الأحد ١٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١

تُمن_شاى

رانيةالمهدى


لم تكن تلك الليلة مثل الليالي السابقة. الجميع نيام كعادتهم بعد صلاة العشاء. أنا فقط التي تمتلك عيون ساهرة متطلعة لشروق شمس يوم الأربعاء، ذلك اليوم الفارق في حياتي للأبد فهو بالنسبه لى حياة أو موت.

قبل هذه الليلة بسنوات طوال، كنت تلك الفتاة الصغيرة صاحبة الإحدى عشرة عام. سمعت أبى وهو يصرخ في أمي ويقول:

- البت فاضلها سبوع عالجواز..وسيباها تلعب مع العيال في الطين ياوليه يا هامله.

لتاتى امي وتمسك بي وتنهال بالكمات والضربات على جسدي الصغير

- هتفضحينا ياللي تنفضحي....يقولو ايه عليك..عيله ولسه بتلعب في الطين.

لم أفهم ماذا تقصد بهذه الفضيحة التي تحدث عندما العب في الطين. سنوات طوال وأنا العب في ذلك الطين ولم يعترض أحد. جائت الماشطة و أخذت تتفحص جسدي وتتحسس صدري وأنا كالصنم لا أتحرك لأجدها تضحك وتنظر لامي:

- والنبي البت دي باجسه..شوفي ياختي مش هممها ازاي.

لتضحك امي:

- صغيرة مش فاهمه.

- ياختى كلنا كنا صغيرين وكنا بنستحي. البت صدرها زي الليمون الاخضر. بس متقلقيش حشوة القطن هتظبط كل حاجة.

صدري مثل حبات الليمون الأخضر. هكذا قالت الماشطة والحل فى حشوة القطن حتي أبدو كالنساء في زي العرس.

سألت أمى:

- ياعنى ايه جواز يامة؟

لتضحك وهي تحاول أن تداري بعض الخجل وتنظر للماشطة التي ترد عنها:

- عارفه الحلاوة البيضا اللى بتجبهالك أمك من سوق لاربع.

- ايوة عارفاهي.. دي حلوه جوي.

- الجواز بيخلى عندك الحلاوة دي علطول.

- علطول.. صحيح يامه

لترد امي وهي تتغامز وتضحك مع الماشطة:

- صحيح يابت.

كنت سعيدة بالفستان والألوان على وجهي وكل هذه البهرجة والزينة والحلاوة البيضاء التى لن تنقطع ابدا. لتختفى تلك السعادة فجأه عندما ضغطت أمى على وركي النحيل وكأنها تترك لي علامة تذكرني أن أكون صالحة ولا أصرخ عندما يدخل العريس بي.

أصرخ!...لماذا؟ ماذا سيحدث لي كى أصرخ؟ سيطر الرعب والقلق على نفسي وتذكرت أفراح البنات السابقين في القرية وهذا المنديل الأبيض المختلط بالدماء الذي تخرج به الداية من حجرة العريس لتٌضرب طلقات النار في الهواء ويهلل الجميع ويتبادلون التهاني والمباركات. ماذا سيحدث لي؟ ومن أين تاتي هذه الدماء؟

مر اليوم ومرت سنوات كثيرة على زواجي. الزواج هذه العلاقة الغريبة التي لا أفهمها وهؤلاء الصغار الذين أعطوني لقب أم.. انا أم! انا التي ما زالت تحن لطفولتها البريئة وتشتاق اليها عندما ترى هؤلاء الصغار في لعبة الغميضة يتضاحكون بسعادة صافية لا يشوبها فكر أو هم.

كثيرا ما تمنيت أن يعود الزمن لألعب معهم وأبتسم مثلهم ولكن كيف وانا أحمل هذا اللقب.. ام.. لكن طبيعتي العنيدة لم تجعل الأمر يتوقف عند التمنى فا في لحظات من الجنون كنت أذهب في غفلة من الجميع الي خلف الدار واصنع هذه العرائس الطينة الجميلة وانغمس معهم في حواديت وحكايات واصنع لهم حياة اكثر سعادة من حياتي. حياتى الغريبة التى تسير بمفردها وكآنها لا تخصني في شيء و عندما انتهي من اللعب أخبئهم في إحدى اكوام التبن أو في طاولة إحدي الحيوانات.

كانت كل الأيام متشابة. الا يوم الأربعاء العظيم، يوم السوق الأسبوعي الكبير، هذا السوق الذي كانت تحتكر الذهاب اليه كبيرة الدار والمتصرفة الأولى في كل الامور.. صاحبة الكلمة التى لا ترد.. حماتى هذه السيدة القوية الحازمة التى تستطيع ان تٌسكت جَمع كبير من الرجال بكلمة واحدة منها.

سيدة قوية تدير الدار بكل حزم. تنظم كل شئ. لها عشرة من الأبناء الرجال ولكل منهم زوجة وأولاد والجميع في طاعتها وتحت تصرفها.

كانت تعرف كل صغيرة وكبيرة في الدار. حتى دبة النملة كانت تعرفها. ولا تنسى أبدا. تغلق كل شئ وتحتفظ بالمفاتيح في خيط غليظ حول رقبتها. تعد الملاعق بعد كل غسلة للأواني وتعد قطع اللحم وتربطهم بخيط واحد قبل وضعهم في قدر السواء على الكانون. تعرف ما يدور من أسرار داخل حجرات النوم وكأنها كانت معنا. ويحكي عنها أيضا إنها قتلت ذئب و أخرجت كبدته وأكلتها ناية.

لا أخفيكم أني أنظر إليها بكل إعجاب و أتمني أن أكون مثلها يوما ما بالرغم من ضيقي الشديد من تزمتها الدائم لكن قوتها وسيطرتها تروق لي فأحفظ كل تصرف وكل كلمة تقوم بها وأفرح مثل الصغار عندما تعود من السوق محمله باحتياجات الدار ومعها الحلوة البيضاء الناعمة التي يحبها الجميع.

يوما ما قالت لي:

- خدي يا بت ..تعالي هنا.

انت مالك كده بصالي وهتكليني بعنيك الوسعة البجحه دي.

لارد عليها في بعض الخوف:

- لا ولالله يامه دانا بحبك وبتعلم منك.

لتنطلق منها ضحكه لا تتكرر الا نادرا وتقول:

- عارفه..انت بت جادعة ومرات الكبير يعني إنت الكبيرة بعدي ..بس خلي بالك طول مانا عايشة مفيش حد يقدر يتنفس قدامي وخصوصي لما تبقا وحدة عبيطة زيك لسه بتلعب بالعرايس.

(تنظر لي اكثر وتبتسم) ولا تكونيش فكراني غايبه يا بت.

تنحشر الكلمات في حلقي ولكنها تكمل كلماتها وتسرب فيها بعض الحنيه:

- ابقي خبيهم كويس يا موكوسه واوعي العيال تشوفك ليقولو عليك هابله.

لانكب علي يدها أقبلها وأجلس تحت قدمها ادلكه وأاكد محبتي لها وإنها في مقام أمي الغالية.
أخذت أنظر اليها و أتمني أن أصبح مثلها حتي أتحكم في حياتي بمفردي وأكون صاحبة قرار قوي لا يرده أحد.

حتي جاء ذلك اليوم الذي لم أكون أتصور إنه سياتي أبداً.. يوم رقدت مريضة في سريرها لا حول لها ولا قوة .. يومها طلبتنى وقالت:

- اسمعي يا بت ..أنت اللي هتروحي سوق لأربع وتتسوقي للدار كلتها بدالي واياك تنسي حاجه ولا تضيعي حاجه ولو حصل.. عمرك في حياتك ما هتشمي ريحه السوق تانى.

لتنتابني حالة من الفرح المقترن بالخوف الذي يصل لحد الرعب. السوق إنه علامة القوة والسيطرة وبداية للحصول علي لقب كبيرة الدار. هنا دارت الأسئلة كلها في راسي وبدأت تتزاحم حتي أني لم أعد أفهمها لكن السؤال الملح والوحيد الواضح كان هل أنا حقا استطيع؟

أشرقت شمس الأربعاء وإرتديت الملس الأسود الخاص بحماتي..الملس الوحيد المخاط به سيالة.. هذا الجيب السحري الذي نحتفظ فيه بالمال حتي لا نتعرض للسرقة و أكملت الزي بالطرحة السوداء الطويلة التي تغطي كامل رأسي والحذاء البلاستيكي الأسود الأمع الذي ننتعله في المناسبات الهامة فقط. حملت القفه في أحاضني و إنتظرت...لحظات ثقيلة تمر وكأنها سنوات طوال حتي سمعت ذلك الصوت

- عربيه السوق وصلت

لانتفض وأخرج مسرعة و أجلس علي العربية الكارو وبجانبي هؤلاء السيدات العظيمات وكلا منهم تسأل عن صحة حماتي الغالية وتتمني لها الشفاء ثم يتضاحكن ويتغامزن لأن مرضها فرصه ذهبية لي لاصبح سيده الدار.

تنطلق العربة وطول الطريق لم أنطق بكلمه ولكن عقلي يراجع كل طلبات الدار مرات ومرات حتي لا أنسى شئ. و من حين لاخر اطمان نفسي وأقول بلا صوت:

- الفلوس في السيالة والبضاعة في السوق..وأنا فاكرة كل حاجة بالتنتوفة.. كله ساهل ان شاء الله.

الي أن وصلنا السوق هذا المكان الكبير الذي يصل لحد الضخامة.. تزاحم شديد وتخبط.. بضائع كثيرة و متنوعة أصوات عالية متداخلة... كل ذلك جعلني أرتجف للحظة واشعر بغمة نفس ودوران الأرض من تحتي لأعود الي ثباتي بعض الشيء عندما أسمع صوت سائق العربة وهو يقول:

- هرجعلكم هنا بعد ساعتين..وحياه النبي محمد محد يتاخر مش نقصين عطله.

لتنطلق السيدات وأنا معهم ومازلت اردد:

- الفلوس في السيالة والبضاعة في السوق..وأنا فاكرة كل حاجة..أيوة فاكرة كل جاجة.

وتبدأ الرحلة وأشتري الحاجيات بكل سهولة واكتشف اني أستطيع وأن التسوق أمر سهل وممتع جدا. إشتريت كل شئ حتي تلك الحلوة البيضاء الناعمة التي ينتظرها الصغار وأنا انتظرها اكثر منهم. لكن لماذا أنتظر وهي في يدي؟ فأنا كبيرة الدار ويمكن أن أتذوق الحلوى الأن.. جلست علي جانب الطريق لأتذوق بعضا منها وأراجع كل شئ من البداية وأتاكد أن كله تمام ولكني إكتشفت المصيبة التي أنستنيها لهفة تذوق الحلوى.

وقت الرجوع للعربة إقترب وأنا قمت بشراء كل الأشياء إلا تُمن الشاى ولم يتبقي معي نقود.. حماتي أعطت لي النقود كاملة.. أين ذهب ثمن تُمن الشاي؟ كيف أعود من غيره؟ ماذا أقول؟

هل النقود ضاعت؟ كيف أفشل؟ كيف يبدد تُمن شاي كل أحلامي؟

أخذت أبكي وأتحاشي أن يري أحدهم دموعي ويعلم مصيبتي ويخبر الجميع. غامت الدنيا مرة أخري في عيني وبدأت الدنيا تدور حولي في دوائر تسحبني لقاع الارض. تمنيت

أن يتوقف الزمن أو تقوم القيامة لانتهي من هذه الورطة لينقشع السواد فجأة ويتجدد الأمل عندم رايته يلمع في ضوء الشمس فإتسعت عيناي وأنا أنظر لهذا الخلخال الفضي الذي يزين ساقي إنه الحل بلا منازع.الحل الذي سيحمي لي أحلامي ومستقبلي القادم .وفي غفلة من الجميع وضعت قدمي خلف قفة البضائع وخلعت فردة الخلخال اليمنة وذهبت لبائع الشاي وقلت له:

- فرده الخلخال دي فضة هرهنها عندك للسوق الجاي وهاخد تمن شاي ناعم.

يبتسم بخبث:

- اول مرة ليك في السوق مش كده.

- إيوة أول مرة.

_إنت من دار مين؟

_و إنت مالك إنت.. دار مين ولا مش دار مين.. هتخدها وتدهولي ولا لا؟

ليبتسم الرجل ويوافق وكأن الأمر ليس بجديد عليه ويضع في يدي تُمن الشاي فأتنفس و أنصرف من أمامه مهرولة الي العربة التي كادت أن تتحرك بدوني. لتنظر لي إحدي النساء في لؤم:

_كان هيمشي ويسيبك.. مكنش مستحمل روحه.

لارد عليها و انا استوي في جلستي:

_يمشي..مشيت عليه باطنه.. هو يستجري. طب والنبي كنت سودت عيشته.

ليعتذر السائق:

_والنبي ما قلت حاجة يا ست.. وعموما حقك علي راسي يا ست الكل.

لتنطلق العربة و لدي هذا الشعور الغريب.. هذا الخليط بين العزة والفخر والقوة ..لقد إتخذت قراري بمفردي. تخلصت من من قلقي.. لقد كبرت.. نعم كبرت.

تصل العربة الي البلدة ليستقبلنا الصغار بهتاف وفرح لإنتظارهم الحلوى البيضاء الناعمة التي نحملها لهم

- عربيه السوق رجعت

- الحلاوة جت من السوق يا عيال

أنزل أمام داري وأسمع إحدي النساء تقول لي:

- هنستناكي السوق الجاي بقا.

لأرد عليها بكل ثقة:

- أمال إيه...إن شاء الله.

أدخل الدار وأهرول الي حماتي لأعلن لها إنتصاري وفوزي في المعركه لأجدها تتفحصني وتقول بصوت صحيح بعيد عن رنة المرض:

- حلو السوق مش كده؟

- حلو قوي يامة

- قربي هنا يا ست الدار.. إرفعي رجلك يا بيت

- رجلي.. ليه يامة!

- إرفعي يا بت متوجعيش جلبي

فأرفع رجلي اليسرى لتنظر إليها وتقول

- اليمين

أبتلع ريقي الذي تحجر وأرفع رجلي لأجدها تتحسس مكان فردة الخلخال

- نزليها يا عدلة..ثم تتنفس و تبتسم وتقول:

- عارفة يابت انت لو كنت رجعت بحاجة ناقصة من السوق ومتصرفتيش... كنت خليته طلقك وجوزته ست ستك اللي تعرف تتصرف.

ليتهلل وجهي وأبتسم وأجلس تحت قدميها وأقول:

- طب دلوقتي بقا؟

- دلوقتي..طلعتي جادعة ومن اليوم ورايح.. إنت بس اللي هتروحي السوق..ومتنسيش ترجعي خلخالك يا فالحة.

لأبتسم أكثر وأشعر بالإنتصار والقوة لأول مرة في عمري.

تعتدل حماتي ويعود صوتها للخنوع

- هاتي حته حلاوة يابت ريقي مر.

- حاضر يامة.

رانيةالمهدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى