الجمعة ٢٠ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم وهيب نديم وهبة

الجنة

1-

كتب ابن النديم وهيب نديم فارس خليفة وهبه كتاب الجنة في الألفية الثالثة للميلاد، الموافق 1424 من عام الهجرة.

2-

تمَّ رصد الجنة جغرافياً، كي يتمكن القادم إليها أو الخارج منها، أن يكون على يقينٍ من معرفة المكان. لهذا أبصر الوهيب في فلك البصيرة، البوابات الخمسَ للجنة.

3-

ثم تباعاً.. تمَّ رصد حالة تكوين المكان، وتبديل وتغيير وتشكيل المنظر، وفق رسم خريطة الدخول، أو الانتقال من مكان إلى مكان. أو حتى لفظة كلمة "الله" تحدثُ تغيراً وتبديلاً، وتشكيلاً جديداً للمكان.
لهذا أنتَ ترصد المكان لحظة سقوط النظر على مرايا الشكل في تشكيل صورة المكان ..

4-

ثم تباعاً.. لا تقف الطبيعة هنا. إنها حالة من حالات الدوران اللا مرئي. غلافٌ شفاف لا يلامس الهواءَ المتحرك، ينحدر يسقط عن الجدران. تلك الجدران التي تعلو كي تشكل طبقة واقية، تحافظ على درجة من الدفء، وقدرة إلى اندفاع الروح في جدلية وحدانية مع الغلاف الداخلي. لهذا، كان لا بد من تحديد المجال الداخلي. ثم العودة إلى المدار الخارجي.

5-

أنتَ هنا. كأنك تسير فوق أرضية من زجاج.. الفرق بين المجال الداخلي، والمدار الخارجي أنكَ أنتَ من يتحكم بالاتجاه ؛ بالوقت، وفي بعد المسافة، في المجال الداخلي. أينما كان اتجاه الخطوات، كانت جهة الضوء .. لهذا اتخذتُ طريقي ما بين الضوء صديقي ورفيق خطوتي، ونور بصيرتي رفيق حضوري. هذا الضوء – النور – الذي غلف الغلاف الداخلي، ويحضن بحنان أركان المكان، مملكة الجنان.

6-

المدار الخارجي. مسار جسم يتحرك دورياً كمدار الإلكترونات حول النواة في ذرة. منحن معلق يدور إن شاء الله، ويتوقف عن الدوران باسم الله. يحافظ على مناخ الجنة، ويحفظ درجة حرارة أو رطوبة الطقس. يتحكم في تبدل وتغير الفصول، في عطاء المواسم، في جمال الطبيعة وتنويع أنواع الألوان، وتوزيع الموسيقى.

7-

لكَ الآن بداية الرمز. أليس نصف الطريق، يشارُ إليه بالرمز، أو بالسر، أو بالقول، أو – الحكمة – من الحكمة أن تكون حكيماً مع الحكماء. لهذا، كان على النار، أن تكون الشرارة التي أشعلَت الحضارة. وعليها " إلى النار " قامت مملكةُ الجحيم.

8-

جاءت الرياح، كمثل الرماح تدقُّ عنانَ الفكر. جاءت تفتح للقادم من غابات التصوف، ووجع الأرض، عذابَ الملايين أمام البوابة الخضراء.. لهذا، استيقظتُ على صراخ الأرض والإنسان. كي أعطي القادم معالم الطريق.

9-

عندها.. ترك النسر عند البئر، ريشةً من خواء، ومداداً من هواء، بها يكتب الفضاء – تلك كانت البوابة البيضاء. يتوجُ أعلى البوابة، خطٌ، يخرج من عين الناظر، حتى يشكل نقطة مستقيمة، في الجهة الأخرى. تلك هي البوابة الزرقاء، التي لا يسبقها أحد في استقبال المعذبين المطرودين من أوطانهم. المبعدين عن نسائهم، أولادهم الغائبين عن مواسم الفرح، وأعياد البهجة وصخب الحياة. هم كما الريح، تمرُ بكَ، فترفع يدكَ، كي لا تصفعك الريح، أو تبعد رأسكَ قليلاً، أو كثيراً، أو تنحني، غير أنكَ تعود وتمارس الحياة، كأن شيئاً لم يكن.. هم في الحياة وليس فيها. لهذا ارتفعت البوابة الزرقاء حتى لامست جمال زرقة السماء.. أليس بينهم هذا الوداد.

10-

الآن تسمو الطبيعة الصامتة، وتزهر بالكلمات كي تنطق، ويتحرك الصخر الصلب، ويسقط من قمة الجبل إلى الوادي، كي يصرخ في عمق الفراغ. أن الكلمة مجد تكوين الأرض.. الإنسان، هذا المخلوق الناطق، لو نطق بالحق بالكلمة الطيبة، وزرع الأرض بالثمرة الطيبة وجعل الآتين، لا يبصرون، ألا البوابة الصفراء، التي ارتسمت، على شكل الطبيعة. زاوية من الصخر، ونقطة من البحر، وسر سحر الشجر الذي لا يموت، الكلمة الطيبة. لهذا، أعود إلى البوابة الصفراء، كلما سقط خيال المخيلة على الناطق.

11-

ليكن خلاص النفس بالأحمر. لا شئ يطهر الجسد، سوى الدم، ولا شئ يفسده كما الدم. لا شئ معقد مثل جريان الدماء في العروق. لا شئ معي، كي أسير إلى البوابة الحمراء، وكل شئٍ معي. أنا الإنسان تماماً كالدم. هذه البوابة الواقفة في أرض الجنان، لا تفتح أبوابها، ألا حين يشتد ظلم الإنسان. يستبد.. يستعمر، يسرق أرض الغير، وخيرات الآخر. تفتح الجهة اليمنى، تخرج النار تحرق تحصد الظالمين، أو تبدل حال الصابرين. لهذا، عليكَ أن تصبر قليلاً، كي أعطيكَ رسم المكان وشكل البوابة الحمراء.

12-

.. وعند النهر، ترك النسر ريشة العشب. بها يكتب الكلام، على شفاه الطيبين. فيخرج الكلام كأسراب اليمام من مناهل البلاغة، والكلام اليابس كالعشب اليباب، لا يصلح إلا للحرق. وعندما تشكل الكلام – الحكمة – تزين الإنسان بأعلى مرتبة بين المخلوقات، مرتبة العقل. كأنكَ الآن تسير في شراييني. أعرفكَ منذُ عرفتُ النطق، وعرفتُ أن العقل جوهر، وما دون العقل مصنّع، أو مزيف، أو معدل، أو مركب، أو عنصر من عناصر الكون. لهذا، كانت البوابة الخضراء شامخة شاهدة على وصول أهل الخير.. كانت في انتظار.

13-

يمكنكَ، وأنت تنظر إلى البوابة الحمراء، أن تبصر، تيجاناً معلقة على الأركان الأربعة، زوايا مزخرفة، وجدرانًا تفصل بين البركان واليابسة، وعلى قمة التيجان، ملايين الجماجم بدقة وإتقان ومهارة، من الفن والطقوس والسحر معلقة. كل جمجمة معلقة في قمة التيجان. عبارة عن مليون جمجمة. " رأس راعى القطيع نيابة عن قبائل المراعي " وكل جمجمة عاصرت " دوراً " وكل دور ألف سنة. الجماجم معلقة على الجهة الشرقية للبوابة ويفصل بينها وبين الخط الواضح، بحرٌ من الأفق المحترق، الساقط تماماً عند بداية البوابة. على الجهة الغربية، معلقٌ ميزان من الذهب الخالص حين تقف أمام الميزان " إذا ارتفعت كفة الخير، على كفة الشر " تفتح لكَ البوابة " وإذا ارتفعت كفة الشر " يسحبكَ حديد البوابة الزرقاء ويأخذكَ إلى الجهة الأخرى..
ربما قذفكَ بركان البوابة الحمراء إلى هنا، ربما حديد البوابة الزرقاء، أو النوايا الخبيثة، والأعمال الشريرة. تأخذني لغتي.. تبعثر أوقاتي.. تدخلني في غياهب النسيان أمام روعة وجمال سحر المكان.

14-

يرتاحُ العقل بمنتهى الخيال، يصمت المكان.. تتوقف الرياح لا تدق الآن فوق البوابات كالرماح. المكان خالٍ من جموع المحتشدين. لا ميزان يعمل، لا بوابة تفتح، لا صفصافة تصفق بأوراقها عند النهر. البوابة الخضراء ما زالت ترنو بهذا الأخضر الغامق، حتى عمق الطبيعة. الأشجار المرسومة على صدر البوابة مثمرة، والمياه الراكدة جارية، والريح الصامتة متحركة، ونقلة الطير بين الريشة، وريش النسور وتغمر الأخضرَ بوهج الشمس الساطعة. يشرق النور على جسد البوابة كالبلور. وتاج الحكمة مرصعٌ بالعلم وساطع بالمعرفة، ووهاج بالإدراك. يحمل هذا العالم كمثقال ذرة، تماماً في الوسط، تماماً على اليمين، البوابة الحمراء، وعلى اليسار البوابة البيضاء، وهو في المكان، ذات المكان الذي منة يحمل العالم.. لهذا اقطع المسافة وحدي، أما قلتُ : الحياة رمزٌ والجنة لغزٌ وغايتي وحدانية الخالق.

15-

ها أنتَ تسير الآن فوق أنين الحصى المرصوف، أمام البوابة البيضاء. مبعثرة تلك الحجارة الصغيرة، كأنها تقاتل، تقاوم، تقيمُ وطناً، من ترقيم الأنين. الحجارة مبعثرة كذنوب البشر – الخطيئة – المعصية – أو كصنيع أعمال البشر – المعذرة – المغفرة – المقدرة في الفصل بين المقدس والمدنس. لكَ الفضل في الفصل، بين السواد والبياض.. أمام بوابة الفضاء. أمامكَ الأرض، بعضها طاهر، بعضها عاهر، بعضها ظاهر، بعضها باطن.. لهذا أحملكَ معي كي نجتاز العتبة وندخل الجنة.

16 -

الآن تضع أول قدم في جنة النعيم عبر البوابة البيضاء. رداءٌ من الريح يكسو البيوت بالأبيض جميع البيوت متساوية الارتفاع عن سطح الأرض. وتبصر أول ما تبصر، أن اللون واحد والشكل واحد. يأخذكَ الذهول، الصمت هنا يتكلم بلغة السحر. الجماد ينطق بروعة الجمال. الطير يغرد بلسان يتآخى هنا الإنسان والحيوان، والنبات، والنار، والماء، والهواء، لهذا يسطع البياض بلون الحي بوهج شفاف.

17-

أتبصر ما زلتُ أرسم أمامكَ الطريق، وشكلَ الحي عبر البوابات، وعبر أعمدة النور الصاعدة من الأرض إلى السماء، كي أصف لكَ الجنة كل الجنة بأرضها وطيبها وأريجها وشذاها بناسها أهلها سكانها من ذاق طعمَ الخلاص وحسن الختام، وأتم الرسالة. رسالة المرسلين بالنور الساقط من سماء علوية إلى أرض بشرية.

18-

كما النجوم أضاءت سبيل اليقين. كما النجوم تفرش سرير النور ليرتاح الصباح. فرش الورد من الوريد إلى عتبة البوابة، أزرارا من زهرٍ ازرق، كما النجوم تفرش سرير النور ليرتاح الصباح. عنوان يترك سراً بين الورد يشير إلى البوابة الزرقاء، قد تكون هناك ولا تبصر، تحت قدميكَ الطريق. أو تكون في منعطف منتصف الطريق وطريقكَ ليس طريقي.. فلا تبصر حدائق الزهر الأزرق، معلقة أجمل من التيجان، وأزهى من الغمام، لينة.. ناعمة.. رطبة انضر من الغصنِ الريان. لا ترمح رماح الريح وهي تدخل في تجريح ربيع النسيم. وتخرج شذى من عبير. تنفس.. لكَ الآن أن تشهق ملء ما تملك من شوق واشتياق. هذه العصافير الزرقاء، استيقظت هذا الصباح، ومعها سرير النور من السماء. كي تهتدي.. تحوم حولكَ.. أمامكَ.. يحملكَ النشيد.. يراكضك الغناء، رويداً يخرج الطريق كما يأتي الغيب. تظهر معالم المكان، كما النجوم، تبدو وتختفي. الآن لا تضيع.

19-

اصل المكان ما ترسمه السماء، يرسمُ هنا. شكلٌ يغير شكل الأرض. حيرتي بركان، لهفتي تسبق خطوتي. أصبح رسماً، شكلاً يشبه الأشياء.. تسقط نظرتي على نقطة في وسط البوابة الزرقاء تتسع النقطة حتى تصبح دائرة بحجم جسدي. تفتح البوابة كما السكين تجرح، تحدث هزة خفيفة تأخذكَ في ألم اللذة. الريح هناك تمرح.. تفتح نوافذ الفرح يركض الظل بفرح الحضور يتوج البيوتَ بخط أزرق. من هنا بداية الحي. يستطيع القادم، المتأمل، الحالم، الواثق الزاهد، المتعبد، الخاشع الخاضع.. أن يبصر تلك الموسيقى التي تتناغم مع إيقاع حركة الناس داخل الأزرق. وتتعالى حتى تصل إلى أعالي السماء. عندها يتحد الأزرق ويغرق في الأزرق، في عناق جمالي بين ما هنا وما هناك. هكذا يبدو الشكل واضحاً، ورسم المكان جميل كأنك تماماً هناك. كانت نظرة، بقيت معي، عند بداية الحي . لهذا ارسم الآن أمامكَ البدايات.

20-

اتبعُ طريق الذهب، حيثُ تشكلت دوائر دوائر، ولامست بعضها بعضاً عند المحيط. عند التقاء الرمز بالصور.. تخيل.. في هذا الفراغ الذي يشكلُ أقواسًا داخلية.تخيل.. كيف نبتت السنابل في مساحة الفراغ، عنقها في السماء، ورأسها المثقل بالخير بالقمح بجني الأرض، ينحني بصمت المفكر إلى الأرض. تأخذكَ الآن روعة الأصفر، تنزل الشمس، كما تنزل الأسطورة. تنزل الشمس تسير معكَ، لا تحرق، ولا يتعالى اللهيب. هي الشمس بلا النار دافئة معتدلة تظلل المكان. تحملكَ في خيوط النور، كجناح فراشة وتعلو بكَ.. قدماكَ لا تلامس الذهب، ويداكَ تسمو تحتضن الكلمة – البوابة الصفراء – اتبع طريق الذهب. طريق النور، قف عند العتبة . سنكون معاً، كي ندخل عبر البوابة، إلى الحي الأصفر.

21-

كتاج السيف، كخروج الصيف من يد الفصول ؛ ودخول أيلول، كابتهال هديل الحمام وقدوم الغمام، وانعتاق المطر، يشق السماء البلورية المنظر، ويفتح المطر حقائب الصلوات. كخروج المطر، كخروج السيف من الغمد، يخرج القيد من البوابة الصفراء. افتح بالأصفر، يبدو للناظر، لجمال العين الأصغر، من القلب واللسان. أفق مشغولاً بالإبرة دقيق الخلق. يموج مفتوح المدى ما بين الأصفر والأصفر. متشابك البيوت، متماسك التربة، شفق مرمري اصفر يتوج البيوت. تعلو ابتهالات أصوات صلوات. تبصر البيوت مشتعلة من الكلمات من حرارة الصلاة يحترق الهواء، يطهر المكان. أليست النار حارقة والسيوف قاطعة، والسيول جارفة. هكذا دخول أيلول من بين أعمدة السحاب. هنا يتحول الغمام إلى – كلام – والنار المشتعلة إلى عنصر اللون الأزلي – الأصفر – والسيوف تقطع بين الحق والباطل، والسيول تجمع هدير الحق في كتاب البحر. من هنا من بداية البوابة، اسمع أصوات القاطنين المصلين. لا شئ سوى هتافات الناس، ولون النار الأصفر، وكلمات تخرج من أعمدة السحاب مطراً، والمطرُ يغسل خطايا النبات والجماد والحيوان والبشر. يزور جميع الكائنات. أيلول في احتفال الكلمة يكتب ويمحو ويرسم شكل المكان. لهذا اترك ما تراه العين هنا.. واتبع الصيف..

22-

الطريق إلى البوابة الحمراء موجة من زبد البحر، حلقت فوقه حتى حجبت الرؤية، فاختفت معالم الطريق ؛ وأنتَ في قفص الموج، يدفعك، يقذفكَ، من قفصٍ إلى أخر. حتى تبصر ذاتكَ أمام البوابة الحمراء.. لهذا حكاية، يقال أن الملائكة حين صعدوا إلى السماء، كتبوا وصفاً دقيقاً للصعود. كانت الدنيا صباحاً، مبللاً بالندى، فهزوا أغصان الماء.. فسقطت نقطة ونقطة، ثم دفعة واحدة، شئ يشبه عاصفة، تجتاح المكان ؛ كانت العاصفة ترتفع عالياً ترفع الملائكة من الأرض إلى السماء. وحين هدأت العاصفة، تكون الموج. من يومها والطريق إلى البوابة الحمراء، يكسوه الماء، ويعلو فيه الموج. يحملكَ عند بداية الطريق، ويقذفكَ حتى تصل البوابة الحمراء.

23-

كما ينبثق الضوء من العتمة، والضد من النور، يقف الموج ويفصل، ما بين الداخل والخارج. كما يفصل الليل عن النهار.. أنتَ الآن داخل البوابة الحمراء، وقد أغلقت خلفكَ، كما يغلق الليل نافذة النهار. الحي أمامكَ.. لا تأخذكَ الدهشة. أنتَ لا ترى شيئاً، تحتاج العين بعض الوقت كي تستوعب كل هذا الضوء – النور – الشعاع. رويداً.. ويأخذكَ النور، وتبصر أن المكان يطفو فوق البحر. جميع بيوت الحي الأحمر بنيت في الماء – على الماء – فوق الماء – تحت الماء – لا يوجد شكل بناء فوق الماء أو تحت الماء إلا وهنا. ما يربط البيوت بعضها ببعض الصوت. الصوت هنا جسرٌ يمتد بين الخلق والخالق. يكفيكَ أن تقول – كلمة – وكل ما ترجوه أمامكَ. تعرف منذُ اللحظة – لماذا جميع الناس هنا صامتة – لأنها لو نطقت – كلمة – تحققت. لهذا يعلو الصوت هنا للصلاة، ونادراً للكلام. ولكي أتابع رحلتي، كان فراقي عند مطلع الحي. قلت : يا ربي خذني، إلى الطريق الأخضر .

24-

في ذاكرة العصافير، قصيدة، عن الطريق الأخضر. إذا ما جاع خيال الورد، لا ينبت التويج، ولا يتكون الزهر، وإذا ما نفح العقل ذاكرة العصافير، لا تتجسد روحٌ في وتر الربيع وواقعٌ يلامس الأرض. تسرى " القصيدة " تجرى، كما الجدول في وسط الطريق. كي تكتب ريشة العشب، بهاء اتساع الفضاء، وتكتب مواسم العشق الصوفي في ذاكرة العصافير. أن خيال الطبيعة، يتجسد في صورة الشجر الواقف حارساً على ضفاف الجدول. يسحركَ، يأخذ من روعة الدهشة لحظة تقودكَ إلى الطريق. تسرى في عمق سكون الماء حتى تصل البوابة.

25-

أنتَ الواقف أمام وسط البوابة. تسقط عيناكَ على حلقة نحاسية، تلمع مثل الجوهر، فارغة من الداخل، مثبتة بقطعة نحاسية مستديرة كاملة، تشبه قرص الشمس. تدق الحلقة الفارغة فوق القطعة المستديرة الكاملة، فتخرج أجزاء من البوابة، كانت متشابكة كأصابع اليدين. تخرج الواحدة من الأخرى. تخرج قطعة قطعه، كخروج المطر من الغمام، أو الحبة من القشرة، أو النور من العتمة، وتدخل أنتَ منطقة الحي الأخضر. قدماكَ الآن في الداخل، ناظراك تجول المكان.لا توقيت هنا.. لا زمن.. لا أسماء للأيام، ولا تواريخ.. العقل هنا إمام الزمان، وسيد المكان، وتاج الحضرة يهفهف بالأخضر في ثنايا الهواء.
كل شيء هنا، يتحرك بأمر العقل، بفعل العقل، تاجٌ مرصعٌ بهيبة الوقار، على مر الأزمان. حتى البيوت هنا، خضراء من الداخل والخارج، ومفتوحة على كل الجهات . الشوارع مهندسة، كرسم الحب، لا تغلق في وجهكَ اتجاه. يستطيع المقيم، أو العابر، الوصول إلى الحي الأخضر، عن طريق جميع البوابات. لهذا يأخذني الطريق.
أبصر الناس، كيف يعيشون يومهم. يهمس الطريق، الصمت هنا فضيلة، اصمت حتى تصل وسط الجنة. كنا قد مررنا على جميع بوابات الأحياء، ودخلنا أول الحي، والآن أنتَ عبرت البوابة الأخيرة، ودخلت بداية الحي الأخضر، اصمت حتى تصل وسط الجنة.

26-

الآن أقيم دولتي.
موسيقى السماء تصنع سريراً من الذهب الخالص ؛ ينقلني.. من مدارج البوابة الخضراء، إلى وسط الجنة. أغادر الأفلاك.. ومالك الأملاك يجعلني أبصر كيف يشيد من نشيد الصلوات الملكوت على الأرض. وينقلني.. من مدا رج البوابة الخضراء، إلى وسط الجنة. أبصر أمامي دائرة بنيت من حجرٍ خماسية الشكل، تشير إلى البوابات الخمس. وفي وسط الدائرة، منصة نصف مستديرة تشكل قوساً مع بعض نجومٍ لا تظهر ألا حين ترتفع المنصة ويعلو الصوت. ومقابل الجهات الأربع التي شكلها القوس، تقام الأربع بنايات الحجرية ما بين فنون الأقواس وعلو القباب. بناية الأخيار - بناية الأسفار - بناية القيود - بناية العهود.

27-

بناية الأخيار
تتراءى للخارج من مرايا انكسار الضوء، أن منظر هيكلة البناية الغارقة بالضوء، حتى نصفها المغروز في التراب، ونصفها الأعلى يعانق السماء بالزرقة التي لا تعرف البياض. هكذا انقسمت البناية عند انكسار الضوء، إلى قسمين. عند تراجع الضوء للقادم. تتراءى البناية متواضعة جداً. مكونة من طابق واحد، متوسط الارتفاع. المنظر العام داخل البناية.. ساحة واسعة جداً، تتوسطها طاولة مربعة الشكل. مرتبة مقاعد حجرية على طول الضلع الواحد، يجلس فوقها أربعون إنسان. وفي وسط الضلع الواحد، فتحة تسمح بدخول مقعد حجري واحد من أجل إنسان واحد. هكذا تم ترتيب الطاولة المربعة، والمقاعد الحجرية والفتحات الأربع. عند دخول الأخيار البناية، امتص الضوء جميع جنبات العتمة واشرق المكان كأن الليل هنا ما كان. وحين اكتمل العدد حول الطاولة الحجرية، أعلنت بَدْءَ البت في دولة الجنة. الدولة خاضعة لحكمة الأخيار، هم يرسمون طريق الداخل والخارج منها، وهم من يرسمون الداخل فيها.. المعالم.. الأمكنة.. الوقت والزمان. هم القانون والنظام والمجلس الأعلى للدولة.

28-

بناية الأسفار
مسافة من مساحة أرض زجاجية تفصل بين بناية الأخيار وبناية الأسفار. هي المساحة الممتدة في وسط الجنة. البناية تماماً عند انتهاء تكوين الساحة التي تتوسطها المنصة. هذا المنظر الأمامي للبناية، وتماماً في زاوية مستقيمة بناية القيود والعهود في الخلف.. هكذا أقيمت البنايات الأربع – الأخيار – والأسفار – أمام الساحة – والقيود – والعهود – في الخلف. هنا تجمعت جميع أسفار الدنيا والآخرة. وتمت مراجعة جميع الكتب التي دخلت أرض الجنة. هذه المكتبة تثبت أن قرارات بناية الأخيار، ليس فقط تدون هنا في مجلدات تعمم على أهل الجنة، بل تقوم هذه – البناية – بمهمة تنفيذ القرارات. بواسطة لجنة تعمل على السهر الدائم من أجل عدم مرور حكمة واحدة دون تنفيذ. والسهر من أجل تبليغ أهل الجنة بكل الأحداث المتغيرات التي تكتب وتحدث وتكون في جميع البنايات. البناية من الداخل : مجموعة من المدرجات الدائرية الشكل، تنتهي بدرج يصعد إلى الطبقة الأخرى، وبين كل طبقة وأخرى مساحة من العلو مرتبة رفوفًا وقد تم تسميت كل طبقة باسم يشير إلى الفحوى، وهكذا امتدت كل طبقة على أسم بناية والساحة الداخلية لمراجعة الكتب.

29-

بناية القيود
على قيد رمحٍ جاء المقيدون بالحديد، إلى بناية القيود. كانوا أحرارَ الله في مملكة الأرض، حملوا كتب القداسة وناموس الإنسان. هم يسحبون وراءهم الأغلال – حسناتهم – ويدخلون بناية القيود. يرفع اليدين إلى الأعلى، يسقط القيد. يقدم القدمين المكبلين وهو خاشع فيسقط الحديد كما تسقط الثمرة الناضجة عن الشجرة. في الأرض كانوا البر، كانوا الخير، النور، الحب. كانوا نصرة المظلوم ومحاكمة الظالم. لهذا قالوا عنهم في هذا الزمن، انهم ضد الحضارة. الآن عادوا.. هم يدخلون البناية – حسناتهم تسير أمامهم – عذاب الجراح لا يمس عذب الجوارح. هم يدخلون.. ويكتبون – القيد قيدي.. والبناء بنائي..

30-

بناية العهود
وضع الحكيم حجرين ولافتة، على بداية الطريق، وكنتُ عابراً وسط بهاء الساحة التي تجمع البنايات الأربع، وحين اتخذتُ طريقي، كان رفيقي الظل. ظل الضوء المنبعث من بناية الأخيار. تماماً مقابل بناية الأخيار ارتفعت بناية العهود، وقد تواضعت حتى لامست الأرض. لهذا عليكَ أن تهبط بضع درجات قبل أن تصعد. الصعود عادة يأتي كالشعر، يغادر الغمام أكمام الورد المعلق على الجدران، وتبصر في ردهات البناية تلك الأبواب المفتوحة. مشهد يعود إلى واقع الأشياء - المكاتب المفروشة جيداً – مزركشة ملونة تلمع – الطاولات المعروضة بأوراق ملونة. أنتَ تدخل - وحدكَ تدخل - بمحض أرادتك - رغبتكَ، عنفوان انضمامكَ إلى هذا المكان. أنتَ تدخل وتكتب العهد " ميثاق البقاء " الآن أنتَ تحيا ابد الدهر. تبسط نجومكَ الخمسة وتجمعها بعناق واحد، وتختم الميثاق. هذا الميثاق، العهد، جمع جميع الشواهد والبيانات والبراهين، وخاتم المواثيق والعهود.

31 -

الآن أترك لكَ النهر، ينساب نحوكَ في حنو النسيم. النهر لكَ، والعاصفة لي. تقذف الحمم البشرية داخل مملكتي.. هم يعرفون الآن لغة الريح، ولغة هجر العذاب، والمشانق التي تحولت خيطانًا من حرير، ومقصلة الجلاد التي تفصل بين لغة الجسد والحديد. هم يعرفون طريق العاصفة، غير أني أترك لهم النهر. هذه الجهة من الجنة تستقبل القادمين من جحيم التمزيق، الغارقين بالأيمان المشتعلين كشعلة الهدى في طريق الصراط المستقيم. الصابرين على فساد الأرض وظلم الظالمين. يغتسلون الآن في النهر، ويخرجون أنقياء - أتقياء - أحياء. ولي العاصفة كي أبصر القادمين، واعرف كل نفس وما جنت، وكل قلب وما أحب، وكل روح وما كانت.

32-

كانت العتمة غيمه، حين أمطرت، تكون النجم. توهجت الأرض نورا ً، فحمل كل عابرٍ نجمة تضئ له طريق الجسر. ضع يدكَ الآن على النجم، واسمع حديث الجسر، هم يعبرون النهر، أني اسمع وقع أقدامهم، موسيقى الريح في نشيد أصواتهم. حفيف ثيابهم، صدى صلواتهم. لغة الحنين تعانق أسرار الريح، وتحمل فرحة الجسر وهم يعبرون. الآن يقف الجسر العملاق أمام النجم الذي أضاء لهم.. ويهتف : هم عبروا كعبير الربيع إلى مربع المكان.

33-

طبول تقرع .. مزامير تصدح.. خلائق تهرع وقلوب تفرح. الفرح يتوج الريح التي عادت بهم بالطيب والعطر والعبير. هم يدخلون الآن، من جهة القلب إلى بوابة العبور. خيولهم ترقص فرحاً، وجوههم تشرق بشرا، غناؤُهم يهز المدى، يفتحون صدورهم، يدخلون في قميص الريح، يتحولون إلى شئ لا يشبه إلا الفرح.. السعادة.. النعيم الأبدي. هدير الصوت يعلو كالعاصفة، ما غابوا وما غاب الغناء، الفرح يفتح إعلان فاتحة المكان، يرفع راية النصر ويرسم الزمان حدودًا. هم دخلوا من جهة القلب. دخلوا والغناء يفرش المسافات، يفتح كمثل السيف كل جهات الأرض، ويصل الجنة. كانت هاماتهم مرفوعة لهذا اختاروا جهة الجبال، وكان جبينهم عالياً لهذا اختاروا سقوف البيوت عالية من مرمر، وأصوات الطبول تنادي الحيوان والنبات، لهذا ابتعدوا عن النهر، واختاروا الغابة . تركوا العصافير بلا رقيب، والعنادل والجنادل تمرح، والحيوان والنبات تفرح. الآن عرفت جهة الجبل عودة الإنسان بعد غياب. هم يجمعون صلاة الحاضر، ويدخلون في جسد التكوين الأول. تشردوا في كل بقاع الأرض، سرقوا أرضهم، حرثوا زرعهم، أكلوا رزقهم، هدموا بيوتهم، قتلوا أولادهم، نساءهم، شيوخهم. سرقوا أغلى ما يملكون، سرقوا الوطن. وصبروا وعملوا الصالحات،الآن عادوا إلى المكان الموعود أن الله لا يخلف الميعاد.

34-

كانت الكروم المقابلة للجبل، تمتد مثل سحب السماء، بالأبيض والأزرق على امتداد المساحة . كل شجرة ولها ثمارها، طيبها،مذاقها، ورائحة عبيرها التي تغمر المكان. تسلق النسيم فوق أغصانها، كمثل الحسام المجرد من الغمد، واعتلى حتى انحنى عند سفح الجبل. لهم الطيب، الشذى، لهم أن يخرج من فاكهة الجنة فاكهة كما يبتغون، من كرومها وطيب شجرها، ونقاء حبها وعناقيدها ونظارة منظرها وجمالها، ما يأخذ بالعقل لتمجيد صانعها وباريها. ما تشتهى النفس وتروم له العين ويحن له القلب الآن بين يديكَ. هذه الكروم سياج حول كل منطقة ومنطقة، حتى لا يبقى مكان في جنة النعيم إلا وعناية الرحمن جملته بالجمال، بالخير والبركة.

35-

أغادر الكروم، وأترك قلبي معلقاً كعناقيد الدوالي. حبة تغازل القمر، حبة تغار من السهر، حبة تخرج من حبة، وفاكهة تخرج منها فاكهة أخرى، تتوج البقاء وتبديل النوع كقطعة من السحر. أغادر المكان.. وأعرف كل منطقة ولها كرومها وناسها وناسكوها وعبادها. وكل أرض من مساحة الدنيا ولها ناسها ولصوصها وأتقياؤُها. أغادر المكان.. إلى الجهة التي تعج بالأسواق ويصبح المكان كتلة من نار الخير ونور الحق ووهج المنطق. أن أبصار العقل معاملة الصالحين بالحق والعدل وميزان السوية. يكفى المؤمن الصالح، ما كان على الأرض، من جشع التاجر وطمع البائع ونفاق المنافقين ممن ظنوا انهم ملكوا الأرض. الآن أنزل كما ينزل المطر بليلة ربيعية. خفيفاً كالريح، حالماً كالفكر، رائعاً كبداية الخلق. لا أحقاد ولا ضغينة، نظيفاً من جنيات الوراثة ومكتسباً علم الله الأيمان.

36-

الآن تنبسط أمام ناظريكَ الجنة، يصعد الواقع كأنه الحلم، الخيال، ترتدي الأرض ثوب الزهر الأبيض، ويعانق الشجر المقابل لجهة البيوت أشجاراً بلون بياض القلب، ونقاء الماء وصفاء العقل. سكنوا بعيداً عن النهر، قريباً من البوابة البيضاء. باعوا الدنيا، واشتروا بيتاً هنا يسكنه الطير والنبات، تحوم حول السواقي الطيور حاملة خيرها، زادها، جنى الأرض. إلى من اتخذوا البياض حياتهم، والبياض شفافية روحهم، البياض هم بين الناس ووحدهم.

37-

ليكن ما يجمع بين زرقة البحر وزرقة السماء .. أرض الخير المنبسطة، قطعة من مكان، عند منحدر البياض.. سكنوا في قميص الريح، ووصلوا على بساط غيمه بالروح إلى زرقة المكان. فرشوا ماءها السائل أرضاً فجمد الماء. ساروا فوق الجليد، فانقسم قسمين، قسماً تكون بحراً، وقسماً كان سماء – لهذا بنوا بيوتهم من ماء وسحاب، وملايين ملايين الألوان – قطعة الأرض تلك، المنحدرة عند البياض كانت تموج بالعظمة والرهبة والصمت. لهذا امتد الأزرق حتى عناق الأفق.

38-

أصعد كما تصعد النار، إلى التل الأصفر، حاملاً شمساً ملتهبة، حرقت ذات زمن مدينة كانت كافرة. صنعت هنا في أرض الجنان بيوتاً للذين ابتعدوا في دنياهم عن النار. كانت بيوتهم غارقة في النور والنار المشتعلة في محرابهم، كي يبصر الأقاصي مكان سكناهم، وأن يدرك بالكلمة المكتوبة حكمة، النار مقيمة طالما كان هنالك إنسان.
يدخلون صلاتهم، يعرفون الغيب، طيب الأرض، منبت النبات، مسكن الطير، مبيت الحيوان.. وكل حشرة صغيرة تدب فوق أرض الجنان.. هم يعرفون. يعرفون مواسم الزرع والحصاد، وكيف تسكن روح الريح السنابل، وتحملها عالية كي تسكب خيرها.. رزقها ؛ وكيف تترك لصانع الأرزاق توزع الرزق على العباد. هذا المكان المسكون بالأصفر، يكتب بلمح البرق وخطف البصر، أرزاق العباد على الأرض. المدينة الصفراء " تكتب " وقد تجعل للكافر قبة من فضة وذهب، ومن حياة المؤمن ما يكفه كفاف يومه من قوت وماء. نجهل قوانين المدينة الصفراء ونجهل كيف كتبوا في السجلات جميع الأسماء من نبات وحيوان وإنسان وكيف اقتسم الأرزاق. وحده الله وهم يعرفون. أسكن الآن جوهر الجوهر ومكنون سر الأسرار، معرفة الأسماء وحقيقة الأشياء، نبذ الظاهر والاستغراق في الباطن. الآن اقترب كثيراً من حقيقة الرزق والأرزاق. هم يرسلون مع الريح مرسالهم المفتوح وكل روح عانقت الفضاء بشفافية ما كتب لها سيكون.

39-

المدينة الحمراء تقتسم الملك والبنيان بين نقيضين لا يجتمعان إلا في الجنة، بين توزيع الرزق وبين الروح. المدينة الوحيدة في مملكة الجنان تختزن الخير وتقوم بمهمة توزيع الأرزاق " هم كتبوا في المدينة الصفراء " والآن تمتد اليد الكريمة، وتوزع الرزق، خير الله في الدنيا وفي الجنة. هم وحدهم من يبعث الأرواح في الأجساد، ومن يقبض عليها. المدينة الحمراء مدينة الحق وميزان الحساب. أقيمت بين مرتفعين كي تملك جهة الرؤية، وترفع منزلة الساكن فيها إلى المقيم. هم سكان هذا المكان يرفعون راية تدل على أن اللون رمز، والحياة لغز، والآخرة عز، لمن كان على العهد مقيم. يمشون فوق أديم الأرض، تشع وجوههم نوراً، ويدخل الهواء في قلوبهم يقرأ دعاء العباد فتنتقى الروح ويهبون الأرزاق. يسكنون همس النسيم، بيوتهم مخيلة المدى، لا يرفعون لمكان سكناهم سقوفاً، السقف السماء والنجم الغطاء، واحمرار الشهب لباسهم. لهذا يدخلون بين الأرض والسماء في رفه عين. جعلوا طريقهم الإيمان مرصوفاً بالحكمة، وتركوا أبوابهم مفتوحة لان أرزاق العباد معدودة وما كسبت كل نفس معلومة وما أخذ كل امرئ مكتوبة.

40-

الضوء المنبعث من المدينة، يخترق الأشجار المترامية على جانبي الطريق. تشهق ظلال الأشجار شلالات النور من فمها، وتغتسل المدينة بالأخضر. تبدو الآن أمامكَ كقطعة من الياقوت، نصفها في البحر والآخر في الرمل. القسم الذي يغرق بالبحر، يتوج الصعود فكراً، والارتفاع منزلة، والقمة عقلا ً. المدينة مشرفة على العشب والنبات. تحيطها البيوت كرسم الخنجر المعقوف حول المدينة. يتوج وسطها جوهرها، مركز الإبداع، إثراء الفكر وأنار العقل. يخرج ناسها، ساكنيها، يتوسطون قمة المنزلة. تشع الأضواء الخضراء من كل مكان ومكان. أعرفهم.. الآن يأخذون مكانهم، يجمعون حولهم " الإنسان " من حفظ الود وما خان، وشهد الحق وما كان، وعبد الخالق مكرمة لوجه الخلق، سبحان مالك السماوات. سبحان من فرش عباءة النور الكامل بالأخضر .

41-

اسكن ثوب الريح، ويسكنني، يحملني يأخذني كالوحي بين ذراعيه، ويجمعني مع النهر الجاري بالعسل. عند أول النهر تفرش الريح ثوبها، تخرجني. أخرج بحجم عصفورٍ كان في ثوب الريح، وأحط فوق غصن شجرة تشرف على هيبة النهر. أبصر كيف يتدفق هذا السائل، بغير ما ترمز له الأسماء، بغير ما تعرفه العين. يتدفق بصفاء أبيض اللون، يخالط الأحمر الناري. ليس لزجاً.. اقرب إلى الماء الملون. هنا طبيعة الأشياء تأخذ حاضرتها من مقام الوافد إليها، وليس من طبيعة عناصرها. اصعد مع الريح، حتى أعلى النهر. ابصر كوخ حارس العسل، وقد جعل سقف الكوخ، من خشب الشجر النابت على ضفاف النهر. لهذا يأخذ شكل الشجر، لون النار عند المغيب، ولون النهار، حين تقرأ الشمس على وجه النهر الصباح. تقف الريح بجانبي، حتى يخرج رجل الكوخ، وهو يحمل للنهر العشاء، كلمات الخالق الأزلية في خلود الكائنات. ارتوي كما النهر.. وأغادر مع الريح.

42-

اجتاز غابات الوهم. الآن اسكب الصبح المذاب من شمع الصلوات في كؤوس النور. الآن يختم الضياء، نهاية صولجان العتمة، ونهاية الأحزان. وبداية ينابيع الربيع الدائمة البقاء. تفتح للقادم، عند مفترق المعرفة فصلاً يدخل منه، وباباً يفتح له ومكاناً بين الصفوة. يتساءل العابر، عن المدينة المعلقة في خيال الربيع، غير أن المقيم لا يكترث. لان المدينة مدينته، والضياء ضياء القلب الأزلي.

43 -

الظل الظليل، يفرش الأرض، يسرق الشمس في قميص العتمة، يسكن في بريقها حتى يستظل بظلالها المؤمن. هي أحياناً شجرة، تسير إذا سار المؤمن. تسير كخيال الخيل في غسق الليل، والظل يختال كشهاب النجم صوراً. يميل مسافة ألف ميل، وينعطف بالخير والبركة، وبلطف المكان، يعتدل الطقس والمناخ كي تقطف حباً وثمراً. أحياناً تعود الطيور إليها، إلى الشجرة، تضع فوق أغصانها بيوتها ليسكنها صغار العصافير والملائكة. أحياناً هي، كهف من كهوف الصخر الصلب، الحاد، الذي يجرح لو اختل نظام الظل فيه، يأوي الحيوان إليه، وصغار الحشرات. أسير مع الظل الظليل.. مسافة ألف ميل، اقطع المسافة، هي مساحة، ما بين القلب والعقل، بين سكون الظل، وبين قدرة العقل على الانتقال، من فكرة الخلق إلى الجنة.

44 -

الفكر.. هذا الهرم العملاق الذي بني مدنًا وهندس بنايات وأقام حضارات. يقف الآن عاجزاً أمام حصى في أرض الجنة، تكونت من بدع الخالق، حصى تبني مدن الأضواء، وتنير ظلمات الطرقات. كل حصى ولها لونها شكلها ورائحة عبيرها. كل حصى ولها بناؤها التي شكلت منه البناء.. الآن يرنو إليكَ، يرمى بين يديكَ، شظايا النور، كي تبصر العبور ما بين حضارة وحضارة. الآن تعرف أن الزخرفة التي أبهرت البصر، بالرسم والكتابة، وأشرقت من تحت الركام باللون والفرشاة بوهج الحضارة، تصمت أمام نقش من السحر الرباني، يبني مدن الأضواء، أو يرسم زخارف الريح على ضفاف النهر أو البناء. عادوا هذا الليل كحفيف الشجر، عادوا كهمس الموسيقى، خفيف العزف على جسد الوتر. عادوا إلى بيوتهم، يحملهم صوت من بدع الكون، وجعل لهم هنا بيتاً.

45-

يتذكر المساء عنفوان الغضب في صوت الريح، ينزل من عرش الضوء ويسكن الكابة، مرهقاً غارقاً بالتعب. السماء تلونت بلون الذهب وتركت شعاعاً ينسج من دموع الذنوب مناديل شحوب المغفرة. المساء يذهب وحيداً، يصل إلى حافة النهر، يجلس تحت فيافي الشحوب.. يتذكر.. الكفر احرق مدينة، اشتعلت المدينة حتى آخر حي فيها، إلا العابد المتعبد، صنع سفينة تشق الماء، وغادر عن طريق البحر. من يومها والمساء يأتي شاحباً، راسماً على قسمات وجهه، كثيراً من الحزن وقليلاً من الفرح.

46-

أرخت خيمة العتمة أوتاد السواد فوق المكان، فوق البيوت الطينية واخفت الساكن.. أحكمت الكتمان. كنتُ اعرف أن الدخول إلى مدينة النخيل، بعد سقوط الظلام. أن أطيع ضوء النار المشع المنبعث على طريق الخيول العائدة.. يعود الفارس وجهه يشرق بالضوء، يهز أوتاد الخيمة فيهرع الظلام إلى القلوب الجافة، ويشع في مدينة النخيل الضوء وتبصر طريق الدخول.

47-

على وميض الخيل الداخلة كالبرق كان دخولي، أحمل إلى مدينتي كتاب الخير لهذا العام. هم لا يذهبون إلى بناية الأخيار بقدر ما تأتي البناية إليهم. كانت أشجار النخيل تعانق خصر المدينة كالسور. كانت العصافير تغادر البيوت وتقرأ كتاب الخير المثمر في الشجر الواقف وقفة الريح أمام الطوفان. بيوت المدينة بسيطة جدًا .. تنام لوحدها، وأهلها تتجمع بين النخيل وتقترب من السماء. يصمت النهر ليسمع ويسكت العصفور ليفهم. هو بين السماء والأرض يعيش، والإنسان.. جسد فوق الأرض وروحٌ في السماء. تخشع الأرض أمام أصواتهم يبصرون خير العام القادم بشفافية الروح وعشق المكان.

48-

على مشارف المكان، كان رسول الزمان.. الكتمان يحمل جوهرة الروح ويسكب أغنيات الأمنيات في كؤوس الريح لسكان المكان، كنتُ أقف كغصن شجرة أنكسر الآن، فانقسم قسمين ما بين البداية والوسط وما بين الوسط والنهاية. لهذا يجمع المقيم الخير والشر في كفتين، ما يفيد الجسد يفيد الروح وما يفسد لا يقيم هنا..

49-

في عام 1426 هجرية عاد المتوكل من سفرته الغيبية التي رصدت مداخل ومعالم الجنة.. وأعطت القادم رسم المكان وإعلان الزمان.. لحظة شق النور البوابات وعبر إلى داخل النفس.. اتسعت دائرة النور وهيمن الطريق من البداية حتى منتصف الجنة.. الطريق خيطٌ من سحاب نور.. تسير فوقها كما يسير المؤمن فوق الماء.. قلتُ : عاد المتوكل في عام الهجرة الثانية.. يسير.. يسير فوق النار والنور من منتصف مملكة الجنة حتى حدود النهاية - العالم - هذه الأرض المنبسطة الآن أمام عينيكَ .. تقترب منكَ كما يقترب السهم من القوس والنبتة من الجذر والريح من العاصفة فتكون أنتَ الأرض وأنتَ العاطفة التي تحضن مملكة الأبدية - الجنة —

50-

كان معي.. أخذ الريح في صندوق الفرح الكبير.. وأخذ عني عناء الرحلة.. أعرف أنه يأتي بعد غيبة.. كيف يأتي.. أنتَ كوعاء من زجاجٍ يخزن بداخله الروح.. هو المالك والملك في الغياب والحضور .. يأتي.. ترتفع في وسط الجنة المنارة.. يعصف ويقصف الوميض.. يحمل صندوق الفرح الكبير إلى أعلى المنارة.. يفتح الصندوق وينتشر الأزرق بين الأبيض.. عمائم فوق جماجم الغيم.. يتدحرج الفرح الأسطوري الخالد من أعلى المنارة فوق أرض الجنة بروح القادم الآتي.. نهاية العذاب.. خلاص الجسد الوهمي من الخطايا.. جسدكَ الآن والفرح كتلة كاملة من معدن الروح.. هو يأتي الآن بعد غيبة ويسير معي..

51-

يحمل في اليد اليمنى الضياء وفي اليسرى العتمة.. يجتاز مكان السالكين القابضين على كتب الدين بالروح والدم ويصعد حاجز العبور ويمضى.. هم لا يستحقون الآن إلا الضياء ويأخذ معه العتمة.. اقفز من أعلى السور.. كان معي ظلي يرافق جسداً من ضياء.. لهذا أبصرتُ طريقي.. أبصرتُ المالك في قمة السماوات حاضراً، ناظراً، على الشفة واللسان.. قلتُ افرج كربي !! مملكة من العذاب قلبي.. ما ابتسم لي قدري.. ما صنعت أصابعي إلا الطيبة.. لم ارث ملكاً.. جاهاً.. مالاً.. لم أكل سوى الرزق الحلال.. قال : لا تتم الدنيا الفانية لمؤمن.. لا تدومُ سعادة لإنسان.. الأرض امتحان الخالق للمخلوق.. وكل الأرض وما عليها متاع الزوال والنعمة هي الجنة هي هذه القفزة من سور الدنيا إلى الدور الثاني لخلاص الأفعال. القسم الأول في الدور الأول تمّ إصلاح النفس وطهارة الروح.. نقاء الأبدان .. قال : حاول أن تصمت ولا تسأل سوف تبصر العجب العجاب، سوف تحدث نفسكَ لماذا وليس دائماً سوف يأتيكَ الجواب. نحن هنا نرفع عن عينيكَ العتمة.. العقل منارة الفكر الإيمان، ليكن عقلكَ حاضراً وفكركَ متقداً وحضوركَ شفافاً كي نعبر من وسط الجنة حتى بداية نار الجحيم.

52-

أخذ حفنة رملٍ وبعثرها.. أخذها الريح وسواها مدينة.. من صفاء البلور أصفى.. من نقاء الماس أنقى.. من البقاء أبقى.. هذا الوجود الأبدي المخلوق من حفنة رملٍ ..
انحسر الماء الآن.. تكونت اليابسة قطعة من الرمال.. فوقها بيوت مشيدة.. مشهد من قصور الرخام مشرعة.. فاتحة أبوابها.. عالية أصواتها.. من نشيد الشخوص تعالت : تبارك الله تعالي بما وهب القاطنين خلف السور..
الماء يجري يختلط بالتراب.. دورة الخلق.. المواليد القادمة تستنشق هواء الجنة من طيبها تهجر طبائع الشر ويبقى البلور.. صفاء ضياء النفس ساكنة المكان.. هنا لا يدخل القلب الضغينة.. والساكن يتحكم بالنار.. الماء يجري بجانب النار.. والحكمة تجالس العقيدة.. والمدينة لا تعرف الصوت إلا عند الصلاة.. قلتُ : متى يتحدثون.. يتسامرون.. يتغزلون بتغريد الطير وجمال الشجر وسر الروح وبهجة النفس وضياء العقل في لمعان فكر الوجود.. قال : حين يسكت كل شئ يتكلم الصمت.. يسكت المعدن عن الرنين والآلة عن الحركة والطبيعية عن الضوضاء.. والناس عن الضجيج.. والأسلاك عن بث الأثير.. والقلم عن كتابة المحظور.. والأرض عن الجاذبية.. عندها تقوم المدينة.. تنهض.. يتبعثر الرمل المتراكم وتخرج المدينة.. راقية.. لله صاغرة.. مؤمنة مطيعة.. يعيش من يعيش فيها دون شائبة.. دون نائبة.. يشربون من كأس الإيمان.. ويأكلون من فاكهة الجنة.. يسمعون موسيقى أصوات الصلاة.. يدخلون في ثياب العبادة.. كلهم في زيهم ملائكة بشر.. يجمعهم الصوت في نشيد الآتي.. في شهد المشاهدة.. الآتي هنا الأجمل.

53-

الآتي.. الآتي وأنتَ في الوسط، ما بين بزوغ الشمس وزخات المطر، يسقط الأبيض، يسقط فوق مرآة المدينة. يرتطم بجدار الضوء، يتكسر، يتحلل، يتلون.. يتلون بالأحمر، بالأزرق، بالأخضر، بالأصفر، يرتسم فوق المداخل.
هي المدينة تفتح الآن أبوابها، تخلع عنها أثوابها الفانية، ترتدي أثوابها الخالدة. الجسد ثوب الروح، والروح ثوبها وثوابها فضاء المكان. اختارت ملكوت السماء أن تكون المدينة.. مدينة الفرح، وأن يدخل العباد الصالحون مساكن المودة، مزارع المحبة، حقول العبادة، عن طريق البهجة، وخطوات السرور تكون.. أولى الخطوات في معرفة المكان.
أعمدة من صلوات الريح في معابد الروح، قلاع من بقاع الأرض حجارتها، بنيانها، مسالك طرقاتها، أدراجها، ومن الصلصال خواصها، من أريج الزهر أحواضها.. معلقة.. مثل أصواتهم العالية الآتية من ركن من أركان الملكوت. ينزلون بهاماتهم من قمة الصلاة، إلى كائنات الأرض. تواضع القمر إلى النجم، سكون العاصفة إلى الريح، يبنون مدينتهم من شفافية انكسار الضوء فوق مرآة المدينة.. وأخطو.. أخطو معهُ إلى الأمام.

54-

الأرض تلك العشبية تحت قدميكَ.. تسير بكَ من قبضة المالك إلى جنة الملك.. هي المنتظرة، الصابرة، القادرة على تحويل الذهب إلى معدن.. وتحويل المكان إلى قطعة من السماء انفصلت عنها ذات زمن كي يأتي العباد المخلصون لله إلى النعيم الأبدي.. والأرض صابرة، محتملة، حاملة عبء الأبرار.. تدفعهم نحوها بحنوها وصفاء قلبها وترعاهم بمحبة خالصة كي يصلوا إليها من الغربة.. من المنافي.. من مشارق الأرض ومغاربها.. النفس دون الجنة غريبة تعيش الغربة.. والروح منفى الجسد.. تعيش في المنافي.. ومشارق الأرض ومغاربها.. أن تخطو معي نحو الأمام.. نحو الجنة.. أمامكَ أرض منبسطة عشبية تحت قدميكَ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى