الهجوم المزدوج على الابداع السينمائي

، بقلم أمينة شرادي

العمل الفني هو احساس و ابداع و سمو بالنفس و رقي بها. الانسان الفنان يختلف عن عامة الناس من مستهلكي الصورة. لأن المستهلك العادي، لا يتوفر في ذاكرته على مخزون ثقافي يساعده على تحليل ما يراه في ابعاده الفنية و الثقافية. و ليس بيده الأدوات العلمية و الفنية لنقد ما يراه دون الهجوم عليه بشكل شرس من منطلق أخلاقي. لأن المعرفة بالشيء هي التي تؤهل كل مهتم أو مهتمة بالحديث عنه لا رجمه و شتمه و اقصاءه. و ما حدث للفيلم السينمائي لنبيل عيوش من طرف "فنانين"، المفروض فيهم أن يكونوا أول من يحترم و يفهم ضوابط اللعبة. و ذلك أننا لا نهاجم أي عمل سينمائي بشكل بدائي و أننا لم نره بعد. هو سلوك شاذ و غير مهني. المستهلك العادي يحكم من خلال لقطات و من خلال كلام انتشر كالوباء في الفضاء. يبقى في خانة "العادي" الذي لم تستطع لا المدرسة و لا البيت أن تعلمه كيفية مشاهدة عمل فني و قراءته مهما اختلف معنا. لكن أن يصدر هذا السلوك العدواني و المتطرف من عند «فنانين" يمارسون العمل الفني ويدركون أن أي عمل ابداعي لا يمكن الحكم عليه أولا من خلال تسريب لقطات شوهته و لا من منطلق أخلاقي، هذا ما لا لم أستطع أن أفهمه.
الابداع هو تخييل يمتلك وسائله المبدع نفسه ونظرته للأشياء هي التي تحدد الوسيلة التي يعبر بها. يمكن أن نختلف معه، أن نرفضه. لكن أن نمنعه و نقصيه و نشوهه هذا هو الجهل بعينه. الابداع لا يملى و لا يعمل صاحبه تحت الطلب. هناك أعمال فنية و أدبية "تجرأت" و تناولت المحظور، فنالت الكثير من القيل و القال. مثل رواية محمد شكري "الخبز الحافي". الشريط السينمائي لنورالدين لخماري" كازا نيكرا".و القائمة طويلة. المقلق و المحزن في نفس الآن، هو أن يصدر مثل هذا النوع من الهجوم من طرف "فنانين؟" اذا كان الفن لم يستطع أن يربي و ينمي ملكات النقد البناء لدى أصحابه أو الذين يحسبون عليه، ماذا سيجني الذي لم تطأ قدمه دار للسينما قط أو مسرح أو معرض تشكيلي...و يكتفي بالظلام ليلتهم بعض الصور الاباحية التي ترضي غريزته الحيوانية بعيدا كل البعد عن الرقي الفني والسمو الروحاني.

المثير في عمل نبيل عيوش السينمائي الذي لم ير النور بعد، هو محاولة قتله من طرف بعض "الفنانين"، الذين لم يدركوا بأن الفن ليس هو دور نمطي يستهزئ من ذكاء المشاهد مثل برامج رمضان التي رغم ما كتب عنها من هدر لأموال عمومية بتصوير مشاهد بليدة تنمي البلادة والحكرة و التنميط لدى المشاهدين، ما زالت دار لقمان على حالها. الا يجدر بكل مثقفينا و فنانينا أن يحاسبوا القناتين على هذه التفاهة التي تصدرها لنا طيلة السنة و خاصة في شهر رمضان؟ ألا يعتبر احتقار المشاهد و الاستهزاء بذكائه جريمة في حقه؟ ألا يحق بهؤلاء "الفنانين" الذين رجموا فيلم نيل عيوش حتى قبل المشاهدة، أن يستنكروا لما يقدم على قنواتنا في فترة رمضان من تفاهة و بلادة؟

المثقف هو نبراس البلد و عنوان تقدمه و مرآة تحولاته الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية...المثقف يعمل على التنوير و رفع الجهل واستعمال العقل بطرح السؤال أمام كل ظاهرة مجتمعية أو ثقافية..

لماذا تراجع دور المثقف الحقيقي و فسح المجال أمام أشباه مثقفين في جميع المجالات، ليفسدوا ما بنته أجيال من معرفة و نور؟