الثلاثاء ٢ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠

زمانُ الطيبين: طُرفةُ صَديقتي الخَالة

علي الجنابي


طاعةً لأمرِ السَّماءِ بِصِلةِ الرَّحِمِ..

زُرتُ َخالتي ذاتَ أشراقةٍ في المُبتَسَمِ, وأنشراحةٍ في الصدرِ تٌزيّنُها, والَوجهِ بِبَشاشةٍ مُرتَسَم. وجهُها مُزَخرَفٌ واليَدانِ بِفَيرُوز مِن وَشَمِ. نَديَّةٌ هي, ذات عُقودٍ ثَمانيةٍ, لا تَعرِفُ الكبائِرَ إلا حظَّاً من لَمَمِ. ذات نَكهةِ ريفٍ حَنونٍ أَصيلٍ أشمّ. نِصفُ قرنٍ لها في بغدادَ, دارِ العِزّةِ والكَرمِ, ومَا فارقَتْها نَكهتُها وهي صِبغتُها وهي الأصلُ عِندَها والمُعتَصَم. ولقد أقسَمَتْ أنَّ صِبغاً ما وَطِىء إظفرَها واُذُنَها كانَت في صِراعٍ مع النَغمِ. إن ٱسْتَدْلَلتَ عن دارِ صَديقتي الخَالة، قَالوا: آوه!

سَنَدُلُّكَ, أَوَ تَقصِدُ بَيتَ المَحجُوبةِ المُحتَشِمِ؟

رَصِيدُ خَالَتِي (طُرفةٌ) يتيمةُ, سَمِعتُها مِنها عَدَدَ ما على الأرضِ نَجَم. طُرفةٌ تَجاوزَ ثُقلُها كُلَّ ما في سِجلّاتِ (غينيس) مِن رَقَم, عَتيقةٌ أقدمُ من فِرعونَ ومِن كُلِّ تأريخٍ وقِدم. مَا فَتِأت تَقصِفُني بها كلَّما زُرتُها طَلباً للأجرِ وَمزيدٍ من النِعَمِ.

قَذَفَتني بها البارحةَ غَفرَ اللّهُ لِكلينا وأعاذَني من شِرذماتِ الهَرَمِ. تَقصِفُني هي فَتُقَهقِهُ وَحدها بِقهقةٍ مُتَسارعةٍ كَأنَّها تَقذِفُ الحِمَم, فَلا ينفعُ مَعَها لَجَمٌ, ولا تَجاهِلٌ أو تَخاصُمٌ ولا قَسَم, أو حتى إن رَماها جَليسُها بوابلٍ من الشَّتمِ, فَضِحكتُها أمواجٌ لا تَهدأُ إلّا بعدَ هَزيمةِ خافِقِها وإفرَاغِهِ من الزَّخَم !

خالتي لا ذنبَ لها فَأثمُ جَليسِها أنَّهُ تَجَرَأ ولأَهوَالِ طُرفتِها إقتَحَم.

أنا أصَغرُها بِثلاثةِ عُقودٍ ومُغرَمٌ أنا بطُرفتِها الفريدةِ المريدة وبِظُلمِها والسَّأم.

سِرُّ غَرامي كامِنٌ في لَذَّتِها بِسردٍ مُمِل لِطُرفتِها مُدَمدَمٍ مُشَرذَم, في قَهقَهاتٍ مُذَبذَبة, ودُموعٍ مُنسَكبة, وأكتافٍ لها مُكَبكَبة تَرقُصُ معها خاصرتُها والشَّحَم!

إنَّها لا تُبالي بِمَن أحاطَها, أضَحِكوا أم اُصيبوا بِقَهرٍ أو حتى بِسَقَم!

أنا مُحَدِّقٌ بِبَصري نَحوَها و نَاظرٌ بوَجهٍ عَبوسٍ غَاضبٍ وسَأم:

أوَ يُعقَلُ هذا خَالتاه!

ثم..

أرَانيَ أنجَرِفُ ضَاحكاً مع شَلالِ قَهقَهاتِها, وتَائِهاً ما بينَ عَجَبٍ و نَدَمٍ. ولأختِمَ جولتي بمَلامةٍ على زيارتي لها وبِتَوبِيخٍ وشَتَم.

صَديقتي الخالة جذورُها من هُناك..

من زَمانِ الطِّيبِ و النَّقاهةِ وأطيافِ الشَّجَن.

زَمانِ البَسمَلةِ والحَوقَلةِ والتَّوَكلِ والسَّكَن.

زمانِ العِزَّةِ لِلرُوحِ وجَبيِنِها والشَّاربِ واللَّحىً.

زمانِ العُنفوانِ رَغمَ كلِّ قَحطٍ وحَزَن.

زمانٍ يَعشَقُ الضّادَ ويَمقُتُ كلَّ حَرفٍ بِلَحَن , يَبغُضُ كلَّ رذيلةٍ وتقليدٍ للغير ساذجٍ حتى بِصُندوقِ الكَفَن, ويَقشَّعِرُ بَدنُهُ مِن ريحِ الغِلَّ والحَسَدَ واللَّعَنَ.

ذاكَ زمانٌ ما عَرَفَ (حَاسوباً) ولو عَلِمَهُ لمَا تَغيّرَ ولأزدادَ تَشَبُثاً بصَحرائِهِ وبِعِطرٍ الوَطَن !
أعلمُ ألّا رَغبَةَ لكم لِسماعِ طُرفَتِها؟ نعم..

لكنّي سَأتلُوها, إنتِقاماً ووَفاءً لتَهدِيدي بِفَضحِها في الصُّحفِ فَصَابِروا لِثُقلِها، وتَفَضَّلوا فٱسمَعُوها:

(طَلبَ الجَابي - مُحَصِلُ أجور حافلةِ نقلٍ - الأجرةَ مِن عَجوزٍ تَجلِسُ في طَستٍ لها دَاخلَ الحافلةِ ؟ رَمَقَتْهُ العَجوز بنَظرةِ عَجبٍ ورَدَّتْ : ليُسامِحُكَ اللهُ بُنَيّ ! أفي طَستي قاعِدةُ أنا أم في حَافِلَتِك!).

لا قَهقَهةَ رجاءً, كي آخذَ بثأري مِن صَديقتي الخالة.

علي الجنابي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى