الاثنين ١ آذار (مارس) ٢٠٠٤
بقلم محمد عبد الحليم غنيم

الملــعونة

قصة قصـيرة

(1)

كان عليّ أن أرفض الذهاب إليه من المرة الأولى؛ خاصة وأنا أعرفه جيداً، منذ كنت عندهم في السرايا، كانت أياما وكان لا يزال طالباً في مصر، لا يأتي إلا في إجازة الصيف.. وهل أنسى ذلك اليوم. إذ دخل عليّ المطبخ وكنت نائمة وكان الجو شديد الحرارة في شهر يونيه..

لذلك رميت جسدي من شدة التعب فوق البلاط الأملس مرتدية ثوباً واسعاً من أثواب ستي التي كانت تجود علي بها. في البدء سمعت صوت أقدام تقترب منى، غير أنني لم أبال، وأظنه الشقاء، شقاء العمل الذي جعلني لا أستطيع القيام. وما هي إلا برهة، وإذا بجثة كبيرة فوق جسدي الملصق بالأرض العارية. كدت أصرخ، لكنني لم أستطيع إذ كتم بيده فمي في الحقيقة خفت الفضيحة، إذ لن يتوقف الأمر علي طردي من السرايا، بل سأصبح مضغة في الأفواه ثم في النهاية أقتل ككلبة مسعورة. أخذ يقبلني وأنا مستسلمة خائفة أردد في يأس: عيب يا سيدي. عيب، بينما هو يقول أحبك يا سنية.. أحبك.. ولم أدر بنفسي بعد ذلك إلا أنه قام من فوقي خجلاً ولطمني علي وجهي ففهمت كل شي. وحمدت الله، إذ لم يصبني بسوء، وشعرت بالآسى له وقمت من فوق البلاط رتبت ثوبي ولملمت شعري بينما أخذ المسكين في البكاء.. وكنت أخاف أن تصحو ستي، قلت له :

- استرني الله يسترك ولا يفضحك يا سيدي..

فأعرض عني وسار يجر ذيل خجله ومن يومها وهو كلما رآني في البيت أعرض عني وشعرت أنه بات يكرهني ولم يخلصني منه إلا زواجي من صالح العسكري الله يرحمه. ولما مات المرحوم عاد من جديد يطلب مني الغواية وها هو يرسل لي العجوز الماكرة.. ألا يستحي الرجل بعد أن كبر وتزوج! لكن ماذا أقول : يموت الزمار وإصبعه يلعب.

قلت له :

- عيب يا سعادة البيه أنت رجل محترم.

فقال :

- دعيني أجرب يا سنية. لقد شفيت.

- لكن هذا عيب.

فضحك ضحكة خليعة وظن أنني قبلت:

- عيب.. يا بت.

وارتمي علي كصبي مراهق وأنا ثابتة في مكاني أتلقي قبلاته وعناقه كصنم.. ثم أخيراً دفعته بعيداً عني فوقع وارتمي فوق الكنبة وهو يلهث. وعندما استرد قوته. نظر لي نظرة كلها عتاب وأسي.

ذكرني بليلة المطبخ، فأشفقت عليه، أشفقت علي شيخوخته وشبابه معاً سحب زجاجة من تحت الكنبة وأخذ يلقي بها في جوفه، وكمن تذكر شيئاً، صب لي كأسا وقال: أشربي وشربت.. ثم صب كأساً أخرى، وتوالت الكؤوس وكان هو قد ثمل فأخذ يهذي ويذكرني بأشياء أعرفها وأشياء أخري غريبة.

ثم شعرت برأسي يدور فوق رقبتي فنمت حتى رأيت الصباح لائحا من النافذة التي كانت قد تركت مفتوحة، ففزعت وكان الرجل نائما هو الآخر، حاولت أن أوقظه لكن دون جدوى، قمت علي عجل فتحت الباب وخرجت من السرايا خائفة أخشى أن يراني أحد. هذا ما كان قد حدث طوال ليلة الأمس.

( 2)

مشت سنية تتلفت حولها خشية أن يراها أحد في ذلك الصباح الخريفي الرائق وهي في جلباب خفيف قديم يكاد يتهرأ من فوق الصدر وعند الأكتاف، إنه في الواقع رغم قدمه يكشف مفاتن امرأة طاغية الأنوثة، ابتعدت عن السرايا بمسافة كبيرة وحمدت الله أن أحداً لم يرها، وكان الوقت لم يزل مبكراً سرت في داخلها نشوة ظفر وهي تتذكر الرجل العجوز يكاد يبكي : دعيني أجرب.. سوف أتزوجك وأكتب لك البيت.

دعيني فقط.. وعاودتها نوبة الشفقة نحوه.. عدلت من وضع جلبابها فوق صدرها وشدته إلي الأسفل بطريقة آلية وإعجاب خفي بجسدها اللدن وفي غمرة هذه المشاعر المختلطة ظهر فجأة كعفريت أرض " حنفي العبيط " أمامها. ذهلت وكادت أن تسقط مغشياً عليها من هول المفاجأة.. فلما عادت لصوابها وتأكدت أن الماثل في بلاهة هو ( حنفي العبيط ) ضحكت من نفسها وعلي الفور عادت لها رابطة جأشها، اقتربت منه وخطبت علي كتفه في دلال: يخرب عقلك يا حنفي..خضتني يا ولد ثم أطلقت ضحكة أنثوية صاخبة وسط الطريق لكنها سرعان ما تداركت الأمر، فعلا وجهها مسحة من الحزن العميق بتأثير الأيام والسنين المرة التي عاشتها وسط زمن وأناس لا يرحمون. زاد مظهرها جدية الصمت والجد المرتسمان علي وجه العبيط، لأول مرة تراه هكذا، نازعتها المخاوف، وشعرت بنفسها مقبوضة فقالت : مالك يا حنفي.
لم يرد عليها وعندما استأنفت السير مشى خلفها، حتى أوصلها إلي المنزل، ولم يكن بعيداً وعاد أدراجه يسيح في القرية بجلبابه القديم الممزق يبان من تحته الجلد وغابه من الشعر فوق الصدر تثير حسد النساء وتذكرهن بأشياء خاصة، أما الشعر فوق الراسي فقصير دائماً بينما الذقن نابت كحلفة صيف برية.

دخلت " سنية " المنزل لتجد الأولاد نائمين. جرت نفسها إلي المطبخ في تثاقل وأخذت تعد لهم فطور الصباح، عمل بسيط لن يستغرق دقائق بينما القلب مشغول بهموم الأمس وسنين طويلة مضت.

فاجأها صوت إسماعيل الصغير وهو يجري نحوها : كنت فين.. أنا عيطت عليكي. أخذته علي صدرها وقبلته قبلة أمومية وهي تمسح دموعه بيدها وقالت تهدئه :

- أنا كنت نائمة بجوارك يا حبيبي.

ثم تركته ينساب من بين يديها وهي تقول له : روح صح أخوتك.

وبعد ذلك يأتي صوت مصطفي وأحمد : صباح الخير يا ماما.

صباح الخير يا أحمد.. صباح الخير يا مصطفي.

تكاد تكون تلك طقوس الصباح المعتادة، منذ وفاة زوجها صالح العسكري، يفطر الأولاد ثم يذهب الكبيران إلي المدرسة.. وعندما يلحان عليها تسمح لهما بأخذ الصغير معهما، خاصة عندما تكون ذاهبة إلي السوق.

(3)

كان الأولاد في ذلك الصباح من شهر أبريل في مدرستهم، وكان النهار لم يزل في أوله عندما دخل حنفي العبيط من الباب الموارب علي الشارع – دون استئذان كما هو المعتاد – وجلس فوق الكنبة الوحيدة في مدخل البيت بينما كانت سنية تجلس علي الأرض في جلبابها الخفيف الذي جاءت به من السرايا، تعبث فوق الأرض المتربة بعود جاف من أعواد القطن، في البدء لم تنتبه لوجوده، يبدو أنها لما فوجئت به لم تغير من جلستها كان الجالس فوق الكنبة في صمت يستطيع أن يري في وضوح تفاصيل جسدها تحت الثوب الخفيف، الصدر المكتنز يمتد فوقه جيد مرمري عاطل إلا من الليونة وبعض حبات العرق الخفيفة كحبات لؤلؤ نادرة. والعود ممشوق ينتهي بأرداف ممتلئة، بيمنا يقبل الأرض فخذان مشرب بياضهما بالحمرة، كشفت عن جزء منها دون قصد، إنها الأنوثة الطاغية للمرأة التي خلبت لب الكهل العاجز، إنها الأنوثة الطاغية النهمة التي أثارت حسد النساء في القرية فلاكت ألسنتهن الحكايات والأساطير حولها إنها الأنوثة الظالمة المظلومة التي جعلت من سنية امرأة العسكري سنية الملعونة.

هل كانت هذه الأنوثة تعني عند العبيط شيئا؟ هذا ما تساءلت به سنية نفسها، وعند ذلك تحركت بحركة لا إرادية كشفت عن جزء أكبر من فخذها، ثم قامت وجلست بجوار العبيط وكالعادة سألته : تأكل؟ فهز رأسه بأن : لا..

- تشرب شايا؟

وكان منه نفس الجواب. واستمر مد الصمت بينما لم تتعود منه ذلك، فوق ذلك كان حنفي واجما، أيكون العبيط لاحظ شيئا؟ أيشك العبيط في مثل الآخرين؟ وتقاطر عليها مد من الأسئلة. حتى كادت تصيح في العبيط تكلم ماذا تقصد بصمتك؟ غير أن العبيط عاجلها وقذفها بالذي أثار جنونها :

- لا تذهبي إلي هناك مرة أخري.

فذهلت المرأة، أن العبيط يتكلم في جدية، إذن هو ليس عبيطاً، إنه يردد كلام الناس، نفس الذي يقولنه، امرأة العسكري لن تتوب، امرأة العسكري لم تزل تحن إلي السرايا. امرأة العسكري ملعونة سنية ملعونة، لم تعد تدري بنفسها. دفعت حنفي العبيط فأوقعته من فوق الكنبة وأخذت تضرب فيه بالحذاء وتصيح كالمجنونة، وتهذي بكلام غريب لم تع منه شيئاً، فبكي حنفي وانزوي تحت الكنبة وكان الجيران والمارون فيالشارع قد سمعوا صراخها فأتوا يهرولون حتى ملأوا البيت، والكل يتساءل ماذا حدث؟ إلا أن الإجابة كانت واضحة لدي الجميع، لقد كان منظر سنية بشعرها المنكوش وصدرها النافر والذي اندلق منه نهداها خارج الثوب الذي تمزق من فوق أجزاء كبيرة علي جسدها.

وانزواء حنفي وبكائه وترديده :

منك لله.

كان هذا الرد كفيل لإقناع كل متسائل بالإجابة، وأن الملعونة لم تزل ملعونة.

(4)

أضحي الشك يقيناً خالصاً في قلوب الناس امرأة العسكري ملعونة وتستحق الرجم لولا وجود أولادها الثلاثة. لم تجد الملعونة غير حنفي ولي الله. لكن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وها هو قد فضحها.

(5)

في صباح اليوم التالي تناقل الناس فيما بينهم خبرين : اختفاء حنفي العبيط وموت عجوز السرايا الباشا السابق، سليل الحسب والنسب، رغم أنهم نظروا إلي موت العجوز كحادث عادي، إلا أنهم كانوا يتحدثون عن اختفاء العبيط علي أنه اختفاء إلي الأبد. ثم اختلفوا في تفسير هذا الاختفاء.

كان الشيء المؤكد لهم أن سنية ملعونة، لذا سوف يستدعونها علي الفور – رضيت أم لم ترضى – إذا ما مرض مريض لتتخطاه سبع مرات فيبرأ بأذن الله.

قصة قصـيرة

مشاركة منتدى

  • امضيت وقتا كبيرا في قراءة هذه المقال لكن اجده سخيف للغاية اسفة

    • حكاية الشاعر المنكود وزوجته النكداء

      قالت لي جدتي : عليك أن تحتفظ بالطاقية والعصا .. فهما اللتان بقيتا لي فقط . أما الحصان فقد باعه أبوك يوم أن
      عرس بأمك وبعد ذلك لم اعد اطلب من جدتي أن تقص علىّ الحكاية لأنني كنت أعيشها في كل لحظة ، وكنت صغيرا ، لم اكن قد ابتليت بالنكداء .. ومن هنا بدأت الحكاية .
      *الطاقيـــــة :
      أتتساءل في البدء : هل يستطيع الإنسان أن يعيش في هذه الدنيا بدون طاقية ؟ الإجابة عن هذا السؤال هي نقطة الخلاف بيني وبين زوجتي النكداء وعندما أقول النكداء فأنا لا امرح فيها ، فهي بالفعل نكداء ، والمنكود بالطبع هو أنا ، تجعل من ليلى نهاراً ومن نهاري ليلاً ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ما علينا ، المهم أن النكداء ترى دمى ثقيلا وأنا مرتد هذه الطاقية لا تخرج معي إلا إذا خلعتها ولا تنام معي في حجرة واحدة إلا خلعتها ، وليت الأمر يتوقف عند هذا ، وإلا ما كان هناك مشكلة بالمرة ، إنها باختصار تريد حرق الطاقية ، ي للغباء ! وأنا شاعر هل هناك شاعر بلا طاقية ؟ حقا ناقصات عقل ودين عبثا أحاول أن افهمها قيمة الطاقية وفوائدها العظيمة ، لكن ما في الرأس في الرأس أقول لها : لولا هذه الطاقية ما كان استطاع الصبي أن يدخل الغابة ويصل إلى الشجرة ويقطف الليمونات الثلاث .. فلا تصدق . أحلف لها بكل المقدسات ولا تصدق . تقول البلهاء أنى ملحوس العقل ، وان مكاني بين المجانين في مستشفى العباسية . ماذا افعل بدون الطاقية التى تقى أذني من البرد ؟ لن أستطيع الذهاب مبكرا إلى الفرن لكي اجلب لها الخبز قبل الزحمة .
      *العصــــا :
      " العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه المقالة " وهذه النكداء بعد أن اخفت الطاقية ليس لها غير قرع العصا . لو لم يبع أبى الحصان ، لكنت قرعت رأسها فتنفلق نصفين وعند ذلك البس الطاقية واركب الحصان واخذ العصا وافر بعيدا عن هذه النكداء ، لكن كيف يكون ذلك وأبى باع الحصان وهى اخفت الطاقية والآن تريد أن تكسر العصا . لم يبق غير العصا لم يكفها كل الذي فعلته البلهاء تظنني سأسكت لها ، لا ، في هذه الحالة اخنقها بيدي هاتين ، سوف اخنقها النكداء العاقر ، إلا تستحي ؟!

      * المـــــــاء :
      اعطني يا سيدي جرعة ماء . لا أسألك أن تعطني خبزا فقط جرعة ماء لي في مدينتكم هذه ، يومان ولم أذق طعم الماء .. اسمع هذه الحكاية يحكى انه في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، كان رجل شاعر يضرب على قيثارته فيشجى السوقة والملوك بكلام مؤثر وحكايات عجيبة واتفق انه ذات يوم سمعته زوجة الملك فأمرته أن يكف عن الغناء وكانت امرأة شريرة ، يخشى بأسها ، تضرب بالسيف وتلعب بالرمح وتكيد للرجال ، فامتثل الشاعر المسكين للأمر وكان الملك غائبا في هذه الأيام ، فاخذ يبكى وهو يقول لنفسه لو كان الملك هنا ، وبينما هو على تلك الحالة يفكر في الأمر ويتدبر انشقت الأرض وطلعت منها صبية مليحة بوجه مثل البدر ، فاندهش لطلعتها واعجب بجمالها ، فوقعت محبتها في قلبه على الفور ، وقال لها : أنجديني يا سيدتي .. وقد عرف أنها جنية من بنات الجن ، واخذ يحكى لها ما حدث له من الأول إلي الآخر فقالت له وهى تبتسم : أنا ما جئت يا نور العين إلا لهذا ! ففرح المسكين وهوى على قدميها ليقبلها ، فإذا بها تصرح صرخة مدوية شالته من فوق الأرض وهى تقول : لا تلمسني فصعق المسكين بقلب باك وفم شاك ، لماذا يا سيدتي ، فقالت وهى تلهث : لا تسأل فيما لا يعنيك ، ولكن خذ هذه الطاقية وتلك العصا .. وأمام الباب ستجد فرسا مربوطا .. حله واركبه ثم البس الطاقية وخذ معك العصا واعلم انك إذا لبست الطاقية فلن يراك أحد .. أما العصا فما عليك إلا أن تطرق بها أي باب فيفتح لك على الفور وركب الرجل وهو يكاد يطير من الفرح وبعد دقائق وصل لكن المسكين وجد القصر خاليا لا يوجد به صريخ ابن يومين ، فعاد أدراجه مكسور الجناح وراعه أن المدينة ساكنة ، فعلم أن أهلها هجروها فأوقف الفرس واخذ يبكى ثم أحس بالعطش الشديد .. مللت يا سيدي .. لا تعجبك ! عنك مثلها اعطني جرعة ماء وأنا أقول لك حكاية افضل منا ألف مرة .. لا تريد ، إنها حكاية جديدة ، لم احكها لأحد من قبل .. حكاية حقيقية ، اقسم إنها حكاية حقيقية .. ماذا تقول ؟ سأحكيها لك من الآخر . اسمع : لقد خنقت زوجتي النكداء بيدي هاتين .. لا تصدق .. أنت حر .. اعطني الماء .

      محمد عبد الحليم غنيم

    • قواعد اللعبة
      تأليف : جيمس وود
      ترجمة : د. محمد عبد الحليم غنيم

      ـ 1 ـ
      اتكأت تراقبه في هدوء وثبات ، كشفت لها صورته المنعكسة عبر مرآة الدولاب عن شاب طويل منحنى قليلا ولكن دون كرش منتصف العمر أو استدارة شاب في الثلاثين .
      ـ تريدين كأسا ؟
      بدا السؤال وكأنه جاء صدفة في حقيقة الأمر ، أجابت :
      ـ أريد واحدا .
      بدا له صوتها هادئا ومحايدا ، إنه ليس صوتها الذي كان يضج بالسعادة منذ لحظات قليلة استطاعت أن تسمعه في الطرقة وهو يمزج الشراب مستغرقا منتظرا لكي يعطي لها الفرصة لتغطي نفسها ، قال :
      ـ لا أجد الصودا
      تعرف أنه عذر لكي يشرع في دخول غرفة النوم ، ودائما هناك عذر ، على الرغم من أنهما ليسا قلقين من رؤية جسدهما العاري بعد الانتهاء من الحب ، إنه واحد من القواعد الغير مكتوبة للعبة .
      ـ ستجده في مكان ما هناك ، ربما في إحدى الزجاجات .
      وضعت ذراعيها في الروب وزرته ثم أعادت ترتيب مكياجها بسرعة .
      عندما عاد إلى الحجرة ، تردد للحظات عند الباب ن ولكنها كافية كي تشعر بوجوده داخل الغرفة ، فكرت هي عودة المحارب لأرض المعركة من جديد ؟ ولكن المعركة انتهت والعدو قهر ، شكلت الملاءات غير المرتبة تلالا وخنادق وأن النصر ليس لأحد ، وأن السلام الملوث كهدنة قد ملأ الحجرة .
      ـ أشكرك يا حبيبي
      ثم أضافت وهي ترتجف :
      ـ في صحتنا
      أجاب :
      ـ في صحتنا
      ثم شربا ببطء ، ببطء شديد
      ـ أخبرتني واحدة أنها رأتك في حفل ديكسون المساء الماضي .
      ثم أضافت وهي تحاول أن تجعل صوتها طبيعيا :
      ـ هل استمتعت بالحفل ؟
      ـ " عادي . . الجميع يتكلم ولا يقول شيئا . وسالي ديكسون مثل عجوز ينثر الحبوب أخذت تبعثر الشائعات المغرضة دون تمييز ، بالطبع "
      في ابتسامة غير مقنعة :
      ـ بالطبع . هل كان هناك أي شخص جديد ؟ شخص ملفت للنظر ؟
      ـ كل رفقاء سالي لطفاء تماما ، مثل الأميبا لعالم البيولوجي أو الروث للخنفساء .
      ضحكت ، لكن إجابته كانت أكثر فصاحة :
      ـ هل حقا كانت بهذا السوء ؟
      ـ فاسدة يا عزيزتي ولكن ليست بهذا السوء ؟
      ـ لذلك أظنك غادرت الحفل مبكرا ؟
      فوجئ بالسؤال فكانت إجابته محملة بالغضب :
      ـ نعم ، فعلت ذلك في الحقيقة !
      عند ذلك تورد وجهها وابتهجت نفسها ولكنها قالت لنفسها أن عليها ألا تندفع وتتعجل الأمور وأل تتدخل فيما لا يعنيها .

      ـ 2 ـ
      ـ أريد كأسا آخر .
      قالت ذلك وهي تحرك كأسها الفارغ وكأنه دلالة على المهادنة أخذ الكأس وهو يبتسم لها ابتسامة مختصرة وعينه تقول لن يجعلها تسمع أو تعرف ما تريد سماعه ومعرفته .
      فكرت ، تقول العيون كثيرا ، تنقل الحب والكراهية والرغبة والاشمئزاز بين شخصين ، قالت بعد فترة صمت بدت كانقطاع التيار الكهربائي دون أن تنظر في عينيه مواصلة التظاهر :
      ـ في الواقع كان هناك شخص جديد في الحفل .
      لماذا يكرر دائما كلمات في الواقع ، عندما يريد أن يقول هذا إذا أرادت الحقيقة فها هي .
      سألت بعد انكشاف اللعبة :
      ـ هل هو شخص أعرفه ؟
      هز كتفيه :
      ـ لا أعتقد ذلك ، إنها أحد أصدقاء نيد روجر ، إنه شخص وقح ، أتذكر ما التسلية المناسبة التي كانت ستقوم بها ، إذ كان من الواضح أنها غرة ، ربما أقحمها ني في هذا . . صمت قليلا ثم قال :
      ـ ليست من طرازك يا عزيزتي
      وتوقف ليبحث عن الكلمة المناسبة ، فوجدتها هي وقالت :
      ـ صغيرة
      ـ كنت سأقول ساذجة ولكن كلمة صغيرة تؤدي الغرض تماما
      عضت شفتيها ، تريد أن تضربه أو تحطم ذلك الوجه الوسيم ، المتعجرف ، هذا الوجه الطفولي غير المنسق ، قالت :
      ـ لا بد أن تقدمها لي ، ربما نستطيع أن نكتشف شيئا مشتركا بيننا بعد كل ذلك .
      ـ لا أعتقد ذلك يا حبيبتي ، فهي من النوع النشيط المتحرك يمارس التنس والسباحة وركوب الأمواج في نادى اتحاد جاكس في برومس ، هذا الحماس والعرق يشير إلى حركتها الشابة .
      ـ اللعن ، يا لك من ابن زنا عفن ، لابد من هتمامات أخرى ، على الأقل تمضية بعض الوقت في اللهو " اللهو " انزلقت الكلمة على لسانه كخمر الفاكهة ، فأجاب :
      ـ لا أفهم ماذا تقصدين ؟
      ـ كذاب مخادع أثيم ، أنت تعرف عليك اللعنة ، ماذا أقصد 1
      ـ ربما لديها معجبون آخرون بخلاف نيد ؟ إنه في خلال يومي . .
      أوقفت نفسها ، ولكن متأخرا جدا
      ـ في خلال يومك ؟
      ـ آه . . لا شيء
      ـ كنت على وشك القول أنه خلال يومك ؟ كيف هو الحال خلال يومك ؟ كانت متعته واضحة ، بالله أخبريني يا حبيبتي إنه دائما مبهر وممتع أن تعلم عن الأوقات الماضية
      صمت في المكان ، صمت طويل ، قالت برقة في الصوت : يريد جيرالد أن نقضي نهاية الأسبوع معه ، هل يمكننا فعل ذلك ؟

      ـ 3 ـ
      ـ ترى حقا هل يريد ذلك ؟
      ـ بالطبع ، إنه يتمتع بصحبتك
      ـ دعك من هذا يا مارجوي ، ماذا لدي وأنا مدير بنك متقاعد ؟ ما الشيء المشترك بيننا بخلافك ؟
      راقبها عن قرب وهو يلوي السكين ، ثم قال :
      ـ هل يستمتع برؤيتنا ونحن ممسكي الأيدي حيث نأوي إلى السرير طوال الليل فينصت إلى أصوات الحب من الحجرة المجاورة ، هل لديك أية فكرة عن مشاعره عندما يحدث هذا ؟
      ضحكت في تردد وقالت :
      ـ لا تكن أحمق يا حبيبي هو لا يهتم بهذا ، هو إلى حد كبير واسع الأفق .
      ـ أنت لا تعرفين عن أي شيطان أتحدث ؟ أليس كذلك ، المسألة ليست كونه اسع الأفق يا حبيبتي ، إنها مسألة غيرة وكراهية و غل من العجوز الحرون .
      نظرت إليه في حيرة :
      ـ لا أفهم !
      ـ لا هل حقا لا تفهمين ؟
      ـ هل تعتقد أنه يحبني ؟ أو مغرم بي ؟ أهذا ما يقلقك ؟ ثم أضافت في صوت يومي بالاحترام لذاتها .
      ـ ولكن ذلك سخيف . . جيرالد
      فأكمل جملتها :
      ـ عجوز جدا . لا يوجد عمر محدد للحب يا عزيزي ، ولكن ذلك يعتمد مع الحب على العمل
      ـ إذن أنت تعتقد انه يغار منك ؟
      ـ يغار من كلينا .
      نظرة مرتبكة على وجهها جعلته يضيف باستمتاع :
      ـ ربما كان يغار من شبابك الدائم ونشاطك الجنسي وربما كان يحسدك على موهبتك غير العادية في جذب الأشخاص الذين هم في منتصف العمر .
      حاولت أن تضحك ولكنها قالت :
      ـ الآن ، يبدو لي أنك احمق حقا !
      ـ هل أنا كذلك فعلا ، ربما بطريقة عثرت على إكسير الشباب ، الحياة سر كبير ، فهي أنفس من المال وأكثر حسدا من الثروات .
      ـ لا أرى ذلك مضحكا جيدا .
      ـ إذن لم لا نواصل المزاح .
      ثم اقترنت صوته هذه النغمة الشاذة فأضاف :
      ـ وتكون النكتة مسلية فقط عندما يدرك كل إنسان أنها مضحكة بشكل واضح جدا
      ـ ولكنها لا تكون مضحكة جدا عندما يكون المستمع مدفوعا للمشاركة
      انطلقت الكلمات دون تفكير ، ثم أضاف وهو يشعر بالحقد
      ـ أخيرا ، الحقيقة المرة حكمة العمر .
      تلاقت الوجوه والأجساد بحركة لا إرادية وبهدوء بدأ جسد المرأة مستسلما مثل بالون يفرغ هواءه ، ثم تمتمت :
      ـ أنا آسفة ، من الحماقة أن نتشاجر هكذا ، لقد قلت لنفسي أن هذا ليس وقت الشجار ، وانتظرت أن يأتي ولكنه لم يفعل ، مما كان منها إلى أن وصلت الدرج وأحضرت منه صندوق صغير وقالت :
      ـ لقد اشتريت لك هدية ! كنت مارة على . .و .....

      ـ 4 ـ
      قاطعها بحدة :
      ـى تعنين أنك ذهبت عن عمد إلى هناك لشراء شيئا ؟
      ـ لا ، حدث فقط أنني . .
      ـ يا الله . دعينا نوقف هذا الادعاء السخيف ! أنت ذهبت إلى المحل وسألت عن شيء غال الثمن ، شيء جميل يكفي لمقايضة شاب ذو جسم لين ، ربما لم تقولي هذا في كلمات كثيرة ، ولن تفعلي ! هذا هو الجزء الكامل من اللعبة ، نوع الفلسفة السلم والثعبان ، نطلع السلم عند الادعاء ، ثم ننزل فقط كلما اقتربنا جدا من الحقيقة .
      عند ذلك قالت في مرارة :
      ـ أنت حقا في لياقة جيدة الليلة .
      ـ أنا دائما في لياقة جيدة ، وهذا هو ما تدفعينني إليه ... آه لا تخبريني بأنك متفاجئة ؟ وأنك تجدين ذلك بغيضا ربما كان الحب مرضيا ، ولكن هذا الحوار كريه ،انزلقي على الثعبان ثم عودي إلى المربع الأول ..
      ـ أعتقد أن عليك الذهاب الآن
      ـ أذهب فقط عندما بدأت لأول مرة هذا المساء استمتع بنفسي
      ـ من فضلك
      ـ لكن تلك حرفتي ، عملي ، أن أرضي ، أن أمنح السعادة ، أنت تعرفين حقا درست القانون في الجامعة ، كان والداي يريدان أن أصبح محاميا ولكن هذا كان كئيبا ، محزنا ، ومثل هذا كان عملا صعبا ، بل أصعب من ذلك ، وكذلك لم يكن مجزيا .
      تحسست الهدية ثم أخرجتها له آملة ، مثل طفل يقدم لعبته المفضلة في مقابل ابتسامة صغيرة ، ولكنه لم يبتسم ، انتهت اللعبة ، عرفت ذلك ، وأي قدر من التظاهر لن يستعيد ثقته ، ربما يلعبون نفس الشيء حتى النهاية ، ولكن في الواقع جادت النهاية هذه المرة .
      فتح الصندوق الصغير ، وقال :
      ـ أزرار أكمام .. هذا حقا ما كنت أريده
      قالت :
      ـ ذهب
      ـ أنا متأكد أنها كذلك
      ـ قال الرجل إذا لم تعجبك ..
      فقاطعها على الفور
      ـ أستطيع أن أعيدها واسترد المال
      ثم أضاف بعد صمت قليل :
      ـ يا له من رجل لطيف ، لا أعرف بالضبط ماذا حدث لآخر زوجين من الأزرار منحتهما لي ، أظنهما قد فقدا !
      ـ لا تهتم
      توقفا عن الكلام ، يحول بينهما صمت محرج ، ولكنه استأنف قائلا :
      ـ من الأفضل أن نفترق ، الليلة مشغول ن أوقات سعيدة ، شكرا مرة أخرى على الهدية .
      أومأت برأسها وراقبته وهو يأخذ معطفه الثمين الذي كان قد ألقاه بلا اهتمام على المقعد ، إنه يبدو دائما غير لائق على عكس النسيج الذهبي الغالي ، إنه مثل غطاء مؤقت ، سرعان ما سيزول .
      ـ 5 ـ
      وقفت عبر الباب المفتوح كما لو كان يريد ان يقول شيئا ، ولكنه غيًر رأيه وهز كتفيه وهو يسير خارجا ، أما هي فحدقت في الباب المغلق لبض الوقت ، متأملة عبر سطح خشب البلوط التعرجات البارزة قليلا هنا وهناك .. إنها مثل دموعها الجارية فوق مكباحها الثقيل ، تنقش خطوطا فوق البودرة المعطرة ، ثم تتدحرج على وجنتيها الرخوة لتستقر في ثنيات جلدها المكرمش .
      لعبة أخرى قد انتهت
      ومرة أخرى ها هي تتوه .
      د. محمد عبد الحليم غنيم

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى