الخميس ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٢
الروائي العراقي المقيم في لندن د. فاتح عبد السلام:

ما زلنا نستورد أزياء الغرب الأدبية!

آجرى الحوار: أحمد منير الاسكندراني

د. فاتح عبد السلام .. دكتوراه في الأدب .. وكاتب روائي وقصصي .. وصحفي وناقد وباحث عراقي يعيش في لندن. وصدرت له 8 كتب في هذه المجالات من بينها، "آخر الليل..أول النهار" مجموعة قصصية ..و "الشيخ نيوتن" .. و "حي لذكريات الطيور" ورواية "عندما ظهر الحوت".. و "اكتشاف زقورة" .. وهو يحاول استخدام تقنيات جديدة في البناء والشكل.. ويدخل الكمبيوتر كراو .. وأيضاً الإنترنت.. ويقول أن علينا أن نبحث. كعرب. عن صوتنا الخاص في الأدب.

بدأت رساماً .. فشاعراً.. لكن الرواية هي المجال الذي أشعر أنني "موجود" من خلاله.

نسأله عن بداياته؟
 بدأت في نهاية السبعينيات أنشر أعمالي وصدرت لي أعمال في كتب مع بداية الثمانينات. ولأن ظروف النشر العربية ليست متيسرة فقد نشرت أول مجموعة قصصية لي بعنوان "أول الليل .. آخر النهار" قبل ما يقرب من 20 سنة وسبق أن نشرت في صحف عراقية وبيروتية وتونسية.

ما هي البواعث التي دفعتك الى كتابة القصة..؟
 عشت تجربة حرب متكاملة .. 67 لم أعشها لأني كنت صغيراً.. وعشت فكرياً في المرحلة اللاحقة.. ولكن في الحرب مع إيران في الثمانينات تحول التكوين العام للمجتمع الى مجتمع حرب.. وبعد أن توغلت الحرب في داخلي وتوغلت أنا فيها.. وجدت نفسي في بداية صدمة جديدة .. وبعد ذلك وجدت أن الكتابة عن الحرب يجب أن تكون شيئاً آخر.. وجدت أننا لم نكسر قشرة الحرب وندخل أعماق الإنسان .. ففي سنة 1985 نشرت مجموعة قصصية على نطاق محدود في العراق.. بطريقة غير رسمية. كانت بعنوان "الشيخ نيوتن" .. وكانت هناك قصة بعنوان "البيان الختامي للحرب" .. وأخرى "حرب وسلام".. توجز عمق مأساة الحرب.. وقصة أخرى وتتحدث عن ضحيتين..

هذه مسائل لم يكن متاحاً نشرها.. وعمقت هذه الحالة من خلال مجموعة "حليب الثيران" بطريقة أن هذه الحرب تحتوي على لحظات ضعف ولحظات انتصار ولحظات انكسار.. وهناك كلام صنع الحرب..

في هذه المجموعة كانت هناك التقاطات لجوانب انسانية. أما في مشروع الرواية فقد وجدت نفسي أمام حالة من "السرد الجديد" .. تنتمي الى الرواية ضمن الكيان العام، لكنني لو وجدت ناقداً سماها قصيدة نثرية .. لا أثور عليه، وأتقبل هذا المصطلح منه.. ولو سماها "عملاً شعرياً نثرياً مسرحياً أتقبل منه ذلك أيضاً لأنني لم أقصد أن أكتسب من خلال النوع، ولكن من خلال الحالة.. والبناء الفكري، من خلال الحدث الذي عشته وتحول الى حالة إفراز جديد في المجتمع.. وأطلقت عني هذا العمل "اكتشاف زقورة" ولم استطع أن احدد نفسي فيه من خلال تكوين بنائي معين وقلت أن الحرب أفرزت سردها، التكوين السردي، أفرزت بناء فنياً جديداً للسرد. قد تدخل فيه الوحدات الثلاث.. (بداية – وسط – نهاية) وقد تدخل فيه العناصر الكلاسيكية، ولكن قد تتشظى كما شظتها الحرب الى أجزاء فكرية وإنسانية وفعلية .. عندما يتشظى جسد الجندي بقذيفة وعندما تأتي الجثة الى أهله.. يأتون بجزء الجثة.. ويبقى الجزء الآخر مشظى، إذن كيف أكتب عن هذه الحالة بطريقة الحكاية التي لها بداية ولها نهاية؟!

كل حكاية تبدأ.. لا تنتهي، ليست هناك نهاية للحكايات!
اعتدنا في السرد العربي التقليدي أنه دائماً هناك نهاية للحكاية.. والقصص التي جاء بها زمن الحرب قصص فيها بدايات ولكن ليست لها نهايات.. عندما نأتي الىنهاية نجد أننا أمام بداية جديدة.. لأن هناك أرملة قد تلقت هذه الجثة وبالتالي تبدأ معها قصة جديدة.. تكوين سردي جديد.

النهايات تغلق الزمن

حاولت تعمداً أحياناً.. أو عن لا وعي، أن أقطع في النهايات وألا أجعل لكل شيء نهاية.. لأن النهايات دائماً ما تغلق الزمن.. وأردت أن يكون الزمن مفتوحاً.. وأن يكون السرد شاهداً على زمن سيأتي وستتكرر فيه وقائع كهذه ولكننا يجب ألا نخضع الأحداث لنهائية سياسية.. فكرية.. أو فنية.

نشرت أول رواية في عام 1987 بعنوان "حي لذكريات الطيور" وخضعت لقطع ورقابة وضاع عليّ الأصل ونشرت بطريقة مجتزأة. أما رواية "عندما يسخن ظهر الحوت" ففيها تحديث للشكل وللموضوع. هنا أدخلت "الباراسيكولوجي" (ما وراء النفسي).. في الرواية ومع أن هناك متخصصين في الخيال العلمي في هذه الرواية.. ولكني لم أكتب رواية خيال علمي.. إذ أنه كان جزءاً من "الثيمة" .. ضمن صراعنا مع .. الآخر.

هي جزء من هذا الصراع الشديد.. هناك شخصيات شرقية وغربية، هناك ما هو روحي وما هو مادي.. هناك ما هو شرقي.. وما هو غربي..

لقد عايشت تكوين الممالك العربية القديمة، فقد نشأت في منطقة "نينوي" القديمة التي قامت فيها الدولة الآشورية الأولى والتي خاضت صراعاً مع الدولة البابلية في مرحلة لاحقة.

فكرة الرواية ولدت في مغارة

وفي لحظة من اللحظات كنت أدخل مغارات في سور قديم أكبر من سور الصين في زمانه. وكنت أسمع قصصاً من العجائز عن الجني.. وكنت أمارس رياضة المشي، وتحت زخة من المطر وجدت نفسي أمام بركة مياه.. وعدت الى بيتي بصعوبة وولدت لدي فكرة كتابة هذه الرواية، أحسست أنني جزء من هذه المملكة وحاولت أن أدخل الغرائبي مع الواقعي.. كتبت عن مسائل غريبة لم ألاحظ أنها غريبة.. وقال لي بعض النقاد أن في الرواية أجواءاً غرائبية تشابه غرائبية رواية أمريكا اللاتينية، ولكني لم أعر هذا الكلام اهتماماً لأن ما كتبته في هذه التجربة عشته.

وفي هذه التجربة من قال أنه ليس فيها شخصية.. ولكن كل الشخصيات شخصية واحدة وهناك بوتفة صهرت كل هذه الأمور..

وهذا ما شغلني.. ووجدت أننا يجب أن نجترح طريقتنا الخاصة في التعامل مع الموروث.

نعود لسؤال البدايات؟
 في البداية .. بدأت رساماً.. في طفولتي كنت أشترك في معارض المدارس. ولكن في المرحلة المتوسطة وجدت أن الخطوط لم تعد تعبر عما أريد أن أقوله، فدخلت في عالم الكلمة من خلال قصائد شعرية نثرية.. لم أسع الى نشرها وفي تلك المرحلة بدأت أكتب القصة ووجدت أنني أكتب بطريقة مختلفة عن أقراني وزملائي في السكن والدراسة.

كيف ترى الساحة الأدبية الآن؟!
 الساحة الأدبية العربية على نحو خاص، عاشت سيادة المحرمات، التي جعلت الأدباء يرفعون سيوفهم على بعضهم البعض استناداً الى قواعد وضعت ضمن سياق تاريخي سابق. فمن الذي يقول أن هذا النص هو رواية خالصة.. وليس رواية + شعر؟!.. ومن يقول أن هذه القصيدة قصيدة خالصة وليست قصيدة + دراما في النص؟!.

ومن الذي له حق إخراج عمل أدبي لا ينتمي الى الشعر الخالص .. ولا ينتمي الى القصة القصيرة ولا ينتمي الى الرواية ضمن قواعدها المتعارف عليها.. أن يخرج هذا النص من العمل الإبداعي؟!

إذن لقد أصبحنا هنا أمام من الذي يحلل؟ ومن الذي يحرم؟!

وبالتالي فالنصوص التي حاولت أن تكون خارج السياق القواعدي المتعارف عليه، رفضت ولم تستطع أن تصمد على الساحة على الرغم من أنها تحمل رؤية مختلفة.. وتكويناً مختلفاً.

هل هناك أمثلة؟
 هناك أمثلة كثيرة.. في الشعر مثلاً كان هناك تقبل للتجديد أكثر منه في النثر في الأدب العربي.. لكن في البداية تحديث القصيدة كان على يد السياب.. ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياني وصلاح عبد الصبور والجيل الذي تلاهم.

وحددت الشعرية بالخروج على الشعر من قاعدة طويلة العمر الى قاعدة حديثة العمر.. الطويلة العمر هي أن الشعر موزون ومقفى ومبني ضمن السياق التاريخي للقصيدة العربية منذ ما ورد عن امرئ القيس وحتى الآن.

فماذا فعلوا؟.. قالوا لا.. القصيدة لا يمكن أن تلتزم بقافية واحدة. ويمكن أن تتنوع القوافي ويمكن أن تحتوي على أكثر من وزن.. سميت بالبحور المركبة.. فماذا نرى؟ نرى أنهم وضعوا قاعدة بحيث يكون هناك تنوع في الوزن.. ولكن ليس هناك خروج على الوزن أو القافية.

هذه هي الفكرة لأن محاولة نفي النوع أو القاعدة فيها مخاطرة شديدة لأنها يمكن أن تكون نوعاً من الهروب من الالتزام بقواعد الفن.. ويمكن أن تكون نوعاً من تخريب الفن.. أما العنصر الايجابي فهو إمكان الإضافة على الفن، التي لا بد وأن تأتي من قاعدة الفن وليس من قاعدة تحطيمه. فعندما خرجوا على القوافي.. اسسوا قوافي جديدة ولكنهم لم يلغوا القوافي تماماً.

هنا تأتي مسألة المفهوم، يعني في المرحلة الثالثة جاءت "قصيدة النثر" وما رافقها من كلام.. هي هي شعر أم ليست شعراً؟!
 المسألة ليست كذلك، فهناك النص الذي يحتوي على الشعرية فلنتفق على مصطلح "الشعرية" فالخلاف هنا.. الوزن والقافية لا يصنعان شعراً.. والخروج عليهما لا يصنع شعراً أيضاً.

فالمفهوم الذي يعبر عن الشعرية العربية الحديثة.. هي أعمال محمود درويش التي تمثل المرحلة الثالثة.. في شعره الدرامي الملحمي.. المطولات في هذه المرحلة نقرأ ثروة في القوافي وفيها مقاطع نثرية لكنك لا تجد أنها نثرية لأنها اكتسبت شعريتها من خلال الفضاء والذي صنعه لها في الشعر. وهو يلتزم القواعد ولكنه يجددها.

هنا نتوقف عند المقولة الصحيحة التي تردد بصدق أن القواعد صنعت ووضعت لكي تكسر.. ولكن بشرط أن تحل محلها قواعد جديدة..
 هذا صحيح.. وفي القصة جرى الشيء نفسه.. وشهدنا رواية "تيار الوعي" ابتداء من جيمس جويس وناتالي ساروت وفرجينيا وولف .. هؤلاء وغيرهم تصدوا للقاعدة الكلاسيكية التي تعتمد البداية والوسط والنهاية .. وهم قالوا لا . هناك فضاء فني وومضات.

أريد أن أقول هنا أن هذه الاتجاهات التجديدية لا تأتي من فراغ، فهي ابنة التطور الاجتماعي والتقدم العلمي في المجتمع.. والنظريات الجديدة في الفلسفة.. وعلوم النفس وغيرها.
 فعلاً فمثلاً.. فرويد له تأثيره على هذا كله.. تيار الوعي كمذهب فني انطلق من هذا.

ولدي هنا سؤال: لماذا لم نكتب ونبتكر اسلوبنا الفني الذي يعكس المخاض الذي عشناه كأمة عربية بعد هزيمة 1967 مثلاً؟!
إجابتي هي أننا اعتمدنا على ارتداء أثواب الغير .. استوردنا أدوات الغرب وأيضاً نظرياته وأساليبه في الأدب.. ولذلك لن نجد الأعمال التي تتناسب مع صدمة هزيمة حزيران (يونيو).

لدي تحفظ على طريقة التفكير هذه.. فليس المنتظر أن تنتج عن هزيمة الأمة .. رواية ، المنتظر هو .. نظرية جديدة في التفكير .. نهج جديد، صياغة جديدة للفكر العربي.
 الذي أقصده أننا لم نستطع أن نتحدث عن عمق مأساتنا من خلال عمل فني. لقد سقط منهج الشعارات في حياتنا.. ولكن لم نر أدباً جديداً يتكافأ مع الرغبة في الخروج من حال الهزيمة.

لم نستطع أن نتحدث عن عمق مأساتنا في عمل أدبي. بقينا نكتب رواية كما كان في الخمسينيات والستينيات . وعلينا أن نخرج من أسلوب ارتداء "أزياء" وأفكار الغير.. هناك محاولات .. ولكن لم تتضح لنا هوية روائية فنية عربية خاصة.

آجرى الحوار: أحمد منير الاسكندراني

مشاركة منتدى

  • السلام عليكم ورحمة الله
    الباحث (محمد علي محمد العنزي)
    طالب ماجستير ادب حديث ,عنوان رسالتي (رسم الشخصية في رواية ((عندما يسخن ظهر الحوت لفاتح عبد السلام))
    1 هل لديك دراسات حول هذه الرواية
    2 هل لديك وجهة نظر في هذه الرواية
    3 هل ديك منظور خاص بالشخصية التي هي موضع دراساتنا
    4هل لديك فكرةحول وضع نقاط اساسية في الرواية التي استفيد منها في خطة البحث
    والخطة هي :
    الفصل الاول (انماط الشخصية)
    المبحث الاول: الشخصية الايجابية
    المبحث الثاني:الشخصية السلبيسة
    الفصل الثاني(ابعاد الشخصية)
    المبحث الاول :البعد الفكري
    المبحث الثاني: البعد النفسي
    المبحث الثالث:البعد الاجتماعي
    الفصل الثالث:علاقة (الشخصية ببعض العناصر)
    المبحث الاول: الشخصية بالحوار
    المبحث الثاني:الشخصيةبالزمكان
    المبحث الثالث:الشخصيةبالوصف

    :وجزاك الله خير الجزاء

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى