رمضان في المدينة

، بقلم جوني منصور

أدخلت الحداثة مركبات غربية كثيرة على نهج الحياة اليومي في كل أنحاء العالم، بحيث أصبح الإنسان منعزلا في منزله بعيدا عن الحياة الاجتماعية التي ميزت مجتمعنا العربي على وجه الخصوص. وإن كانت هناك بعض المظاهر الاجتماعية ما تزال قائمة إلى يومنا هذا، ولكن يبدو من خلال متابعة المسار الحداثوي أنها في طريقها إلى زوال.

لم تكن حالة المجتمع العربي الحيفاوي في العهود السابقة كما هي اليوم، فالحراك الاجتماعي بين العائلات وبين فئات المجتمع وشرائحه متنوع ومتعدد جدا. وتميز شهر رمضان المبارك بحيفا بحالة خاصة، وفقا لما استمعت إليه من كبار السن عبر مقابلات أجريتها وما زلت منذ قرابة ثلاثة عقود وأكثر. ففي هذا المقال سنبحر سويا في رمضان الحيفاوي في العهد العثماني وفي فترة الاحتلال البريطاني(يسميها البعض الانتداب، فليكن).

حيفا تعاين هلال رمضان

الحكواتي في حيفا
الحكواتي في حيفا

كان ينظر ويراقب هلال شهر رمضان من موقع مرتفع مجاور للكبابير، حيث يباشر الناس في مراقبة الهلال في التاسع والعشرين من شهر شعبان، فإذا رآه أحدهم يهب مسرعا إلى دار المحكمة الشرعية بحيفا والتي كانت قائمة في السوق القديمة بالقرب من جامع الجرينة الحالي، ويتم تثبيت الرؤية بحضور القاضي الشرعي وكاتب المحكمة وعدد من رجالات المدينة. ثم تجري عملية تسجيل الرؤية رسميا، وعندها يأذن القاضي لقائمقام المدينة أن يعلن رسميا عن ثبوت هلال شهر رمضان ويجري بعض ذلك إطلاق عدة طلقات من المدفع الذي ثبت على تلة البرج الواقعة عند الطرف الجنوبي الشرقي للمدينة القديمة، وتحديدا أسفل حديقة بلدية حيفا الحالية.
وللإعلان عن الإفطار كان يقوم مؤذن جامع الجرينة بحمل راية بيده يلوح بها، وهي بمثابة إشارة إلى الجندي الواقف بالقرب من المدفع ليطلق عدة طلقات منه يعرف أهالي حيفا أن موعد الإفطار قد حان.

سير الحياة اليومية

أما سير الحياة اليومية في رمضان في حيفا فكان كالتالي: يذهب الرجال إلى أعمالهم الاعتيادية في حين تدأب ربات البيوت على تحضير الموائد الخاصة بالإفطار الرمضاني يوميا. وكان الناس يعتبرون هذا الشهر، وما زالوا، شهر الولائم والموائد وتجمع العائلة حول مائدة واحدة مباركة. وكانت ربة المنزل تضع على مائدة الإفطار أنواعا كثيرة من الخضار والمأكولات اللحمية والبذورات والحلويات والأشربة المختلفة كالسوس والتمر الهندي والخروب وهو يكثر في جبال الكرمل.

ومن عادات أهالي حيفا في هذا الشهر الفضيل أنهم كانوا يتبادلون الأطباق يوميا علامة على المشاركة الاخوية والدعم المعنوي بين العائلات في نفس المدينة او في الحارة ذاتها. وبعد الإفطار يتوجه الناس بحسب رغباتهم، منهم إلى الجوامع لسماع الأدعية والتواشيح وصلاة التراويح، ومنهم يلتقي مع الأصدقاء في المقاهي التي كثرت في حيفا العربية للعب الشطرنج والطاولة، اي طاولة الزهر، أو لتدخين التنباك والاراكيل.

ماذا بعد الإفطار؟

ومع انتهاء الإفطار وخروج الناس، خاصة الرجال والأولاد من بيوتهم إلى ساحات ومقاهي حيفا الشرقية ينتشر فيها الحكواتية والكراكوزية، ليسلوا الناس بحكاياتهم.

وتميز الحكواتي بصوتهم الجهوري وتفاصيل حكاياته التي لا تنتهي في تلك الليلة إنما في الليلة التي تليها، إن حصل ذلك. ويتلاعب الحكواتي في الألفاظ والعبارات بما يتناسب وجمهور مستمعيه. وينسجم الحضور مع ما يرويه الحكواتي ويمكث الرجال إلى ساعة متأخرة من الليل، أغلبهم حتى منتصف الليل.
أما الكراكوز وزميله عيواظ(وهو تحريف تركي لعوض) فهما شخصيتان معروفتان في بلاد الشام عموما، ومن بينها حيفا. يقومان بتقديم عروض ساخرة ومضحكة وهزلية تفرح قلوب المشاهدين مقابل فلوس قليلة او أحيانا كثيرة مقابل قليل من الأطعمة أو الحلوى.

جهاز الفونوغراف يُحدث التغيير الأول

أما المقاهي التي انتقلت إلى شكل متطور من الحداثة، ونعني انها أحضرت جهاز الفونوغراف فإن روادها كانوا يستمعون إلى أغاني سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وعبده الحمولي وفريد الأطرش وأم كلثوم وصالح عبد الحي ومنيرة المهدية وغيرهم. وكان أول من أحضر الفونوغراف إلى حيفا وتاجر به شركة ثيوفيل بوتاجي وكيل شركة "صوت سيده"(هيز ماستر فويس) وشعاره الكلب الجاثم.

جهاز الراديو يثحدث التغيير الثاني

ولما انتشرت الراديوهات وتأسست الإذاعات العربية، ومن أشهرها إذاعة صوت العرب من القاهرة وهنا القدس، اشترى أصحاب المقاهي أجهزة الراديوهات ووضعوها في مكان عال في مقاهيهم، وتحلق رواد المقاهي حول هذه الاجهزة لسماع برامجها كالموسيقى والأغاني ونشرات الأخبار.

النساء وجلسات البيوت

أما النساء فبقين في البيوت، وفقا لعادات ذاك المجتمع، خاصة في شهر رمضان. إلا أن بعض الميسورات كن يقمن حفلات بيتية يحضرها نساء الحارة والبنات اليافعات. وتوزع صاحبة البيت الداعية للحفلة أنواعا متعددة من الحلوى والبزورات وغيرها من المآكل والأشربة.

وللأطفال دور

أما الأطفال فكانوا يجوبون الحارات حاملين معهم أكياسا يجمعون فيها الحلوى والمكسرات وأحيانا الهدايا من أصحاب الأموال الميسورين، ويطلقون حناجرهم بأغاني شعبية سمعتُ بعضا منها في مقابلاتي مع كبار في السن:

والعيد روّح عَ حيفا جاب الخرج مليانه
فرّق على بناته وخلى العروس زعلانه
لا تزعلي يا عروس يعد الخرج عمرانه
وإحنا بناتُه للعيد والعيد لأبونا
إجوا شباب البلد وعَ نيّه يخطبونا

بين الجامع والطرق الصوفية

في حين أن فئات من المجتمع العربي في حيفا فضلت في زمن ما بعد الإفطار التوجه إلى جوامع حيفا للصلاة والتأمل والاستماع إلى خطب ووعظ من خطباء المساجد. وأضف إلى ذلك ان طرقا صوفية قد انتشرت في حيفا، ومن أبرزها الطريقة الشاذلية. لقد كان لهذه الطريقة مقر عند طرف درج عجلون، والذي عرف لاحقا بدرج الشاذلية. وهذا الدرج ما زال قائما في أعلى حي وادي الصليب، للقادمين من بلدية حيفا نزولا إلى البلد مقابل مبنى المدرسة الاسلامية الذي استخدمته اسرائيل ثكنة عسكرية بعد أن وضعت يدها عليها في عام 1948. واستقطبت هذه الحركة عددا كبيرا من مريديها ومحبي الاستطلاع. وكذلك انتشرت طرق صوفية أخرى كالخلوتية والرفاعية ولكنها أقل انتشارا من الشاذلية.

حركة نشطة وكثيفة في الأسبوع الأخير

ويشهد الأسبوع الأخير من رمضان نشاطا منقطع النظير، فينشط الخياطون في تجهيز قنابيز وسراويل الرجال وخياطة البدلات الاوروبية لمن يرغب فيها، وكذلك تنشط محلات بيع الحلويات على كافة انواعها سواء التي تصنع محليا او تلك التي تستورد من الشام وصيدا وبيروت. وتشهد صالونات الحلاقة في اليومين الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان اندفاعا منقطع النظير. ثم تنشط الحمامات وأبرزها حمام الباشا وحمام كوبر المشهوران جدا في حيفا العربية.

ساحات وملاعب المراجيح

ولما ينتهي شهر رمضان ويعلن عن بدء الاحتفال بعيد الفطر تنصب ساحات المراجيح في حيفا، وخاصة في موقعين معروفين الأول عند البوابة الشرقية قريبا من جامعي الاستقلال والجرينة، والأخرى قرب مسبح أبو نصور. وأحيانا كانت تنصب ساحات قريبا من بلد الشيخ لأتساعها. وتقام إلى جوار الساحات أسواق الباعة الذين ينتهزون مناسبة العيد لكسب رزقهم.

وينتشر في هذه الساحات باعة الحلويات والمأكولات الخفيفة والأشربة الطيبة المصنعة يدويا. وكذلك ينتشر الحواة والبهلوانية والسحرة ولاعبي الثلاث ورقات والزهر مستغلين سذاجة الناس فيخدعونهم بخفة اليد وخداع البصر وكثرة الكلام.

ويهتم الآباء بتوفير الهدايا لأولادهم، وكانوا يشترونها من محلات القبلاوي وأبو معروف كساب والبوتاجي ومن بعض المحلات في السوق داخل حيفا القديمة.

دور البلدية

أما بلدية حيفا فكانت تقوم بتنظيف شوارع وأزقة المدينة مع اقتراب العيد، وفي ليلة العيد تطلق الألعاب النارية الملونة والمفرقعات علامة الفرح والبهجة بالعيد، وإيذانا ببدء العطلة الرسمية بمناسبة انتهاء شهر رمضان وبداية عيد الفطر.

وأخيرًا...

لاحظنا أن مناسبات كثيرة ومكثفة ارتبطت برمضان في حيفا، سواء طبقت في البيوت او خارجها، وخاصة ان مواقع عديدة من المدينة كالسوق والمقاهي والمتنزهات كانت تغص بالوافدين إليها كجزء من مميزات هذا الشهر في حيفا العربية.

لا شك في أن سلوك الناس برمضان في حيفا قبل قرن واليوم فيه اختلاف كبير، ولكن ما ميز ويميز رمضان في المدينة أنه يجمع الأهل والأصدقاء والمعارف، ويا حبذا لو تطلق مبادرات طيبة وكريمة لجمع أبناء الشعب الواحد في هذا الشهر الفضيل لتثبيت المحبة والمودة والأخوة. ونتمنى لأبناء شعبنا شهرا مباركا وفطرا سعيدا.