الأحد ٧ شباط (فبراير) ٢٠٢١
بقلم محمد زكريا توفيق

زواج المسيار وقصة مدام بترفلاي

مدام بترفلاي، هو اسم أوبرا من ثلاثة فصول للموسيقار الإيطالي جياكومو بوتشيني. عن قصة قصيرة بنفس الاسم، للأديب جون لوثر لونج عام 1898. مستوحاة من علاقة رومانسية حقيقية بين ضابط بالبحرية الأمريكية وفتاة يابانية شابة.

بعد فشل العرض الأول للأوبرا في فبراير عام 1904، أعاد بوتشيني انتاجها من ثلاثة فصول. وعند عرضها في مايو من نفس العام، لاقت استجابة نقدية ونجاح كبيرين.

أخذ بوتشيني يعدل في ألحان ومشاهد الأوبرا. النسخة الخامسة هي التي نشاهدها اليوم في دور الأوبرا في جميع أنحاء العالم.

في عام 1904، استأجر ضابط بحري أمريكي، بينكرتون، منزلاً على تلة تطل على مدينة ناجازاكي. لكي يقيم فيه هو وخطيبته اليابانية. وهي فتاة صغيرة تبلغ من العمر 15 عاما، اسمها بترفلاي ويعني بالإنجليزية "فراشة".

قوانين الزواج اليابانية في ذلك الوقت، كانت قوانين متراخية وغير ملزمة. الضابط بينكرتون لم يكن جادا في زواجه، وإنما كان يعتبره زواجا مؤقتا إلى حين عودته للولايات المتحدة والزواج من أمريكية. يعني زواجه من اليابانية كان زواج تسلية وشيء كده زي زواج المسيار في بلادنا.

أثناء مراسيم الزواج، يتبين أن بترفلاي كانت هي الأكثر جدية والأصدق إحساسا من بينكرتون في هذه العلاقة. فهي التي تركت ديانة أجدادها، وتحولت إلى المسيحية، ديانة زوجها.

ثم يصل عمها، وهو كاهن بوذي، ليصب اللعنات عليها وعلى هذا الزواج. كما أن باقي الضيوف وأفراد عائلتها يتبرأون منها ويغادرون المكان ساخطين. لكن بينكرتون، يطمئنها ويعدها بأنه لن يتخلى عنها مهما كانت الظروف.

بعد أن قضى بينكرتون من بترفلاي وطرا، وتمتع بجسدها فترة، تركها غير آسف وعاد لبلاده عودة نهائية. مضت ثلاث سنوات والخادمة، سوزوكي، تحاول إقناعها بأنه قد ذهب ولن يعد. لكن بترفلاي لا تريد أن تصدق، فهي مقتنعة تماما أنه سوف يعود. لقد وعدها بذلك وهي تصدقه وتثق بوعده.

ثم يأتي القنصل الأمريكي، شاربليس، لرؤية بترفلاي. يقوم بقراءة رسالة لها، مرسلة من بينكرتون زوجها. يقول فيها إنه سيأتي إلى اليابان، لكنه يعتبر زواجه منها، كان غلطة ونزوة عابرة. هو الآن في حل من هذا الرباط، ويعتبره كأن لم يكن.

كانت بترفلاي منفعلة جدا، سعيدة ومتحمسة، عند سماعها بعودة زوجها، لدرجة أنها لم تدع القنصل ينهي قراءة الرسالة كاملة، وظلت تعيش في وهم أن حبيبها بينكرتون قد عاد إليها أخيرا.

هنا تخبر بترفلاي القنصل الأمريكي أن لها ابن من بينكرتون، لكنه لا يعرف ذلك.

في صباح اليوم التالي، وقبل أن تستيقظ بترفلاي من نومها، يصل بينكرتون والقنصل وزوجته الأمريكية الجديدة، كيت. لقد وافقت كيت على أخذ ابن بترفلاي إلى أمريكا وتربيته كابن لها.

لم يستطع بينكرتون اخبار بترفلاي بهذه الأخبار السيئة. وترك الأمر للقنصل وزوجته الأمريكية كيت. عندما استيقظت بترفلاي، علمت بما يخبئه لها القدر، وأنها لم تفقد فقط زوجها وحبيبها، ولكن ستفقد أيضا ابنها وهو كل ما يربطها به.

وافقت بترفلاي على تسليم طفلها إلى كيت، الزوجة الجديدة لبينكرتون. لكن بشرط. أن يأتي بنفسه لكي تودعه هي.

ثم تقوم بترفلاي بربط عصابة على عيني ابنها وهي تودعه. حتى لا يراها وهي تقتل نفسها. لقد تم تدمير بترفلاي بالكامل بفقدها بينكرتون وابنها. انتحرت بخنجر والدها. عندما اندفع بينكرتون إلى الغرفة لإنقاذها، أدرك بعد فوات الأوان أن بترفلاي قد ماتت.

ملاحظات على قصة مدام بترفلاي:

الضابط الأمريكي بينكرتون، لا يلتزم بالقوانين أو الأخلاق أو أي شيء آخر خارج بلده. فهو متغطرس حتى النخاع. يتخلى بدون أدنى اعتبار عن بترفلاي، الفتاة الصغيرة، عديمة الخبرة بالحياة، والتي تحبه بإخلاص حبا جما. لذلك يمكننا القول بأن الموضوع الرئيسي لقصة أوبرا مدام بترفلاي هو "الخداع".

لأننا نشاهد الضابط الأمريكي بينكرتون وهو يقطع العديد من الوعود الكاذبة على نفسه لزوجته اليابانية، بترفلاي، لكنه لا يفي بأي منها.

إلا أن الأوبرا، على مستوى أعم وأشمل، كل شخصيات أبطالها تساهم بقدر ما في هذا الخداع. الكاهن الياباني الذي سهل عملية التعارف، والذي قام بدور يشبه دور كمال الشناوي في فيلم لحم رخيص.

بيركتون، يتزوجها، لا لكي يقيم أسرة، ولكن كوسيلة لإشباع شبقه الجنسي في غربته. فهو يبحث عن زواج مسيار، لا زواج استقرار. مثل أثرياء العرب في البلاد العربية الفقيرة.

القنصل الأمريكي الذي أخفى عن بترفلاي حقيقة ما في الخطاب. كما أن بترفلاي نفسها قد ساهمت من حيث لا تدري في الخديعة الكبرى بتصديقها وثقتها في زوجها رغم كل الشواهد التي تدل على عكس ذلك.

بترفلاي، فتاة يابانية صغيرة، تبلغ من العمر 15 ربيعا. بريئة تمامًا من مسؤوليات الزواج وتبعاته. تتزوج ضابطا أمريكيا، ليس من دينها أو عاداتها، وتتصور أنها أسعد فتاة في هذا العالم.

إيمانها الساذج بزوجها واستعدادها لـلأمركة يقودانها إلى مأساتها. هي زوجة ساذجة ومخلصة حتى النهاية. بالرغم من أن كل الدلائل تقول إنها قد خدعت وغرر بها. حتى اسمها، بترفلاي، ويعني فراشة، يشير إلى رقتها وهشاشتها.

تبين الأوبرا أن الثقافة اليابانية، تختلف عن الأمريكية. هذا شرق وذاك غرب. عائلة بترفلاي تتبرأ منها، لأنها بزواجها من أمريكي، أقد أساءت إلى آلهة أجدادها، وفعلت شيئا مخلا بالشرف.

لكن بترفلاي تعتبر زواجها مناسب وشريف. وتعتقد أن حياتها الجديدة الأمريكية، هو التطور الثقافي والديني الطبيعي، والطريق الوحيد الذي عليها أن تسلكه. كما أنها تنتظر بصبر وإخلاص زوجها، ولن تفعل إلا ما هو شريف وعفيف. مع نفاد المال وضيق خياراتها، رفضت الزواج مرة أخرى وتوفير الحياة المناسبة لتربية ابنها.

في نهاية الأوبرا، تعترف بترفلاي بخطئها، وتدرك أن الطريقة الوحيدة للحفاظ على شرفها هي الانتحار. تقرأ النقش على خنجر والدها الذي كتبت عليه العبارة الآتية: “دعه يموت بشرف من لا يستطيع العيش بشرف".

بعد أن عجزت عن الحياة بشرف، وبعد أن تخلى عنها أهلها، وحرمت من حبيبها وابنها، وأصبحت فقيرة لا تستطيع إعالة نفسها، لم يعد أمامها إلا أن تعمل في البغاء كفتاة جيشا، أو تموت بشرف. فمن لا يستطيع أن يحيا بشرف، عليه أن يموت بشرف.

الأوبرا من الروائع النادر وجودها، قصة وموسيقى وألحان وغناء، وأنا أهديها لقرائي الأعزاء.

أحلام الشتاء، الموسيقى من أوبرا مدام بترفلاي لبوتشيني

https://www.youtube.com/watch?v=UWCnv3vE5N8

أغنية لمارية كالاس من أوبرا مدام بترفلاي لبوتشيني

https://www.youtube.com/watch?v=AR0SlCTj1Bo

الأوبرا كاملة مع ترجمة بالإنجليزية:

https://www.youtube.com/watch?v=3stgof-xyN0


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى