الأحد ١٢ تموز (يوليو) ٢٠٢٠
بقلم جورج سلوم

مكتبة الرّصيف

أريد أن أعرض بضاعتي في سوقكم، سوق الخضار!

هل تسمحون لي يا باعة البندورة والخيار؟

لن أزاحمكم ولن أنافسكم، فبضاعتي ليست إلا كتباً ومجلّداتٍ ومجلات ثقافية، وتصلح للبيع في زاويةٍ رخيصة من أرصفتكم اللانظيفة، هي مثلُ بضاعتكم ثمارٌ مزروعة، لكنّها ذبُلت وخبَت أيامها وذوَت عناوينها وخفّ بريقها. لذلك ستختلط رائحة التعفّن والتخلّل من قديم بضاعتكم مع عثِّ كتبي وسوسِها واصفرار أوراقها.

لطفاً منكم..اعتبِروها ـ إن شئتم ـ أوراقاً خريفية مجفّفة وتساقطت في سوقكم.
إنها ـ بالحقيقة ـ ثروتي التي اكتنزتها خلال سنيّ حياتي، إنها جعبتي التي كنت أرتّبها كصفوف العسكر المتراصّة أستند إليها في جدالاتي العقيمة التي ما ربحت فيها شيئاً إلا خصماً تحوّل إلى عدو بعد كل جلسة نقاش حامية الوطيس، لأنّ كلاً منّا ما كان ليتنازل عن أفكاره حتى ولو اقتنع بصواب رأي خصمه، لذا ابتعدتُ الآن عن الجدال الذي يسمّونه حواراً وكفاني ما ربحت من أعداء.

مكتبتي الجدارية العامرة كانت خلفيّتي الثقافية التي طالما استمرأتُ الجلوس على مقعدي الدوّار واضعاً إيّاها بظهري أعتدُّ بها، وأستشهد في حواراتي بكتابٍ مُصطفى أستلّه من غمدها كالسيف الذي كان أصدق إنباءً من الكتب، وصفحاتٍ مختارة أتمنطق بها كخنجرٍ عمانيّ ثمين..هل هذا الخنجر المعوج للطعن أم للزينة فقط..لست أدري؟

كنت كالإمام، وخلفي جموع المصلّين أستمدّ منهم ثقتي بالإمامة، وعندما يسجد الإمام لا ينظر خلفه لأنه يثق بأنّ الجميعَ سُجَّدٌ خلفه كجيشٍ من جيوش الله، تخيّلوا إماماً يصلّي بلا جمهرة من المصلّين..لا..لن يكون إماماً!

وكنت كلّما أضيف كتاباً إلى مكتبتي الجدارية أراها تتعملق خلف مكتبي، كمن يضيف صخرةً إلى هرمٍ يعلو ويتشاهق كالجبل الأشمّ، وترتبط الكتب ببعضها بوشائجَ فكريّة كشجرة اللبلاب المتسلّقة، كانت بنياناً مترابطاً ومتراصّاً.

إنها معرِضي المنزليّ الدائم الذي كنت أتباهى به، كما يتباهى فراعنة اليوم بأهراماتهم التاريخية، وعندما أقنعوهم بأنّ تلك المومياءات ليست منهم قرّروا بيعها بعد أن جدعوا أنف أبي الهول ليكسروا أنَفَته وشمَمه.

وللأسف حان الآن وقت الخجل من الإرث الذي أشبعناه اجتراراً كعلكة ممجوجة، وجاء زمن الانقلاب على السّلف الذي تمّ تخوينه، وحلّ زمان الحِلّ والتحلّل من التاريخ الذي تمّ تكذيبه.
مكتبتي وكتبي كلّها، تمّ التنصُّل منها كجريمة نكراء جاثمة على الجدران، ووصمة عار تشهد ضدّي.

إنها ثوبٌ عتيق ما عاد دارجاً، وسأخلعه كلبوسٍ يوحي بالالتباس.

كتبي التي كنت أدرسها، أصبحت اليوم دارسة!

أريد أن أستردّ بعض ثمنها، عن طريق بيعها إن أمكن بربع قيمتها، أو تأجيرها كما كنت أفعل في طفولتي، عندما كنت أستأجر رواية لتولستوي أو لهمنغوي، ليومين فقط وأصل ليلي بنهاري لأنهيها.

كم كانت طفولتنا جميلة وعطلتنا الصيفية مثمرة، عندما كنّا نتباهى بحصيلة ما قرأنا من أمّهات الكتب نحن الصّغار، وكان يسألني صاحب المكتبة مستغرباً سرعتي في قراءة الكتب التي أستأجرها..يسألني سؤالاً من محتواها فأجيبه.. وكان صاحب المكتبة قارئاً مخضرماً في تلك الأيام، وكنّا نظنّ أنّ قيمتك تعني كم كتاباً قرأت!

قرّرت اليوم بيعها لأشتري طعاماً، بعد أن اكتشفت أنّ أوراقها ومحتوياتها لن تطعمني خبزاً.

هه هه..ويسمّونها غذاء الرّوح، والروح تريد طعاماً وشراباً وكساءً ودواءً كالجسد يا إخوتي!

لن أصيح مروّجاً لبضاعتي، ولن أشوّش على صيحاتكم أيها البائعون على الأرصفة.

والبندورة بليرتين والخيار بليرة، ما أجمل صيحاتكم للترويج لبضاعتكم!

والتفاح.. والبطيخ.. والبطاطا

وتقلّبونها لتظهروا وجهها الشهيّ الجذّاب، أما أنا فأقلّبها باحثاً عن غلافٍ أو عنوانٍ ملفت، ولا أجد.

أنا بائعٌ صامت يا إخوتي..لا صوتَ لي لأنّ بضاعتي خرساء مكتوبة بأحبار جافّة لا روح لها، حتى لو رماها جنكيزخان في دجلة كمكتبة بغداد فلن تلوّن ماويّته..

وسأجلس في طرف السوق على رصيفٍ جانبيّ عسى أن تجذب بضاعتي هاوياً من هواة القراءة. أولئك من يسترخصون الكتب فيقبلون على شرائها من رصيفٍ شوارعيّ ويتركون منصّات العرض في المكتبات المُضاءة.

قالت لي بعد أن وضعت أكياسها المليئة بالخضار بين كتبي:

- أريد مجلّة ملوّنة لابنيَ الصغير..

وقال لي:

- أريد كتاباً في الفقه والشريعة

وقالوا..وقالوا..نحتاج قاموساً للترجمة، وكتباً مدرسيّة مستعملة..وكتاب رسائل العشاق، وفن الطبخ..وقراءة الأبراج، وكتاب كيف تصبح مليونيراً في دقائق!

وأحدهم قلّب كتبي بصمت وبعثرها..فقلت له:

- عمّ تبحث؟..وما كتابك المطلوب؟

اقترب مني وقال:

- مجلات إباحية..وكتاباً عن فنون الجماع

ولم أبع شيئاً من كتبي..وكلّ ما كان يستهويني من دواوين شعرية وروايات أدبية لم تعد تستهوي أحداً..لا ولن تبيع شيئاً يا رجل.

وستبقى جنيب كتبك تمسح الغبار عنها كلّ يوم..وتغطّيها من هجوم المطر ووطأة الشمس..
على الأرض حيث أحذية المشاة وغبرتها..وينظرون إليها من فوق، ويقول مَن أعجبه عنوانٌ ما..ناولني.. فأناوله وعيوني في عينيه وهو يقلّبُ صفحاتي.. وكأنه يقلّبني ويفتح أغلفتي ويقرأ سطراً من صفحةٍ ما انفتحت لوحدها.. يبتسم باستخفاف ويترك كتابي يسقط من بين يديه سقوطاً حرّاً كأيّ كتاب ساقط.

- هذه الكتب مستعملَة، وكم هو غبيٌّ ومسكين من اشتراها سابقاً أو اقتناها.. كأنه احتفظ بعملة ورقية باطلة وفقدت قيمتها، فعادت ورقاً تالفاً وهباء منثوراً.

كتاب الحب الضائع لطه حسين، عنوانه جذّاب، ولكنّ الحبَّ فيه ضائعٌ كعنوانه، ولن يجد فيه قارئ اليوم المستعجل ما ينشده.

ثم..بالله عليك..ما هذه الدفاتر والكراريس المكتوبة بخط اليد؟

- إنها أوراقي وكتاباتي الذاتية التي طالما حلمت بأنها ستحظى يوماً بناشرٍ يتلقّفها، وقارئ يعبّ من عبابها ويغوص في كلماتها، وناقدٍ ينقدها ويقيّمها ويقوّمها!

لا..ولن تقوم لها قائمة.

وبعد شهر ما استفتحتُ فيه بقرش..قلت للجزّار:

- ألا تحتاج ورقاً رخيصاً تلفّ به جزارتك؟

- لا..لم يعد مسموحاً أن نلفّ اللحم بأوراق الجرائد الملوّثة بالطباعة..نحن نستعمل أوراق النايلون المعقّمة.

ولا حتى لمسح الطاولات في القهوة الشعبية

ولا حتى لمسح قفا من تخضّبت خلفيّته ولم يجد منديلاً ناعماً لا يخدشه.

ما رأيك يا طه حسين؟..ألم تكن عميداً للأدب العربي؟

وأنت يا أحمد شوقي..أيا أيها الأمير..ماذا سأفعل بدواوينك؟ ونزار قباني مطلوبٌ أكثر منك في السوق..تنازل له عن إمارتك.

وجاءني موظّفٌ من البلدية لتحصيل ضريبة إشغال الرصيف..فرفضت الدّفع بحجّة أني لم أبعْ شيئاً..فقال:

- طيّب..إن وجدتُ كتاباً وطنياً معروضاً على الأرض فستدفع ثمناً غالياً.. ولو وجدت صورةً لكبير القوم على أرضك بين الأقدام فسيكون حسابك عسيراً..وويلك لو وجدت كتاباً دينياً مقدّساً معروضاً بشكل غير ملائم.. عندها ستكون مخالفتك كبيرة.

أما لو وجدت كتاباً من الكتب الممنوعة..فستذهب معي مخفوراً.

تركته يبحث في عناويني عمّا يستمسكني به من عرقوبي..كنت أعرف أنه لن يجدَ ما يستمسكني به.

ومن يومها هجرتُ مكتبتي الرصيفيّة..تركتها مسجّاة معرّاة كجيفة بلا أكفان.. وكنت أعرف أنهم ستوارى الثرى في مكبّ النفايات كمقبرةٍ جماعية.

ومن يومها ما عدت قرأت وما عدت كتبت.

ومررت بعد أيام لأتحرّى عن بقايا مكتبتي فما وجدت منها أثراً..وقيل أنهم كنسوها إلى حاوية القمامة..وشطفوا الرصيف من غبائر الكتب الأدبية.

اليوم..أكتب هذه السطور وجدار مكتبي صار مطليّاً بالبياض كصفحة بيضاء غير ملوّثة، وكلُّ مكتبات العالم صارت في ملفّاتٍ حاسوبية عالميّة تستحضرها متى شئت..فقط يريدون منك التعريف بنفسك، وكلمة السرّ التي اخترتها هي مفتاحك الجديد.

وداعاً يا مكتبتي..لقد تداعيتِ حتى عرضتُكِ رخيصةً على الرّصيف واستبدلوكِ بمكتباتٍ إلكترونية..لن أستطيع بعد الآن أن أبلل صفحة ما بِريقي لأقلبها..وفمي صار مكموماً بكمّامة لأنّ لعابي قذر وملوّث بالفيروسات كما قيل لي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى