الخميس ١ نيسان (أبريل) ٢٠٠٤
بقلم سعيد جاويش

باخرة الحلم

ذؤابة من النور تفصل بينه وبين السماء الملبدة.. افترش صخرة مليئة بالنتوءات..
عاجلته دوامات الجنون.. زجره البحر بعنف.. أسلم روحه لماضيها المكتظ.. أواه
إنك لا تسبح في النهر مرتين.. النهر يتغير وأنت كذلك..

زجاجته البنفسجية المغلقة بسدادة مهترئة ذكرته بقلبه، برياح الأمس الهادرة.. تبدد
الواقع والمحجرين أمسيا مدى ً وأعماق، أرهقته مياه النفس الراكدة لا يقوى على
صد الرياح العابثة بذؤابته، قصة الركوع حكايا الصراخ السابق والصمت اللاحق
يا معبد السكينة أغثه بقرابينك الحكيمة.

كلمة واحدة لا تكفي لموت لكنها كانت قاضية كضربة ملاكم ٍ محترف، يومها كان كهفاً مترعاً بمياه تغلي وتفور يؤوي الوحوش الطيبة والسكون، لا تلمح سوى عينين محمرتين وحقيقة بأنصال ٍ براقة.

أفرغ بنفسج زجاجته دفعة واحدة.. شحبت عيناه بعدما كانتا تسميان جمرتي الكهف
تحول لخيوط مبعثرة تنهشها الأنواء يجمعها قلبه، شعره كالبيرق يجيب على أسئلة الريح بلا مقاومة ٍ تذكر..

التفت حوله كائنات طائرة أجسادها سوداء وجوهها مشوهة عيونها حمراء ملتهبة،
رماح صغيرة مدببة تنفر من جباهها، رقصوا حوله بانتظام مذهل، الطبول تقرع
بصخب ٍ هائج يدمي الأعصاب التالفة، بدؤوا يتلفظون بكلمات منفرة غير مفهومة
إيقاعها رتيب مزعج طنينها حاد جدا ً.. باااه.. بييه.. بوووه.. باااه.. بييه.. بوووه...
ثم حطت عليهم أجنحة ٌ تشبه أجنحة البعوض الضار زادت من بشاعة الصورة والصوت.

الريح عقدت حاجبيها تتابع ما يحدث بترقب ٍ واهتمام بالغ.. البحر أصاخ
السمع , فضوله لا يرتوي لسماع الحكايات القديمة.. اقتربت الكائنات الطائرة المشوهة من بعضها ثم اتحدوا في أحدهم ودخلوا الزجاجة البنفسجية الفارغة!!..
(هل يمكن لكلمة أن تنقلب جهنما ً ؟.. )

فتح الزجاجة الحمراء الملاصقة للبنفسجة وبدأ يشرب.. لا لا ليست كلمة فحسب..
كلمة وبصقة على جسد الجبل الكالح الأصم.. ( لماذا؟ لماذا تبصق على الجبل أيها الأرعن الحقير؟) لا يذكر سوى أنهار دماء ٍ حفرتها السياط اللامعة على جسده الواهن المتهالك.. الكثير من الوحوش الطيبة رفاق الكهف الجميل دخلوا النسيج
القطراني المحكم المتقن.. وُزِع على كل ٍ منهم رسن ٌ من الذهب الخالص كان
كافيا ً لزرع ابتسامة ٍ صفراء أبدية على وجوههم المتجمدة واغتيال روح الماضي
الحافل بالنقاء.. إلا هو يتوسط بركة من الدماء المتخثرة الحارة على البلاط البارد..
يسعل.. يتقيأ.. يئن بجنون فلا يتلقف سوى الصدى من الجدران الحجرية الصماء..
لم يكن معه في قحطه سوى رامبو وهو يتمتم قصيدته العذبة

( يالهم من أقوياء /الرهبان/ يالهم من سلالة من الفنانين/ من الخير أن تندثر).. كان يزوره على صهوة ٍ زرقاء ويردد ( الحياة هي المهزلة التي ينبغي أن يحوكها الجميع)..

حتى الزوجة لم تعد موجودة.. تذكر فجأة ً أنه لم يعرفها جيدا ً طوال زواجهما,
أخيراً قررت الساقطة أن تهجره مع قنفذ ٍ أسود لعين.. وصلت إليه تأوهاتهما
الفاجرة على شريط ٍ مسجل أعادوه على مسامعه عشرات المرات في اليوم الواحد..
الحمى تداهمه.. انفضوا جميعاً من حوله.. أشواك القنفذ الأسود الذي يتولى محاسبته
تمزق أحشاءه كما أثداء الزوجة.

زاره معظم من عشقهم، محمد والمسيح.. علي وغيفارا.. بوذا وعمر الخيام ورامبو.. علت وجوههم أشباح ابتساماتٍ غامضة.. أخذ يصرخ فيهم ( أنتم صناع الحلم.. رسل الأمل والاعتقاد.. لماذا؟ لماذا لم تخبروني أن الأرض ممهورة ٌ بختم الشياطين).. لم ينبسوا إلا بصمتٍ لا يرحم.

غمرته موجة مالحة فتح الزجاجة الخضراء.. سكب محتواها في جوفه دفعة واحدة..
تحسس عشرين عاما ً مترعة بالثواني فوق الأحجار الباردة داخل البزة المخططة
فوجدها تسكن تجاعيد الوجه الوسيم الطيب وحتى الشَعر تحدث كثيرا ً خلال تلك
الأعوام الرهيبة حتى صار أبيض اللسان..

اقتربت باخرة بيضاء هائلة من الشاطئ، نزل منها كائنات كثيرة متشابهة لا هم
ذكور ولا إناث أجسادهم من أثير ٍ مضيء.. نظروا إليه برحمة سالت من عيونهم
دموع النور.. بدا لهم كتلة عظام ٍ شاحبة مضرجة بالدماء الساخنة لكن رائحتها زكية
تعبق مثل عطر نادر مقطر من ورود النجوم.. اصطفوا حوله بانتظام ٍ مدهش وكأنهم
في طقس ٍ مقدس رفعوا ركامه المتبقي بمهابة ٍ بالغة.. ساروا في موكب ٍ مهيب صوب مركبهم الشاهق.. ورحلت باخرة الحلم في الدخان الأبيض..

لا تزوروه هنالك على صخرته المليئة بالنتوءات.. لن تجدوا سوى بضع زجاجات
ملونة وبقع دماء بائسة.. لقد سرى بهدوء مع باخرة الحلم0


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

- كاتب من سوريا

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى