الأحد ٣١ أيار (مايو) ٢٠٢٠

التَّعالقُ النَّصيُّ في الشّعر العراقي

وليد العرفي


قصيدة العيد في زمن كورونا للشاعر: د. نوري الوائلي أنموذجاً

أوَّلاً ـــــــ التعالق مع الموروث الشعري

يبني الشاعر: نوري الوائلي نصه:"العيد في زمن كورونا"على معارضة المتنبي، وهو بناء يحدد سمت اتجاهه الموضوع العام، وهو قدوم العيد في ظل جائحة كورونا،إذ يبدو ذلك مفتاح الولوج التخاطري بين النص الحاضر والنص الماضي الذي يستحضر بفعل المحاكاة، أو ما يُصطلح على تسميته بفنّ المعارضة، وهو من الفنون التي شاعت بشكل أبرز في العصر الأموي بين الثلاثي جرير والفرزدق والأخطل على اختلاف هنا طبعاً في التوجه والمقصد والغاية في مآلها الأخير.

تبرز نقاط التلاقي في موضوعات عدّة أولها: ثيمة"العيد"التي تبدو مقولة محورية تدور في فلكها جميع المقولات الفرعية الأخرى، وعلى هذا يُمكننا عدُّ العيد النهر الذي يتفرع عنه مجاري عدة، أو بتعبير أدق الجذر الذي يتفرع عنه الأغصان التي تظل مرتبطة به، وإن هي اتخذت أشكالاً أخرى، وتنوعت أوراقاً وتلونت ثماراً، ومن بيت الاستهلال يبدو التعالق النصي واضحاً، إذ يُحيل استهلال مطلع: د. نوري الوائلي على قصيدة المتنبي، وهي إحالة لا تحتاج من السامع أو القارىء كثير جهد أو إعمال فكر،
الأمر الثاني أن القصيدة بنيت على إيقاع البحر البسيط نفسه، وكذلك اختارت تسكين الوسط في قافية فعلن على غرار قصيدة المتنبي الدالية التي التزمت به قصيدة الوائلي كذلك.

ويبدو التساؤل الاستهلالي في المطلعين متوافقاً في تصوير الموقف النفسي، وحالة القلق التي جعلت من العيد محطة تأمل باعثة على التساؤل، وهو تساؤل لا ينتظر جواباً من الآخر لأنه سؤال الكاشف العارف لا سؤال المستفهم الواصف:يستهل الوائلي قصيدته بالقول:

العيد في زمن كورونا
عيدٌ تهلُّ كما نهْواكَ يا عيدُ
أمْ فيك أمرٌ به للبالِ تسْهيدُ
حالي لسَائلتي صَبْر ومُحْتَسب
قدْ هَدّهُ بالنوى شوْقٌ وتشْريدُ

وهو يستدعي إلى الذهن قول المتنبي في استهلال داليته المشهورة إذ يقول:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

ويبدو طبيعة الاختلاف في البيت الثاني من حيث توجيه السؤال الذي يكشف عن وجود مخاطبة امرأة افتراضية أو ربما كانت هي الذات الشاعرة التي يستنسخها الشاعر من نفسه لتكون مقام الشخصية المحاورة جرياً فيها على سنة القدماء من الشعراء العرب، وهو ما أراد الشاعر الوائلي ألا يحيد عن اتباع سنتهم، ولا أن يغير الدرب التي اقتفى فيه آثارهم، وهو ما يبدو من خلال المحاكاة للمتنبي في نصه إذ يصف حاله التي انقسمت ما بين نوازع البعد والاشتياق والصبر و التأسي،، وفي هذا السياق استدعي قول الشاعر العراقي: جواد كاظم غلوم الذي عبَّر عن ذلك الاستهلال بقوله:"استفهام المتنبي الانكاري مليء بالتعجب والغرابة، حيرة الانسان وحزنه وغربته حتى في اجمل ايام الله وهي الاعياد حيث لاأحبّة جواره والمسافات ابعد من ان تقطع واللقاء الجميل امّحى فصار القطع بدلا من الوصل، وكيف نعبر بيداء الفراق وامامنا الكثير من المطبّات والعثرات الجسام ويبدو ان طريقنا أخذ يطول ويطول وليس امامنا سوى اليأس من فرج لا يأتي الاّ في المخيلة"وهو ما يتردد صدى لقول المتنبي الذي ابتعد عن الأحبة وحالت مسافات الصحراء بينه وبينهم

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

وتعقيباً على هذا البيت يقول الشاعر خالد الحسن:"هكذا تتحقق نبوءة المتنبي بهذا البيت يوماً بعد يوم , العيدُ الذي يأتي للمتنبي مثل العيد الذي يأتي على شعراء العراق المعاصرين، لذا هم يتساءلون عن سبب مقدم العيد , ولو أكملنا البيت الثاني من نص المتنبي: أما الأحبة فالبيداءُ دونهمُ.... الخ، فهو أيضاً مرتبط بنا وبه أكاد اجزم إن المتنبي كتب هذه الأبيات على دولة مستقبلية تُدعى العراق عام 2014 م"

وتتابع بعد ذلك القصيدة وفق متوالياتها الإشارية لتتشعب إلى فكر فرعية جامعها الرئيس هو العيد في زمن كورونا، وقد تسلسلت تلك المتواليات وفق إشاراتها الآتية:
الهجر سبب
نتيجته انطفاء بهجة العيد
في وَحْشةِ الهجرِ نوْرُ العيدِ مُنْطفءٌ
كانّـُه منْ رَمـادِ النـارِ مَوْقودُ
الغربة عامل من عوامل
الحزن
عيدُ الغريبِ غريبٌ نبعهُ شجنٌ
مثلُ الزهورِ ولكنْ أرضها صيدُ
لم يعْرفِ الرَوحَ لم تعْرفْ مَلامِحَه
هما الغريبانِ والمَلقى الموْاعيدُ

وتبلغ النفس ذروة معاناتها من خلال حالة المفارقة الصادمة التي تعكس حالة الاختلاف بين الذات والموضوع، والنفس والآخر إنها حالة الصراع النفسي التي تتبدّى في موقف المشاهد الخارجي للمعاناة ؛ ففيما تشتكي النفس لواعج الألم وتعاني الحزن يقف الآخر منها موقف الحاسد، هنا تبدو كون الآخر قمة الألم بين النفس التي تشتكي الألم والحسد يقول الوائلي:

عنْد المَراغمِ حيْن اللهُ يُسْعفُه
لمِا أتاهُ وفي شكْواهُ مَحْسودُ

مع إبدالات في أسلوب الصياغة التي جاءت عند الوائلي تقريرية واصفة باعتمادها بنية الأسلوب الخبري الابتدائي بينما كانت عند المتنبي قائمة على الأسلوب الإنشائي المحمول على صيغة الاستفهام الذي أفضى إلى إظهار حالة التعجب مع تغيير لفظ بكاء عند المتنبي إلى شكوى عند الوائلي، وهو ما قام على محفوظ الشاعر من قول المتنبي:

ماذا لَقيتُ مِنَ الدُنيا وَأَعجَبُهُ
أَنّي بِما أَنا باكٍ مِنهُ مَحسودُ

ويرتبط العيد لدى الوائلي بجزئيات المكان الذي يحضر بدلالة شجر النخيل، وهو مما يتميز فيه طبيعة العراق يقول:

في مُوْطنِ الأهْلِ يوْم العيدِ يُسعدُنا
مثلُ النَخيلِ زَهتْ فيه العَناقيدُ

كما يتبدى العيد من خلال العلاقات الاجتماعية الحميمية التي تسود بين أبناء الوطن الواحد الذين يجمع العيد فيما بينهم، ويزيد روابط الألفة ويُعمّق فيما بين الأقارب أواصر القربى ووشائج الدم وهو ما يعبر عنه الشاعر بوصف مشهد الاحتفاء بالزوار، إذ تحضر الموائد وتعلو أصوات الأغاني المرحبة بالقادمين:

الأهْلُ للجارِ والزوّارِ مَائدة
والدارُ لحْنٌ به تعلو الأغاريدُ
عنْد العِناقِ بهمْ دفْءُ الشتا سَكنٌ
وفي شذى القُبلِ القنْديدُ والعودُ

ليبدو في مقابل هذه الصورة المستحضرة مما علق في ذاكرة الشاعر من مشاهد العيد التي كانت سابقاً إلى تصوير مشهد العيد في زمن كورونا، ومع هذا الانقلاب في المشهد والانقلاب الزمني من الماضي إلى الحاضر ثمة تحول على المستوى اللغوي إذ نجد الأسلوب ينتقل من الخبر إلى الإنشاء ومن التقرير إلى الاستفهام المحمول دلالياً إلى معنى الإنكار، وهذا الانتقال يتساوق مع الحالة المشهدية والموقف النفسي المستدعي لها يقول:

اليومُ عيدٌ ولكنْ كيْف يُبهجُني
والخلُّ عنّي نأى والدارُ مَنْكودُ
كمْ سَائلين هِلالَ العيدِ منْ بَطرٍ
هلْ حَانَ فيكَ منَ التقليدِ تَجْديدُ

ويبدأ المشهد الواصف بعد ذلك الاستفهام ليؤكد وقائع العيد ومجرياته في ظل كورونا، وما أحدثته من تغيير في سلوكيات وشعائر، وما غيرت من أنماط وعادات اجتماعية، إذ يشير إلى خلو العيد من مظاهر التحايا والمعانقة بين الناس:

العيدُ آتٍ وعند الناسِ جَائحة
فيها الوباءُ بحبلِ الموتِ مَعْقودُ
العيدُ يأتي فلا خلٌّ يُعانقهم
ولا ذراعٌ منَ الأحْبابِ ممْدودُ

وتغيب صلاة العيد، وهي من الشعائر الأكثر تعبيراً عن عمق الأسى الذي فرضته هذه الجائحة حتى تحولت أحد أركان الإسلام الصيام إلى مجرد عادة من العادات السلوكية، إذ خلت المساجد من المصلين، وأصبحت كالأطلال الخالية من البشر:

ولا صَلاةٌ بفجْرِ العيدِ تجْمعُهم
ولا صَديقٌ ببابِ الدارِ مَنْشودُ
ولا صيام كما صَامَ التقا تبعوا
كانّما الصوْم تقليدٌ وتعْويدُ
دوْرُ العبادةِ كالأطلالِ مُوحشة
خوفاً من الداءِ عنْها العبدُ مرْدودُ
راموا الخروْجَ ضجوْراً منْ بيوتِهمُ
كمَا يلوْذُ بغَـارِ اللّيثِ مَطرودُ

ليشير إلى أن العيد قد تحول بمعناه حتى على المستوى النفسي الداخلي من حالة شعور بالفرح والسعادة والأمن إلى حالة من القلق والشعور بالخوف، وهو ما يعكس قسوة العيد وحالة الضيق التي جاء فيها:

من كانَ ينْعمُ في أعيادِه أمِناً
فاليوم يُدركُه رعبٌ وتهْديدُ
هزّ النفوسَ وباءٌ بُرْءَه أجلٌ
به تَهاوتْ منَ الدنيا العواميدُ

وفي المتوالية الأخيرة يبين الشاعر أن هذا الابتلاء جاء نتيجة اختلال القيم وتغير المبادىء ؛ فالجائحة إنما هي جرس إنذار للبشر، ونذير تحذير لهم، وقد تعددت أسباب ذلك، إذ عمَّت مظاهر الشر، وانتشرت المظالم، وكثرت المفاسد:

جاءَ ابتلاءً يُفيق الخَلقَ إن فقهوا
منَ الضلالةِ حيْن الظّلمُ مَعهودُ
سادَ الفَسادُ وطالَ الجوُرُ مُقتدراً
والحقُّ عنْد نفاقِ الناسِ موْءودُ

ومن أحزن ما وصلت إليه مظاهر الفساد والظلم الاجتماعيين تتمثل في تغييب أصحاب الكفاءات، وسيادة الجهلاء والفاسدين:

قد سيّدوا جُهلاءَ القومِ مجْلسهمْ
وصاحبُ العلمِ مغْبونٌ ومزْهودُ
مثلُ النجومِ نِفاقاً حينَ تسْمعهمْ
بيْضُ السطوْحِ وفي أعْماقهمْ سُودُ

وهذه الحالة تتواقع مع قول المتنبي الذي رأى سيادة العبيد، وتسلّطهم على السادة:
صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها
فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ
نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها
فَقَد بَشِمنَ وَما تَفنى العَناقيدُ

وينتقل الـ: د. نوري الوائلي في المقطع الأخير إلى تقرير واقع وتصوير ما فيه من مظاهر قاتمة تجمع بين المظهر النفسي والمادي للناس:

قَستْ قلوْبهمُ رغْم الهُدى علم
حتّى كانّ فؤادَ المرْءِ جلمودُ
لم يضرعوا وسقامُ الموت آخذهم
والناسُ بالداءِ معلولٌ وملحودُ
عاشوا الحياةَ غُزاةً في توافهِها
وفي العطاءِ لهم أيْدٍ كما البيدُ
الخُلقُ والحلمُ عنْد البعْضِ منْقصةٌ
والغدْرُ والمكْرُ والتزويْرُ محْمودُ
مثلُ العروْسِ زَهتْ هذي الحياةُ لهمْ
والطبلُ فيْها هُمُ واللّحنُ والعودُ
كم يبلغ العيدَ قومٌ لا حَصَادَ لهمْ
فالخيرُ فيه إلى الأبْرارِ مَحْصودُ

ويُنهي الشاعر الوائلي بمجموعة من الحكم التي نمَّتْ على تجربة استمدَّت تعابيرها من الواقع، وجاءت انعكاساً لحقيقة، وحالة راهنة.

وهذا ما أكده الشاعر: خالد الحسن الذي رأى في تشابه الحالة، وتماثل الموقف سبباً لتشابه القصائد وتماثلها بالقول:"نحن أمام جرح متكرر في الضمير العربي، لذا قد تتشابه الأبيات والحكم بل، وحتى الأحداث".

وإذا كانت قصيدة الوائلي قد اقتفت قصيدة المتنبي من حيث البحر وحرف الروي والموضوعة الرئيسة، إلا أنه لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ قصيدة الوائلي قد حملت خصوصيتها، وبصمتها الذاتية، ذلك أن قصيدة المتنبي جاءت ردة فعل على موقف لحظي، وهي نتيجة خيبة أمل، وانتظار لمأمول لم يتحقق ؛ فدافع المتنبي ذاتي ينبع من نزعة فردية تنمُّ على مطمح معلن، ووعد لم يوفَّ:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً
أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ
إِنّي نَزَلتُ بِكَذّابينَ ضَيفُهُمُ
عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ

كما أبرزت في قصيدة المتنبي النزعة الذاتية التي عبَّر عنها تكرار ضمائر الذات باستخدام الشاعر ضمير المتكلّم: فمن تكرار الياء:

لَم يَترُكِ الدَهرُ مِن قَلبي وَلا كَبِدي
شَيءً تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جيدُ
يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما
أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ

ومن ورود الضميرين: أنا والياء:

أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني
هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريدُ
ومن تكرار تاء الفاعل: قوله:
إِذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَونِ صافِيَةً
وَجَدتُها وَحَبيبُ النَفسِ مَفقودُ

وقد انتهت قصيد المتنبي بالخروج إلى هجاء كافور صراحةً لا تلميحاً بقوله:

مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً
أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ
أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً
أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ
أَولى اللِئامِ كُوَيفيرٌ بِمَعذِرَةٍ
في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ
وَذاكَ أَنَّ الفُحولَ البيضَ عاجِزَةٌ
عَنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ

بينما تأسَّستْ قصيدة الشاعر د. نوري الوائلي على بعدٍ جمعي، ونظرة شمولية تجاوزت حدود الذاتية، وحدود المنفعة الشخصية، واختتمت بلبوس الحكمة والموعظة، وضرورة الاعتبار، وهي بهذا الترفّع اكتسبت سموَّ الغاية، ونُبل المقصد.

وليد العرفي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى