الأربعاء ٢٨ نيسان (أبريل) ٢٠٢١

رحلة داخلية

علي سهيل علّان


كان عماد يسير على أطراف أصابعه، متوخيّاً عدم إحداث ضجة قد توقظ من حوله في الغرفة. اقترب ووضع كف يده على مسافة قريبة من أنف أمه، ليتحسس زفيرها فلفحت كفّه بأنفاسها، ثم كرّر العملية على أخته الصغيرة. كانت تلك العادة تلازمه منذ الصغر. ولمّا اطمأن إلى أنهما تتنفسان بشكل طبيعي حمل على كتفه حقيبته السوداء التي تحوي صورة تجمع أمه وأخته، وعلب سجائر، وبعض الطعام.

وطئ عتبة الباب الخارجي، وأتاح لزفرة عميقة أن تخرج من رئتيه. ألقى نظرة أخيرة على الدار التي سكنها طوال حياته: الباب الخارجي الخشبي الذي تآكل مع التقادم، وقبضته النحاسية الصدئة التي عبثت بها العوامل الجوية، فامّحى لونها، والجدران المتهالكة التي ما أن تنظر إليها حتى تشعر بأنها آيلة للانهيار متى هبّت ريح ولو كانت خفيفة. الأرجوحة التي طارت به يوماً ليلامس حدود السماء، وضحكات والديه وهما يدفعانه، وبكاء أخته الصغيرة كلما استشعرت اهتمام الأبوين به. "لماذا لا تحضرنا الذكريات العطرة إلا حين نقدم على الرحيل؟" تبادر له ذلك السؤال بإلحاح، لكنه كان قد حسم أمره.

ولكي يشحذ عزيمته على الرحيل، ويطرد ذلك التردد داخله، أخذ يستحضر المشهد الذي حذا به لترك كل شيء وراءه: يومها كان الأرق جليسه ولم يجد النوم سبيلاً إليه، فنهض يتأمل القرية وهو يستند بكوعيه إلى النافذة، وعندها رأى والده وهو يركب سيارة سوداء اللون سرعان ما انطلقت وغابت عن النظر. لم يساوره الشك حينها فقد اعتاد سهرات والده المتأخرة، وقضاءه للوقت خارج المنزل. لكن الأمر كان مختلفاً هذه المرة حيث غادر الأب زوجته وابنه البالغ من العمر خمسة عشر عاماً وابنته ذات التسعة أعوام دون رجعة، وانسحب يبحث عن حياة جديدة. مرت أعوام ثلاثة على ذلك اليوم المشؤوم، وقد حملت خلالها كل ضروب العذاب والمعاناة لشاب لم يكد يبصر نور الحياة حتى أطاحت ظلمتها به أرضاً، فقد ترك المدرسة ليعمل في مدجنة تبعد عن المنزل مسافة كبيرة مقابل دخل بخس لا يقيم أود الأسرة، أما الطامة الكبرى فقد كانت حالة المنزل نفسه حيث كان نواح الأم والأخت يثقل عليه عيشه، فما كان منه إلا أن لجأ للتدخين لستبدل بدخان السجائر المسموم دخان حياته الأسود. كان عماد يرزح تحت عبء ثقيل لم يترك له مجالاً إلا الهروب. "إذا كان أبي قد فعلها فما الذي يمنعني عن ذلك؟!".

استجدى دموعه، ففي النهاية هو يودّع جزءاً من ذاته في هذا البيت، لكن عينيه أبتا الخنوع، واحتفظتا بقنواتهما جافتين، واحتبستا الدمع رافضتين إطاعة رغبته. "ماذا عن قاطنتي المنزل؟ أليس في دخيلتك أي عاطفة اتجاههما؟ ما حسبتك قاسي القلب هكذا". كذلك حدّثته نفسه. لم يحرِ جواباً، ووقف في مكانه. كأنه أراد من إحداهما الخروج، وحثّه على البقاء. لكن أحداً لم يخرج، وبقي ذاك الباب الخشبي العتيق ينظر إليه متحدياً وكأنه يقول: وأنت كذلك لم تخرج راكضاً يوم غادركم والدكم!
هبّت ريح خفيفة حرّكت أوراق الأشجار، وأتاحت لبعضها السقوط طوعاً لملامسة الأرض الندية. تهادت وريقة على حذائه المتشقق، وغطّت انثناءة كانت تزعجه كلما سار وتحرك.

كان نظره مثبت على الباب، والريح تهدهد الأشجار، والصمت مطبق كأنه في مقبرة منسية. استدار، وخطا أول خطوة تبعده عن المكان، ودهس إحدى الحشرات التي كانت تتحرك في تلك اللحظة بالذات بالقرب منه. يا لحظها العاثر! لم يتنبه لأمر الحشرة، وصارت الخطوة خطوتين ثم ثلاثاً، وأمست المسافة التي تفصله عن الباب أبعد.

بقي يُرهف السمع، علّه يسمع صوت صرير الباب، وخروج إحداهما لاستبقائه، لكن ذلك لم يحدث. حثّ الخطى، وغذّى السير، وابتعد وأوغل في الابتعاد، حتى أضحى نقطة بعيدة لا يمكن رؤيتها من ذلك المنزل. أخرج سيجارة، وأشعلها بولاعة صغيرة ذات لون سمني، وسحب منها ما استطاع حتى ملأ رئتيه بدخانها، وأبقى عليه لمدة حتى خرج تلقائياً من أنفه. لم يشعر بمذاقها، فرمى السيجارة، وسحقها بحذائه المتشقق.
كانت الوريقة ما تزال تفترش حذاءه، وقد تنبّه لوجودها. لم يشأ إبقاءها، فحرك ساقه حتى طارت الوريقة، واستقرت في مكان ما. أكمل المسير وفي دخيلته رغبة ملّحة للنظر إلى الوراء، لكنه رفض ذلك، ونظر شزراً أمامه كأنه يجبر نفسه، ويحثّها على الانصياع التام لعكس تلك الرغبة.

بدا مصرّاً على النظر للأمام مع أن رؤيته قد تضببت، وأمسى لا يرى الكثير أمامه، وقد شعر ببعض الدموع ترطّب خدّيه بفعل الهواء البارد، الذي أتاح للقنوات الدمعية أن تدر بعض ما في جعبتها كردّ فعل طبيعي، فلم ترَ عينيه بدّاً من ذلك حيث لم يجرح ذلك كبرياءها بما أنه رد فعل لا إرادي. كان مفهوم الزمن يتلاشى مع كل خطوة جديدة يخطوها، وأصاب ذاكرته نوع من التوقف الذاتي استشعره حين حاول استحضار بعض المشاهد من ذلك المنزل، ولمّا تخلّت عنه الذاكرة أفسح المجال لخياله حتى يسانده على رسم صورة – أي صورة – عن المنزل. رآه حالك الظلام من الداخل إلا في بقعة تسلل منها شيء يشبه ضوء القمر. سلّط تركيزه على مكان انعكاس الضوء، وحاول جاهداً أن يقدح زناد عصبوناته محفزاً إياها على الوصول بسرعة إلى مركز المعالجة في دماغه، فأبصر وجه أمه. ولأنه استنفذ الكثير من طاقته، وهو يُعمل خياله، ويشحذ عصبوناته، أصابه دوار جعله يستند إلى جذع شجرة صفصاف كبيرة إلى جانبه، ثم انزلق على طول الجذع حتى اقتعد قاعدته، وأراح رأسه إلى الجذع. بقي مغمض العينين، ووجد صعوبة في التنفس بطبيعية. سأل نفسه على حين غرة، وكأن الطاقة التي احتاجها للسؤال انبثقت من خارجه: "هل غادرتَهم حقاً؟" نأى تفكيره المضاد، ومنطق الجدال داخله بنفسهما عن الإجابة، وذلك مفهوم لأنه هو نفسه لم يكن يدرك الزمان والمكان حق الإدراك في تلك اللحظة، مما أفضى إلى ضبابية في عملية التفكير والجدال نفسها. كرّر السؤال بصوت مسموع وكأنه طائر لُقّن الكلام: "هل غادرتُهم حقاً؟". لم يكد يسمع صوته فقد كان يشبه فحيح أفعى قد تاهت في غابة أفاعٍ أجنبية، ووجدت نفسها مضطرة للفحيح بلغة غير مفهومة. أعاد السؤال محاولاً الصراخ هذه المرة لكن صوته لم يطاوعه، وتخلّت عنه حباله الصوتية، وخانته حنجرته.

حاول النهوض، واستعادة توازنه لإكمال المسير. بتثاقل نهض عن قاعدة الجذع، وقد أصاب عجيزته خدرٌ خفيف، وتسلل إلى ساقيه ألم كان ليستلذ به لو كان عدّاء مسافات قصيرة. نظر من حوله محاولاً معرفة مكانه، وأين عليه أن يتجه. كان الظلام يغلّف المكان، وأصوات الزيز، ونعيب البوم تحوّط الأثير بأنغام متداخلة لا متناغمة. أمسك رأسه بيديه، وفرك صدغيه بإبهاميه، وهو يطرق للأسفل، ثم رفع رأسه، وأجرى مسحاً للمكان بأقل رصيد متوافر من الطاقة لديه. رأى الباب الخارجي الخشبي الذي صمد رغم عوامل الجو عبر الزمن، وقبضته النحاسية اللامعة، والجدران التي ما أن نظر إليها حتى شعر بأنها راسخة في هذا المكان منذ تشكل الكون. اقترب خطوة من الباب، وتعثر بحجر صغير أمامه، لكنه حافظ على توازنه مما جنّبه السقوط. هبت رياح خفيفة حرّكت أوراق الأشجار، وأتاحت لبعضها السقوط طوعاً لملامسة الأرض الندية. تهادت وريقة على حذائه المتشقق، وغطّت انثناءة كانت تزعجه كلما سار وتحرك. تنبّه لوجود الوريقة فأبقى عليها وأكمل المشي حتى أصبح يفصل بينه وبين الباب بضعة أمتار. أدار القبضة النحاسية، ودلف إلى الداخل. كانت أصوات أنفاسهما الخفيفة تنبعث في المكان كحفيف الأشجار. تقدّم خطوتين، وعلّق حقيبته السوداء على مشجب بقرب الباب، ثم اقترب ووضع كف يده على مسافة قريبة من أنف أمه، ليتحسس زفيرها فلفحت كفّه بأنفاسها، ثم كرّر العملية على أخته الصغيرة. ولمّا اطمأن إلى أنهما تتنفسان بشكل طبيعي أراح خده إلى وسادته الخشنة، وقال في نفسه: لست أبي. ما أنا بأبي!

علي سهيل علّان

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى