، يعامل السكان معاملة من يمن عليهم إقامتهم في عمارته بفلوسهم ، رغم ذلك كان الويل كله لمن يتاخر في دفع الإيجار و لا شيء عندة يسمى أعذار .

لم أسمع طيلة العشرون عاما اللذين قضيتهم في عمارته عن زائر ما طرق بابه حتى ابناءه لم يمكثوا ساعة من نهار عنده ثم يخرجون فلم يكن يحسن الاستقبال بخلا يخرج في صورة تعاليا على البشر، لذى نفر منه الأقربون و لم يحتمله أصدقاء .
آه لو يعلم أن بيته الآن مزدحم بأناس قريبين و بعيدين .

أتذكر حين ماتت زوجته رفض بشدة أن يقيم لها عزاء بحجة أن الناس لم يعرفوها حية و هو لا يريد أن يعرفهم و هي ميته .. حجة بلا منطق ، الآن ابناءه يناقشون إقامة العزاء له ، و خلصوا إلى أنها بدعة ..

ظل الابناء طيلة العشر سنوات بعد وفاة أمهم يخدمونه بكل ما يملكوه من جهد و مال بلا تذمر بل و يعتبرون ذلك واجب مقدس عليهم ، لم يجعلوه يخرج مليما من جيبة و هو غاية مناه، رغم أنه مازال في عمله و يخرج له من إيجار العقار مبلغ كفيل وحده بحياة هانئة لم يشرك ابناءه فيها لكن لا أحد يعلم أين تذهب أمواله ، حتى بعد وفاته لم يحل هذا اللغز …
لم يعرف تاريخ البشر رجل مثله له من المال و البنون الصالحين و السكن و السلطة على أقرانه و رغم ذلك لم يضحك في وجه أحد لم يبتسم لم يداعب حتى أحفاده لم يحلم بغد و لا يذكر أمس ، كل أمانية أن يأكل و يشرب و ينام شريطة أن لا يخرج من جيبه مليما واحدا .

وجد الحياة كلها التي يتمناها …
ثم يموت !!!!!!!!
بأي حق يموت !!!!!
أيموت ليزداد راحة على راحة
وهو لا يستحق سوى الحياة بعذابها
كنت انا الأحق منه بالموت ...ا يكفي حتملته عشرون عاما ....
هو أبدا لا يستحقه …..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى