الأربعاء ١٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٢
بقلم جورج سلوم

سوبرمان العربي

كان لدينا عنترة والزير وابن ذي يزن يرطّبون ليالينا في بلاط الحكواتي، ويداعبون خيالنا المتجفّف، وكانوا يُعيدون إلينا ماء الوجه، إزاء القهر والقنوط والنكسات المتتالية والهزائم المنكرة، فنقوّم شاربَنا المتدلّي ونرطّب نهايته بلعابنا ليشرئبّ كمنقار الباشق، فنعود رجالاً على نسائنا فقط، ونعِدُ أطفالَنا المُحبَطين بأنّ أمّتنا الولّادة لن تبخل علينا ببطلٍ ملحميّ جديد، يعيد لنا ماضينا المجيد، وعزّنا التليد، لأنّ منّا الوليد ومنّا الرشيد، فلِمْ لا نسود ولِمْ لا نُشيد؟

وقبل أبطال الملاحم أولئك، الميامين، كنّا وما زلنا، نحن، الموعودون بالجنة مهما قسَت علينا الدنيا بترائب أذيالها الشئزة.

نحنُ، وما نحن، وإن تنَحْنَحْنا، وويلكم إن تنحنحنا، نحن المتنحّون عن الدنيا الفانية، الزاهدون بمتاعها الزائل، والمكتنزون بكنوز الآخرة.

فالأمل إذن موجود، ومعقود، بناصية الخيل، وانقشاع الغيمة وارد، وبريق الضوء يتسلل إلينا غصباً من آخر النفق.
نحن الجيل الذي شبّ على سوبرمان الرجل الخارق، وغيره من أبطال مجلات الرسوم المتحركة كالوطواط والرجل العنكبوت، وكانوا يُشبِعون غرائزنا بإحقاق الحق، فوراً، وإنصاف المظلوم فوراً، وحتى قبل اللجوء للقضاء البطيء.

وسوبرمان كان يرى كل شيء ببصره النافذ من الجدران، ويتدخّل فوراً ليمنع القتل إذ يوقف الطلقات بيده قبل أن تصل لأجساد الضحايا، ويعيد الفتاة الجميلة التي خطفها الغول القبيح، وينقذ الطائرات النفّاثة قبل أن تهوي في غياهب المحيط، ويأخذ القنبلة الإرهابية ليفجّرها في الفضاء البعيد قبل أن تفعل فعلتها وانطفأت الآن الرسوم المتحركة كمجلات ورقيّة، وصارت أفلاماً سينمائية، وما زال هؤلاء الخوارق يضاجعون أحلامنا ويزيّنونها وينصفون المظاليم.

وبقي سوبرمان وأشباهه من الخوارق حكراً على الغرب، يتنقّلون بين ناطحات السحاب ويتكلّمون الإنكليزية فقط، وينصفون مظاليمهم، هم فقط، ويسندون العمارات الآيلة للانهيار قبل تفتك بسكانها.

كانت وصمة في تاريخ سوبرمان إذ لم يتدخّل عند انهيار برج التجارة العالمي، لا أدري لماذا، مع أن الحادثة حصلت في مدينته! كان بإمكانه إيقاف الطائرة التي سترتطم بالبرج العملاق، لا أدري لماذا لم يتدخّل ساعتَها في الحادي عشر من أيلول!

نحن العرب بحاجة إلى سوبرمان عربي، لا داع للباسه الأحمر والأزرق، سنلبسه من لباسنا، وكم سنشعر بالفخر عندما يطير في أجوائنا كالسهم معتمراً عمامته وجلبابه لدينا الكثير الكثير من المظالم التي ستجعلكَ تتدخّل فوراً، وا سوبرمان العربي!

أعرف أنك بالأساس من كوكب آخر ولذا لا تشعر بالانتماء لأي وطن، قضيّتك إنقاذ الإنسان، ولذا يجب أن يكون لنا فيك نصيب.

وهكذا كان، وحلّق سوبرمان العربي في أجوائنا المدلهمّة وفوجئ رجال شرطتنا بأنّ هناك من يوقف الجريمة قبل أن تقع، ويلتقط المجرمين وهم يخطّطون لجرائمهم، ويطفئ الحرائق المستحيلة بأنفاسه الثلجية، ويعمل هكذا بلا مقابل، ولا يريد شكراً من أحد.

وقال لي ابني اليافع، آه لو ينضم سوبرمان لفريق كرة القدم القوميّ، عندها سنأخذ كأس العالم ببساطة، فمن سيقف في وجه سوبرمان الخارق؟

وفي قصص سوبرمان الغربية كانت الشرطة تحاول تجنيده ليكون في عداد عناصرها المأتمرين بأمرها، وكان يرفض، لأنه يرى ما لا يراه غيره.

وتعرّض سوبرمان العربي لنفس المشكلة عندما حاولوا تجنيده ليأتمر بأمرهم، وكان سوبرمان يتوقّع ذلك ورفضَ طبعاً، لأنه يريد أن يكون حرّاً.

ما لم يتوقّعه سوبرمان العربيّ أنهم طلبوا إليه أن يتفرّغ لحماية أحد الرجالات، فيكون واحداً من مرافقيه، لأن أمن هؤلاء الرجالات هو أمن الأمة بأكملها.

وحاولوا إغراءه بأشياء هو أصلاً لا يفكّر بها، لأنه ليس بشريّاً، وضحك منهم، فالرجل لا يفكّر بالنساء ولا بالمال ولا بامتلاك أرض يبني عليها مزرعة وقصر.

عندها خلع سوبرمان نسخته العربية، وصارت مجلّاته المرسومة ممنوعة، وانقطعت أخباره.وسكتت شهرزاد عن الكلام المُباح قبل أن يصيح الديك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى