الأربعاء ٣٠ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٥
بقلم أحمد هيهات

أبو نواس في مرآة المنهج النفسي

تبين لي من خلال وقوفي على دراسة العقاد لأبي نواس بشكل خاص، ولباقي النماذج التي سأعرضها فيما بعد -ان شاء الله- بشكل عام، أن قراءة النصوص الإبداعية بالاستناد إلى منهج محدد، أو نظرية محددة يتم إسقاطها عليه من الخارج أمر بالغ الخطورة، فذلك يجعل الدارس يمارس على هذه النصوص نوعا من التعسف والقهر، ومن ثم يرغمها على أن تفي بما يتطلبه ذلك المنهج المسطر سلفا أو النظرية المتبناة مسبقا، وهكذا يكون الناقد قد ألغى النصوص في الوقت الذي يدعي فيه أنه يقوم بقراءتها والاهتداء بها.

يحاول المنهج النفسي الإجابة على مجموعة من الأسئلة المتعلقة بدلالة العمل الأدبي على نفسية صاحبه، إجابة حاسمة، فيظهر كثير من التكلف والتعسف في تأويلاته وتعليلاته، لأن هذا المنهج يتصور أنه يستطيع أن يصل إلى النتائج التي وصلت إليها العلوم الدقيقة وهناك فرق كبير بين ما هو مادي وما هو نفسي، ثم إن وظيفة النقد الأدبي وغايته غير وظيفة علم النفس، فغاية النقد الأدبي، تقويم العمل الأدبي وصاحبه من الناحية الفنية والجمالية، أما علم النفس فغايته تفسير الممارسات اللاواعية، وكشف بواعثها الخفية، دون الالتفات إلى الجانب الفني والجمالي، ومن ثم فإن اعتماد التحليل النفسي في النقد الأدبي، مع تبني هدفه في كشف منبع الخلق الفني واستقصاء دينامياته، قد يؤدي إلى مجرد القيام بمجموعة من التطبيقات المستندة إلى النظريات النفسية، والتي تستوي فيها دلالات النصوص الجيدة والنصوص الرديئة.
وحتى يتم فهم النص الأدبي ينبغي النظر إليه على أنه إبداع وقطعة فنية، وليس مجرد انعكاس لعقد نفسية مرضية، ففهم النص الأدبي يجب أن يتم على أنه أثر من آثار الأدب، وليس مجموعة من الأعراض المرضية، حتى وإن كانت هذه الأعراض تشكل العصاب أو النرجسية3. فبهذا المنطق نكون إزاء البحث عن مكامن المرض والاختلال، بدل البحث عن مظاهر الجمال والإبداع.
ومن مميزات الدراسة النفسية العربية الحديثة، وذلك من خلال مجموعة من النقاد وتطبيقاتهم على أهم الشعراء العرب القدماء، كطرفة، وبشار، وابن الرومي، وأبي نواس والمتنبي وأبي العلاء وغيرهم، أنها كانت تميل إلى القراءة الإكلينيكية، ذلك أنها تعتبر النصوص الأدبية –الشعرية- كأدلة وحجج تثبت بها إدانتها لأصحابها الذين يعانون مجموعة من الأمراض والعقد النفسية التي طبعت مراحل حياتهم، وكانت وراء بروز عبقرياتهم استنادا إلى نظريات التحليل النفسي بمدارسه المتعددة.
وهذه النظريات النفسية –أثناء تطبيقها من قبل النقاد- يشوبها الكثير من التسلط والتعسف، بسبب رغبة النقاد في الوصول إلى مجموعة من النتائج المسطرة مسبقا، مما يؤدي إلى التأويل والاستنتاج السريع، في حالة عدم استجابة النصوص لتوقعات النقاد.
والعقاد كواحد من النقاد العرب المحدثين الأوائل الذين تبنوا المنهج النفسي في دراستهم لمجموعة من الشعراء العرب، ومن بينهم أبو نواس، حاول من خلال شعره أن يبحث عن مفتاح شخصيته، من أجل تفسير نفسيته وممارساته غير السوية التي أعلن عنها في شعره بكل وضوح، فانتهى إلى أن مفتاح شخصية أبي نواس هو النرجسية وتمظهراتها المتمثلة في الاشتهاء الذاتي، والتوثين الذاتي، ولازمة التلبيس والتشخيص، ولازمتي العرض والارتداد، فكان أبو نواس نرجسيا عاشقا لنفسه مؤثرا لها إلى حد جعله يعجز عن إقامة علاقات سوية بالآخرين، لأن العالم بأسره لا قيمة له ولا وزن إلا بقدر ما يحقق له من مطالب ورغبات، وقد عمل العقاد انطلاقا من هذه الفكرة على أن يستخرج من شعر أبي نواس كل عاهة من هذه العاهات والآفات التي تشكل في مجموعها عقدة النرجسية التي جعل منها العقاد تفسيرا لكل أطوار حياة الشاعر وسلوكاته وتصرفاته.
ويشير العقاد منذ البداية في دراسته لأبي نواس أنه لا يرمي إلى تقديم ترجمة للشاعر، أو إلى نقد شعره، وإنما ينبغي رسم صورة واضحة لنفسيته، ولا يلجأ إلى الترجمة وشواهد الأدب والشعر إلا للإبانة عن طبيعة نفسية الشاعر والاستعانة بها على تفسيرها واستطلاع كوامنها. وفي كل ذلك لا يلتزم بمقولات التحليل النفسي، وإنما يتجاوزها إلى إضافات من عنده، وتعليلات خاصة به من أجل محاورة النصوص، واستخراج ما وضعه وبينه سلفا، فهو منذ البداية دراسته يرى أن أبا نواس مريض نفسيا، ومن ثم فهو يبحث في حياته وشعره عن أي إشارة من شأنها أن تدين الشاعر وتلصق به التهمة المعدة مسبقا. فكانت النرجسية تكفي العقاد لتفسير جميع سلوكات الشاعر وأطوار حياته، فحتى عندما انتهى أبو نواس في أواخر حياته إلى مرحلة التوبة والزهد، اعتبر العقاد ذلك طورا من أطوار النرجسية.
وانطلاق العقاد من تفسير نفسية أبي نواس بعقدة النرجسية، لم يمنعه من تجاوز حدود المنهج الذي سطّره، ذلك أنه أضاف إلى النرجسية عقدة أوديب، وعقدة النقص والتسامي، فأصبح بذلك منهجه مطبوعا بالانتقائية ولا يقف عند حد معلوم، بل ينتقي من حقل التحليل النفسي يجعله نموذجا فريدا لتطبيق وتحقيق كل أدوات التحليل النفسي أو جُلّها.
وسمة الانتقاء والمزج بين نظريات مختلف التوجهات في التحليل النفسي، سمة واضحة وبارزة في القراءات العربية بمختلف مناهجها، وليس المنهج النفسي وحده، وهذا ما لاحظناه من دراسات: النويهي الذي مزج بدوره بين مجموعة من المعارف الطبية والأنتروبولوجية، إضافة إلى توجهات التحليل النفسي، وطه حسين الذي مزج بين مجموعة من المناهج، فنجد حضور المنهج النفسي، والمنهج الفني والمنهج الاجتماعي، والتاريخي، وغيرها من ضروب المعرفة. وهذا يبين أن هؤلاء النقاد المثقفين يعملون على تحويل ما يقرءونه إلى إجراءات ملموسة من خلال تطبيقها على النصوص الإبداعية، بشكل متعجل لا يراعي رصانة البحث، وصرامة المنهج.
وقد أدت الانتقائية بالعقاد إلى أخطاء منهجية كثيرة جعلته يعجز عن فهم عميق لأبي نواس، لأن الدراسة النفسية للأدباء لا تتقدم أساسا إلا بالتزام منهج واحد، والانضواء تحت مدرسة محددة، ومحاولة تطويرها. أما العقاد فيظهر في بعض الصفحات محللا نفسانيا، يرد على النفسانيين جميعا، ويحاول أن يخرج برأي توفيقي بين آرائهم حتى وإن أدى إلى تعارض منهجي، وهو يظهر في صفحات أخرى عالما بوظائف الأعضاء، يشرح دور الغدد، وعملية التوالد إلخ... وكان من الممكن أن يستغني عن ذلك كله، لو أنه حدد هدفه وحصر جهوده في محاولة فهم نفسية أبي نواس انطلاقا من شعره وأخباره مستعينا بأسس علم النفس التحليلي سواء التزام منهج فرويد أو أحد تلامذته4.
ومن أهم الملاحظات التي أثارها مجموعة من النقاد، أن العقاد بنى دراسته على وضع فرضية مؤمنا بصحتها تمام الإيمان، وينتقل إلى اضطرار النصوص إلى التصديق والبرهنة على ما ذهب إليه، وهذا ما يصرح به الدكتور محمد عمر الطالب بقوله "ويبدأ (العقاد) بتحليل شخصية أبي نواس على هذا الأساس، أي أنه فرض الفرضية أولا، ومضى يسعى لتطبيقها قسرا على حياة أبي نواس، لإثبات صحة ادعائه، وهذا ما أضعف الدراسة وجعلها مقحمة على العكس مما لاحظناه في دراسته لابن الرومي، وفسر مجون أبي نواس وإدمانه الشراب، وإيثاره الغلمان، وظاهرة التحدي بالإباحية والتهتك، فسَّرها جميعا بعقدة النرجسية"5. فقد أدى هذا النوع من الأحكام المسبقة إلى إضعاف دراسته وإخراجها عن المسار الذي كان ينبغي لها أن تسير فيه، كما أدت استطرادات العقاد في سرد مقروئه من ضروب معرفة أخرى كعلم التشريح والحديث عن الغدد وأثرها في تركيب الإنسان النفسي، إلى عدم خدمة الأدب والنقد، كما اعتبر أن خللها يقود إلى العقد النفسية ليطبق كل ذلك على أبي نواس6، وإن كان المقام لا يحتاج إلى كل تلك الاستطرادات لكي يثبت نرجسية أبي نواس.
إذن انطلق العقاد من العقد النفسية، وما يتفرع عنها كما جاء في نظريات علم النفس، وحاول أن يبحث عن انعكاساتها في شخصية أبي نواس، مع العلم أن النفس البشرية تستعصي على الدراسة المباشرة.
فبالأحرى أن يكون ذلك من خلال الآثار الأدبية والأخبار، لذا يصعب تعميم هذه النظريات على جميع البشر، وذلك كما يقول الدكتور أحمد كمال زكي "والواقع أن كلا من العقد والطبائع وما يتفرع عنهما من اقتراح نماذج نظرية يخطط لها السيكولوجيون، كانت كلها هم العقاد الدارس الناقد، وإن لم يكن من المسلم به رفض النماذج المقترحة –في الغالب- لأن البشر لا يتطابقون"7. ومن ثم، لا ينبغي استيراد مجموعة من العقد والظواهر النفسية التي "أُثْبِتَتْ" لبعض الشخصيات، ومحاولة إلباسها لشخصيات أخرى، ولو لم تكن بمقاسها.
" ومجمل القول إن محاولة العقاد التي بذلها في استقصاء أخبار أبي نواس باعتماده على نظريات التحليل النفسي لم تكن صائبة في مجملها، لأنه أسهب في انتقاء أخبار الشاعر دون اللجوء إلى نتاجه الفني إلا في حالات نادرة بما كان يتفق مع ما يجنح إليه، وقد كان لعملية الانتقاء هذه، وربطها بالمفاهيم السيكولوجية محدودية الفهم في شخصية أبي نواس الحقيقية التي مضت في كتاب العقاد دون أن يمسها التحليل النفسي إلا بشيء قليل من الصواب"8.
واضح إذن من دراسة العقاد أنه اعتمد كثيرا على أخبار أبي نواس المبثوثة في كتب تاريخ الأدب وكتب التراجم والأخبار، مما أضعف الدراسة النفسية التي تعتمد بالدرجة الأولى على الإنتاج الأدبي .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى