النزعة العقلية والمزدرية بين ابن رشد والغزالي
كل حضارة في فترة زمنية معينة، يجب أن تسود عليها نزعة تحرّك هذه الحضارة؛ فنحن نعلم أن الحضارات لا تسري على فكرة واحدة، بل على مبدأ أو نزعة عامة تسود وتروج، غالباً بصراع مع نزعة أخرى أو مبادئ أخرى. في هذا الصراع قد تموت بعض المبادئ والنزعات، في حين يعلو شأن النزعة الفائزة، لكن لدى تلك النزعات التي ماتت القدرة على العودة مجدداً، بشكل وإطار يناسب المجتمع بصورته الحديثة. ونحن رأينا هذا في أمثلة عديدة في التاريخ البشري والحضارة البشرية، مثل النزعة العقلية في أوروبا بعد أن ماتت في عصور الكنيسة، أو ما قبل عصر النهضة، لتعود بشكل جديد له جذوره التي ماتت من الإغريق والرومان، لكن بإطار يناسب وقته، لتكون هذه النزعة فيما بعد سبباً في نهوض أوروبا.
وهذه النزعة، وقبل أن تسود في أوروبا، كانت قد لاقت مكانها في العالم العربي الإسلامي، بل وكانت تتصارع مع النزعة المزدرية للعقل، وهذه الأخيرة هي التي بقيت حتى وقت قريب نسبياً من كتابتي لهذه المقالة.
حيث أن لجميعنا القدرة على رؤية هذا الصراع بخطوطه العريضة وتفاصيله، حيث إن صراعهما قد نراه جلياً بين ممثلي كلٍّ من هاتين النزعتين؛ حيث كانت النزعة العقلية التي يمثلها ابن رشد، والنزعة المزدرية التي يمثلها الغزالي. وعند إدراكنا لواقعنا الحالي، ولِما مضى، ومقارنته مع أحداث الصراع الذي دار بين النزعتين، سوف يثير هذا لدينا التساؤل: لماذا طغت نزعة الغزالي، ولم تَلقَ نزعة ابن رشد نفس الرواج، رغم أنها كانت الرائجة قبل هذا في العالم الإسلامي؟
ولنعرف إجابة هذا السؤال، علينا أن ندرك بأنها كانت سائدة في وقت قريب نسبياً من وقت حملة الغزالي عليها، أي أن العالم الإسلامي جربها وعرف ما هي. كما أن الحكم والظروف الاجتماعية آنذاك، لم تكن لتأخذ المجتمع للاستمرار بنفس النزعة التي كان عليها. وهذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي استمرت بواقع الأمة البائس، كانت سبباً في استمرار نزعة الغزالي حتى في العصر الحديث في العالم العربي.
الغزالي، بنزعته الأرستقراطية، وجد الحضن الدافئ في المجتمع الإسلامي، إضافة إلى تأييده من قبل السلطة آنذاك، فهو يُعد أول مفكر إسلامي تصدى للفلسفة بهذا الشكل.
ومن هنا، يمكن أن نستنتج أو نعرف بأن النزعة العقلية كانت موجودة قبل الغزالي، حيث كانت السائدة قبله. بل إن النزعة لم تمت بعد أن سلّ عليها الغزالي سيفه في كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة”، الذي رد عليه ابن رشد في كتابه الشهير أيضاً “تهافت التهافت”، ليمثّلا ذروة هذا الصراع.
غير أن ابن رشد لم يلقَ نفس الحضن في المجتمع والسلطة، حيث أُمر بحرق كتبه ومصادرتها، وفُرضت العقوبات على حائزها. وهذا يُعد من الأمور المؤسفة في تاريخنا الإسلامي. لكن ابن رشد أصبح حلقة الوصل بين أوروبا القديمة، أي الإغريق والرومان، وبين أوروبا الجديدة التي تريد النهضة، حتى أن هناك بعض المفكرين الغربيين الذين يؤمنون بأن المنهج التجريبي مأخوذ من أفكار وآراء ابن رشد. وهناك بعض المفكرين الذين كانوا أقل حدة في اعتقادهم، حيث كانوا ينظرون لابن رشد على أنه شارح ممتاز لأرسطو، كالمفكر الفرنسي رينان وغيره من المفكرين.
هذا الصراع بين فكرتين، مثّل كلٌّ منهما شخصاً، يبين لنا كيف أن حركة النزعة في الحضارات قائمة على هذا الصراع، حيث تسود الفكرة التي تلائم مزاج المجتمع وهواه، وظروفه الحضارية والمحيطة به في فترة الصراع.
