الأحد ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١
بقلم عادل سالم

سأتابع العرض، فالصور جميلة، والحكايا مدهشة

ما أصعب الموت عندما يأخذ عنوة منك بعض من تحب، ولهم في ذاكرتك بعض الصور الجميلة التي ما زالت تحتفظ بألوانها كأنها التقطت قبل قليل.
كلما مات عزيز علي، صديق، أو قريب عشت معه فترة من الزمن خصوصا مرحلة الطفولة يبدأ فلم الذكريات بالظهور على شاشة الذاكرة دون أن أستطيع وقفه، أو الخروج من قاعة العرض. وكيف سأغادر والفلم مثير، والصور جميلة، والحكايا مدهشة؟
كيف يمكنني وقف العرض، وكل مشهد يحمل حكاية أتمنى لو تعود الأيام لأكملها من جديد ليصبح كل مشهد رواية مستقلة.

المشاهد تتزاحم على الشاشة كأنها أغنية جميلة تغنيها كل صباح.
موت عمتي الكبرى أعادني لستينيات القرن العشرين، فقد ولدت في بيت جدي في حي القرمي، الذي بيعد أمتارا عن بيت يروي المؤرخون أنه كان بيت القائد صلاح الدين الأيوبي.
وبعد أن انتقل والدي لبيت قريب كنت كثير التردد على بيت جدي من والدي، حتى أنني كنت كثيرا ما أنام عندهم فنشأت علاقة عائلية قوية بيني وبين عمي الأصغر عبد العظيم (المهندس، ورجل الأعمال حاليا، أطال الله في عمره). وعماتي لأن فارق الأعمار بيننا لم يكن كبيرا، (فأنا أكبر أبناء الإخوة من الذكور).

هناك في البلدة القديمة في القدس كنت أحمل الكانون أيام الشتاء الباردة لأحضر من الأفران القريبة من البيت، وما أكثرها في ذلك الزمن، فحما مشتعلا لجدتي، لتضع الكانون وسط البيت فنجلس جميعا حوله ندفئ من فحمه أجسادنا التي تسلل إليها البرد، وكانت جدتي تستغل الوقت فتجهز الشاي على الفحم، فنشربه معا، ونحن نتسامر، ونضحك على حكايا جدتي، وجدي، وكم ضحكنا.
وعندما كنا نتشاجر أنا وعمي عبد العظيم، يحاول أن يضربني فأهرب منه باتجاه جدي عبد الرحمان رحمه الله، فيتصدى له جدي، ويخلع الحزام من حول قمبازه الذي اشتهر به حتى وفاته، ويلحقه مهددا بالويل، والثبور إن اقترب مني.

كنا ننام في الشتاء في غرفة واحدة بسبب البرد، وكان بيت جدي سطحه من القرميد الذي يتسرب منه الماء في الشتاء (يدلف)، وعندما ينهمر المطر تتساقط نقط الماء داخل البيت فتضع جدتي سطلا تحت المكان الذي تتساقط منه نقط الماء، وعندما ننام في الليل يصمت الجميع، إلا نقط الماء التي كانت تشبه فرقة موسيقية كل فرد فيها يعزف لحنا مختلفا، رغم ذلك كنا نطرب على صوت نقط الماء المتساقطة، كأنه نغم اختصتنا به السماء وحدنا، فننام حالمين بالغد الأجمل.
في البلدة القديمة من القدس، وبالقرب من السور من جهة باب القلعة قرب حي الأرمن كان هناك شركة بلاستيك يملكها مقدسي من عائلة عابدين، وكان اسم الشركة، شركة عابدين للبلاستيك، كان ضمن منتوجاته المسابح البلاستيكية، فقد كانت تلك الشركة تتعاقد مع ربات البيوت على عملها بعد أن تقدم لهم الخرز، والخيوط، وكافة مكونات المسبحة، وكانت جدتي واحدة منهن، لذلك كنا جميعا نشارك في البيت في عمل المسابح، وطبعا نستغل الفرصة للعب بالخرز خصوصا بالليل، فقد كان حبات الخرز تضيء تحت اللحاف فنشعر بمتعة لن يشعر بها أحد من جيل الألعاب الإلكترونية الحديثة. هذا المصنع خلال حرب ١٩٦٧ قصفته طائرات العدو فدمرته. وضاعت المسابح التي شاركنا بصنعها، لكنها لحسن الحظ بقيت بالذاكرة محفورة على لوحة المستقبل.
الفلم جميل، والمشاهد التالية أكثر إثارة لكنني لن أشغلكم بها، سأعيد حضور الفلم من جديد وحدي، على شاشة أعرض بعد أن أجهز كأسا من الشاي، والبوشار. أترككم على بركة الله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى