الثلاثاء ٢١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢١
بقلم حسن عبادي

متنفَّس عبرَ القضبان (36)

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة؛ تعاصفنا وتثاقفنا، نعم، وجدت لقائي بهم، بأفكارهم وبكتاباتهم متنفّسًا عبر القضبان.

عقّبت الكاتبة نزهة الرملاوي: "تتجمد الحروف في لساني عند قراءة اللقاء.. أيّ قلب يحتمل هذه التجليات خلف القضبان . لكم منا سلام وعبق مقدسيّ آت من تاريخ الانتصارات.. لا تخفيه روائح العالم.. ينتشر في سمائنا.. يسكن الزوايا والعقبات.. ويتجذر على الأبواب والتكايا.. وتعويذات تتهادى إليكم لا توقفها حواجز ولا أسلاك ولا عتمة لكم منا تراتيل ثبات وادعية للحرية.."

وعقّبت دنيا واكد: "في الأسر تختلف كل الأمور والمفاهيم، في الأسر تتعلم الإنسانية وتتعلم كيف تقسو لتحمي كيف تعطي كيف وكيف. بالأسر لا تخشى العتمة أو القضبان أو حتى السجان لكن يرعبك شيء واحد هو أن تسمع خبر فقدان أحد افراد عائلتك، والأقسى أن تكون في مكان مسؤولية لا تستطيع أن تصرخ أو تبكي أو تحزن وتنهض لتقوم بواجبك. الأسر هو طفلة جريحة لا تملك أما تضمد جراحها ولا سرير يحتمل ألمها ولا لعبة تضمها لتشعر بالأمان. الأسر أن تقسو عليها لتتعلم وهي طفلة أن تصبح امراه ناضجة وأن تفهم معنى كلمة إسقاط. الأسر أن تتألم بصمت وترغب بضمها لتخبرها أنك مجبر لتحميها ولا تستطيع. تحيتي لك أستاذ ولكل الأسيرات زميلات الأسر".

" علاء مش رايح يتحمّل!"

غادرت حيفا صباح الأربعاء 11 آب 2021 لزيارة أسيرات في سجن الدامون، وحين وصلت لاقتني الأسيرة بشرى الطويل مبتسمة، ظننت للحظة أنّها بطريقها للمحكمة، فتمنّيت لها الإفراج حالًا فقالت بعفويّة مطلقة: "لا والله أحسن من هيك. بطريقي لزيارة من الوالد" (والدها جمال أسير يقبع في سجن النقب الصحراوي).
انتظرت في غرفة المحامين فأطلّت عليّ الأسيرة أنهار سامي الحجة (الديك) مبتسمة، تبادلنا التحايا لتنقل لي تحيّات الأسيرات اللواتي التقيتهن في الأشهر الأخيرة، وكانت السمّاعة معطّلة باتجاه واحد، تسمعني ولا أسمعها، ممّا اضطرّها للتحدّث بصوت عالٍ.

أنهار حامل في شهرها الثامن، متوتّرة جدًا من فكرة الولادة في الأسر، "علاء مش رايح يتحمّل!"، إدارة السجن أعلمتها أنّهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأمر، وهي خائفة أن يأخذوا علاء/ المولود منها، وتظّل سجينة وهو بعيد عنها، وتقول بحرقة: "بدّي أخلّف برّا ويرجّعوني بعدها قدّيش بدهم!"، وتأمل أن تتحرّر قبل الولادة. "الأسيرات حابّات بيبي صغير في السجن ولكن رغم هيك بدعولي أطلع".

تحنّ لاحتضان ابنتها جوليا، وتريد مكالمة فيديو لمشاهدتها، وهذا أضعف الإيمان.

طلبت صورًا لجوليا، ولصغار العائلة، والأهل، وجلسة محكمة وجاهيّة لتصرخ في وجه النيابة والقاضي العسكري: "خلاص، تعبنا وبدنا نطلع".

"بدّي النظّارات"

بعد لقائي بأنهار أطلّت الأسيرة شذى مصطفى أبو فنونة (عودة) عبر ممرّات الدامون بخطوات متثاقلة، تبادلنا التحايا وبدأنا حديثًا مشحونًا.

حدّثتني عن عملها كمديرة اتحاد لجان العمل الصحي (مواليد1961)، اعتقلت يوم 07.07.21، اقتادوها إلى زنازين الشارون البغيضة، برفقة ليان التي تصغر أولادها، وحُرمت من "الفورة" بحجّة الكورونا، ومرّت أيّام عصيبة؛ تحقيق قاسٍ وعذاب مرير.

تُعتقل لأول مرة، لكون العمل الأهلي مُستهدَفًا، أغلقوا مقرّ الإدارة، كانت مديرة، الآمرة الناهية، وصارت بين ليلة وضحاها معتقلة، تتلقّى الأوامر من السجّانة، ورِفقة الأسيرات تخفّف من ألم البعد عن الأهل، زملاء العمل والأصدقاء.

تحاول التأقلم، ولكّنها حُرمت النظّارات الطبيّة ممّا يمنعها من القراءة وأمور أساسيّة، ولكنّها استلمت أمس الأدوية والملابس التي حرمت منها منذ اعتقالها.

مشتاقة جدًا للأولاد؛ بنتين وولد، دالية وشيرين ومحمد، ولغرفة مكتبها، ولعملها الذي أبعدوها عنه ممّا يزيدها إرادة وعنفوانًا.

حدّثتني بلهفة عن زمالة الأسر، زمالة غير شكل.

"زمالة الأسر"

بعد لقائي بأنهار وشذى أطلّت الأسيرة أناغيم بدر عوض بخطوات رشيقة، تبادلنا التحايا، وصّلتها تحيّات الوالد والأهل ووصّلتني سلامات زميلاتها في الأسر.

أناغيم (مواليد 1999) طالبة علم نفس في جامعة الخليل، اختطفت من مقاعد الدراسة ومكتبة الجامعة بتاريخ 05.04.21 لتقبع في زنازين الاحتلال التي تجمعها بلمّة حلوة مع زميلات الأسر، ذاقت الأمرّين في معتقل الشارون البغيض، تعدّ الساعات كي تصل قلعة الدامون التي تعتبر "نقاهة" بالنسبة للشارون، لتلتقي بزميلاتها الجديدات، وكلّ قادمة جديدة تمرّ باستجواب مطوّل حول الوضع في الخارج، وأحوال المعارف المشتركين، بتفاصيل التفاصيل، "أصعب من تحقيق الشاباك".

لمّة الأسر علّمتها الكثير، نمّت مهارات الطبيخ، القراءة والتفكير المغاير والنقاش الحواري، ووفاة سهى غيّرت الكثير من مفاهيمها، وحكايا الأسيرات، لكلّ أسيرة اسم وحكاية، حدّثتها عن فكرة فستان الفنّانة رنا بشارة الذي يحمل أسماء حرائر الدامون.

حدّثتني عن زمالة الأسر، خلافًا لزمالة الدراسة والجامعة، وأثرها، وعن عِبَرٍ اكتسبتها من تجربة الأسر.
لكنّ عزيزاتي بشرى، أنهار، شذى، أناغيم أحلى التحيّات، والحريّة لكنّ ولجميع أسرى الحريّة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى