السبت ١٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٠
بقلم محمد زكريا توفيق

دعوة حكامنا لقراءة ماكبث


مسرحية ماكبث كتبها وليام شكسبير عام 1605 أو 1606م. هو شاعر وكاتب مسرحي عالمي. يعتبر أعظم كاتب مسرحي في تاريخ اللغة الإنجليزية. غالبا ما يسمى الشاعر الوطني في انجلترا. كتب 154 سوناتا وقصائد روائية طويلة، وحوالي 39 مسرحية، بما في ذلك المسرحيات الكوميدية والتراجيديا.

أول عرض لمسرحية ماكبث كان على المسرح الملكي في هامبتون عام 1606م للملك جيمس الأول وصهره، ملك الدنمارك كريستيان.

لا شك أن المسرحية كانت بهدف إرضاء الملك جيمس، الذي صار راعيًا لمسرحيات شكسبير. نلاحظ أيضا، خلال أحداث المسرحية، أن شخصية بانكو – مؤسس شجرة عائلة ستيوارت – تُصوَّر بشكل إيجابي للغاية.

المسرحية قصيرة جداً أيضاً، ربما لأن شكسبير عرف أن جيمس يفضل المسرحيات القصيرة. كما أنها تحتوي على العديد من العناصر الخارقة للطبيعة لإرضائه، لأنه نشر بنفسه كتاباً للكشف عن السحر وممارساته. كما تم حذف كل ما يشير إلى هزيمة الدنمارك من الأسكتلنديين، لتجنب المساس بشعور الملك الضيف، كريستيان.

تم اقتباس أحداث المسرحية من السجلات التاريخية لإنجلترا واسكتلندا وأيرلندا (1587م). بالرغم من ذلك، فإنها تصنف عموما على أنها تراجيديا وليست مسرحية تاريخية.

هذا لأن القصة تحتوي على العديد من المغالطات التاريخية، بما في ذلك شخصية بانكو، التي اخترعها مؤرخ أسكتلندي في القرن السادس عشر لكي يتحقق من صحة خط عائلة ستيوارت. كما أن شكسبير قام بتغيير شخصيتي ماكبث ودنكان لكي يخلق شعورا دراميا قويا.

في الواقع، هناك أسباب أخرى تجعل المسرحية تراجيديا وليست تاريخيةً. أحد الأسباب يأتي من عالمية المسرحية. مسرحية ماكبث تقدم لنا دراما إنسانية مليئة بالطموح والرغبة الملحة في الحكم، التي تصل إلى حد المرض. توضح لنا الشعور بالذنب الذي يطارد المجرمين بعد اقترافهم لجرائمهم.

مثل هاملت، يعبر ماكبث عن القلق العاطفي والفكري الذي يدور داخله بوضوح، فيصل إلى العديد من المشاهدين بسهولة.

افتقار ماكبث إلى القيم الأخلاقية وإخفائه لطموحاته ونواياه الخبيثة الحقيقية، يجل شخصية ماكبث حقيقية مئة في المئة. هذا هو الذي جعل مسرحية ماكبث شعبية لقرون عديدة سابقة، وسيجعلها شعبية لقرون أخرى لاحقة.

ملخص أحداث المسرحية:

الفصل 1

أحداث المسرحية تقع في اسكتلندا. دنكان ملك اسكتلندا في حالة حرب مع ملك النرويج كما يتضح من افتتاحية المسرحية. يقول دنكان أنه يتعلم من شجاعة ماكبث في معركته المنتصرة ضد ماكدونالد، الأسكتلندي الذي انحاز إلى جانب النرويجيين.

في الوقت نفسه، تصل الأخبار بشأن اعتقال الاقطاعي الخائن حامل لقب سيد كاودور. فيقرر الملك دنكان إعطاء اللقب إلى ماكبث.

أثناء عودة ماكبث وبانكو من المعركة، تجتمع ثلاث ساحرات في الخلاء. يتنبأن بأن ماكبث سيكون سيد كاودور، ثم ملك اسكتلندا. وأن بانكو رفيقه في الحرب، سيكون أبا لسلسلة من الملوك في المستقبل.

بعد اختفاء الساحرات، يلتقي ماكبث وبانكو مع اثنين من النبلاء روس وأنجوس، اللذين يخبرانهما بحصول ماكبث على لقب سيد كاودور. عند سماع هذا، يبدأ ماكبث جديا في التفكير في قتل دنكان لكي تتحقق نبوءة الساحرات ويصبح ملكا.

ماكبث وبانكو يجتمعان مع دنكان، الذي يعلن أنه ذاهب لكي يزور ماكبث في قلعته. يعود ماكبث مسرعا لكي يعد قصره لهذه الزيارة. في الوقت نفسه، تتلقى الليدي ماكبث، زوجه، رسالة يبلغها فيها بنبوءات الساحرات وما قد ينتج عنها من نتائج.

هذه الأخبار المشجعة أطلقت داخلها كل قوي الشر الممكنة. نسيت طبيعتها كأنثى، ولم تعد تفكر إلا في طريقة للتخلص من الملك دانكن. عندما وصل زوجها ماكبث، أخبرته برغبتها في قتل الملك دنكان.

يصل دنكان إلى القلعة، فتستقبله وتحييه الليدي ماكبث بمفردها. أين ماكبث؟ لقد اختفى عن الأنظار. وعندما تبحث عنه، تجده في غرفته غارقا في أفكاره، يحاول تقييم قراره الخطير بقتل دنكان وتبين تبعاته. فتسخر منه زوجه وتخبره بأنه لن يكون رجلا إلا عندما يقتل دنكان. ثم ما الداعي للقلق؟ لقد أعددت كل شيء. سنسكره ثم نقتله أثناء نومه، ونلقى التهمة على حارسيه السكارى، وندمغهم بالأدلة.

الفصل 2

يرى ماكبث خنجرا يقطر دما يطفو أمامه، يقوده إلى غرفة نوم الملك الضيف دنكان. ثم يسمع رنين جرس ينبئه بأن الأمور على ما يرام، ولم يبق سوى تنفيذ الخطة.

على ماكبث الآن التقدم لتنفيذ عملية الاغتيال. يخرج ماكبث من غرفة نوم دنكان ممسكا بخنجر يقطر دما. لكنه خائف يرتجف. فتلاحظ زوجه الليدي ماكبث ضعفه وهوانه. فتأخذ الخنجر من يده، وتقوم هي بنفسها بقتل حارسي دنكان السكارى أثناء نومهم.

تنتاب ماكبث نوبات هلوسة ويبدأ في سماع أصوات داخلية تطارده، قائلة إنه لن ينعم بالنوم منذ اليوم. وعندما يشير إلى يديه ويدي زوجه الملطخة بالدماء، ويتساءل: هل تستطيع المحيطات غسل هذه الأيدي الملطخة بالدماء؟ تجيبه الليدي ماكبث بأن قليل من الماء يمحو هذا الفعل.

يصل السيدان ماكدوف ولينو ويكتشفا مقتل دنكان. يخبرهما ماكبث بأنه كان مضطرا إلى قتل حارسي دنكان أثناء نوبة حزن وغضب، عندما رآهما يحملان خنجرا يقطر دما بعد قتلهما للملك دنكان.

ولدي دنكان، ملكولم ودونالباين، يقومان بالفرار إلى إنجلترا وإيرلندا، خوفا على حياتهما. لكن فرارهما يجعل الشبهات تحوم حولهما. بهذا يخلو الجو لماكبث لكي يتربع بمفرده على عرش اسكتلندا.

الفصل 3

حتى يبطل نبوءة الساحرات بأن أولاد بانكو سوف يعتلون سدرة الحكم ويصبحون ملوكا في المستقبل، قام ماكبث باستئجار اثنين من القتلة للتخلص من بانكو وابنه فلينس.

لم تكن الليدي ماكبث على علم بما يدبره زوجها في الخفاء. ثم ينضم للقتلة ثالث ويقومون بتنفيذ عملية قتل بانكو. لكن ابنه فلينس يلوذ بالفرار.

شبح بانكو، لا دنكان، يظهر فجأة لماكبث أثناء مأدبة احتفالية، فيصيبه بالرعب والهياج ويجعله يهذي ويخرف. تحاول الليدي ماكبث التغطية على سلوكه زوجها الغريب، إلا أن المأدبة تنتهي قبل ميعادها. ويبدأ كبار المدعوين في الشك في سلامة ماكبث العقلية. بعد ذلك، يقرر ماكبث الاستعانة بالساحرات مرة أخرى لكي يستشف ما قد يخبئه له القدر في المستقبل.

في نفس الوقت، السادة كبار اقطاعيي اسكتلندا يبدأون في التآمر للتخلص من ماكبث. فيقوم ماكدوف بالاتصال بمالكوم في إنجلترا لإعداد جيش للزحف على اسكتلندا.

الفصل 4

تظهر الساحرات الثلاث لماكبث. الأولى تحذره من ماكدوف. الثانية تقول له أنه يجب أن يخشى أي رجل مولود من امرأة. أما الثالثة، فتتنبأ بأنه لن يسقط إلا عندما تأتي أشجار غابة بيرنام إلى قلعة دونسينان. يطمئن ماكبث بعد سماعه نبوءات الساحرات، ويعتقد أنه معصوم وعرشه غير آيل للسقوط تحت كل الظروف.

وعندما يسأل ماكبث الساحرات عن النبوءة الخاصة بأبناء بانكو، يظهرن له موكبا من ثمانية ملوك، يشبهون جميعا بانكو.

في انجلترا، يقوم مالكولم باختبار ولاء ماكدوف من خلال التظاهر والاعتراف بعدة خطايا وطموحات. عندما يثبت ولاء ماكدوف لوطنه اسكتلندا، يقوم الاثنان بوضع استراتيجية لمهاجمة ماكبث في عقر داره. في هذه الأثناء، يقوم ماكبث في اسكتلندا بقتل زوجة ماكدوف وأطفاله.

الفصل 5

الليدي ماكبث تعاني نوبات من المشي أثناء النوم. تبوح بغير قصد إلى طبيبها المعالج عن جريمتها، وتعلن أنها لا يمكنها تطهير يديها من بقع الدم العالقة بهما.

ماكبث مهموم جدا ويستعد للمعركة القادمة. فلا وقت لديه للاهتمام بمشاكل الليدي ماكبث النفسية. ويغضب عندما يخبره الطبيب بأنه عاجز عن علاجها.

بينما يقترب الجيش الانجليزي بقيادة مالكولم، ماكدوف، وسيوارد، تسمع صرخة الليدي ماكبث مدوية ومعلنة عن موتها داخل أسوار القلعة. عندما يسمع ماكبث خبر وفاتها، يعلق بأنها كان ينبغي لها أن تموت في زمن لاحق، ويبدي بعض الملاحظات عن الحياة بصفة عامة التي لا معنى لها.

أخذ ماكبث نبوءة الساحرات الثانية بحسن نية. ماكبث لا يزال يعتقد أنه منيع من أي جيش يقترب من حصون قلعته. ولم يكن يعلم بأن مالكولم قد أمر كل جندي في الجيش الإنجليزي بقطع غصن شجرة من غابة بيرنام، والاختفاء وراءه.

لذلك، يقول خادم ماكبث إنه رأى مشهداً يبدو مستحيلاً. لقد رأى أشجار غابة بيرنام تتحرك نحو القلعة. يهتز ماكبث ولكنه لا يزال يستعد للاشتباك مع الجيش القادم.

أثناء المعركة، يقتل ماكبث الشاب الشجاع سيوارد، ابن الجنرال الانجليزي ماكدوف. فيقوم ماكدوف بمنازلة ماكبث وجها لوجه. أثناء المبارزة، يكشف ماكدوف عن أنه لم تلده امرأة، ولكنه نزع نزعا من رحم والدته.

يذهل ماكبث من هذه المعلومات التي أثبتت صدق نبوءات الساحرات. لكنه يرفض الاستسلام لمالكوف. فيقوم مالكوف بقتله وقطع رأسه. في نهاية المسرحية. يعلن عن تنصيب مالكولم ملكا لاسكتلندا.

ملاحظات على مسرحية ماكبث

ماكبث يمثل الطموح السياسي المجنون وجوع السلطة المرضي. يصور شكسبير ببراعة مراحل سقوط ماكبث والليدي ماكبث، والمعاناة الجسدية والنفسية التي كابداها بسبب الطمع والجشع الذي جعلاهما يطلبان السلطة بأي ثمن.

يمتلك ماكبث بعض الصفات التي تضفي عليه لقب "البطل المأساوي". في البداية، كان ماكبث شخصية جيدة ذات مكانة عالية. لكنه يعاني من السقوط الذاتي بسبب عيوب متأصلة في شخصيته.

البطل المأساوي يخضع لسقوط هائل، ناجم عن وقوعه في شبكة أخطاء خاصة لا يستطيع الفكاك منها. تنتهي به غالبا إلى الموت. وهو ما حدث في حالة ماكبث.

يعتمد ماكبث بجهل على قوى خارقة أكثر من اعتماده على نفسه وعقله. يحقق ماكبث كبطل مأساوي كل ما أراد، لكنه في وقت لاحق يفقد كل شيء.

لقد نال ماكبث من ملك اسكتلندا دنكان، الإقطاعيات والألقاب الموقرة، منها سيد كاودور. وهذا يشير إلى أن ماكبث كانت له أهمية سياسية كبيرة في البداية.

المسرحية تلتقط الزخم عندما يزور ماكبث ثلاث ساحرات. يخبرنه أنه سوف يصبح ملك اسكتلندا. في البداية، يرفض الفكرة. لكن من المدهش أن تتحقق أحد نبوءات الساحرات. هنا تبدأ بذرة الطموح تنمو في ذهنه. الفضول لمعرفة كيف سيؤول له الملك يكاد يأكله من الداخل.

في بداية المسرحية، يتم تصوير ماكبث على أنه رجل نبيل، مخلص لملكه دنكان، لكنه ينصاع بعد ذلك للفساد الأخلاقي، من خلال الاستسلام لرغباته الطموحة في أن يصبح ملكا هو نفسه. طموح ماكبث الأعمى، جنبا إلى جنب مع استفزاز زوجه، يجعلانه يسلك مسارا عنيفا ودمويا للوصول للعرش.

بعد أن توج ملكاً، يعاني ماكبث من جنون العظمة الشديد. يخاف من أي شخص قد يشكل تهديداً لسلطته، فيحاول القضاء عليه. طموحه يعميه، ويقوده نحو طريق مدمر. هذا يؤدي في النهاية إلى سقوطه وقتله.

عيوب ماكبث المأساوية تقوده إلى أن يصبح طاغية، بدلاً من أن يكون ملكاً نبيلاً. مع المسار الدموي الذي يسلكه، يكون سقوطه من النعمة أمر لا مفر منه.

مسرحية ماكبث تظهر عواقب الطموح الأعمى والسلطة المطلقة دون رادع. كذلك تطرح موضوع الرجولة وماذا نعني بأن تكون رجلا. ربما، تظهر شخصية ماكبث الضعيفة بشكل أفضل من خلال زوجه، الليدي ماكبث.

لقد كتب شكسبير المسرحية خلال القرن السابع عشر، وهو الوقت الذي لم يكن فيه للنساء صوت، خاصة عندما يتعلق الأمر بزواجهن. الليدي ماكبث هي أكثر من شخصية نسائية قوية. هي أكثر صرامة، وأكثر طموحا وأكثر قسوة من زوجها.

سيطرتها على زوجها سمحت لها بالتلاعب به لضمان صعوده إلى السلطة. ترى الليدي ماكبث تردد زوجها، فتذهب إلى حد التشكيك في رجولته، مشيرة إلى أنها تستطيع أن تكون "رجلاً" أفضل منه.

ومع ذلك، فإن قيمها الجامدة تؤدي بها إلى أفعال شنيعة، تسبب لها ذنباً دائما وزوالاً في نهاية المطاف. الليدي ماكبث تعتبر واحدة من أفضل شخصيات شكسبير المكتوبة.

ثم ما هي الرجولة؟ وما نعني حقا بأن يكون الشخص رجلا؟ إن شخصية ماكبث تبين أن الرجل الحقيقي ليس من يستسلم للعنف والطموح، بل هو الشخص الذي يقف مع المثل العليا ومستعد للتضحية من أجل الصالح العام، مثل ماكدوف.

ماكبث يصور الطبيعة البشرية في أضعف حالاتها. أما أفضل حالاتها فهي شخصية ماكدوف. مسرحية ماكبث يجب أن يشاهدها أو يقرأها كل حاكم أو كاتب أو قارئ منشغل بطبيعة النفس البشرية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى