الثلاثاء ٢ آب (أغسطس) ٢٠١٦
بقلم سماح خليفة

ديوان «مرايا الليل» للشاعر هشام أبو صلاح

العصافير لا تطلب تأشيرة دخول لأي فضاء، ولا تستأذن قبل أن تحط على أي غصن، وهكذا قصائد هشام أبو صلاح لا تطلب تأشيرة دخول لعالم القارئ المرهف الذي يقبع في زوايا الروح، لتصل إلى مداركه وأحاسيسه ومشاعره، فتتربع في جوف القلب كمعزوفة تعزف نبض الحياة في أحشائه. فالصور العنقودية التي يلجأ إليها الشاعر في ديوانه تضع قصائده في حُلّة أنيقة تومض للقارئ من بعيد فتجذبه للإقبال عليها واحتضان حروفها.

ألفاظ الشاعر في هذا الديوان كانت تمتاز بالسلاسة وقدرة الكاتب على انتقاء الألفاظ التي بإمكانها الوصول إلى القراء وتوصيل المعنى والهدف المرجو دون صعوبة وعناء. رغم الصور البلاغية التي تزخر بها قصائده.

يبدو تأثر الشاعر بالقرآن الكريم واضحا عندما استعرض في قصيدته(ص35)"رأس السنة الهجرية" مسيرة المعاناة التي واجهها سيدنا محمد (ص) في دعوته، في محاولة منه لِحَث العرب إلى الرجوع لقصص الأنبياء لأخذ العبرة والموعظة علّها تعود إلى رشدها وتوحد كلمتها.

تنوعت نصوص هذا الديوان بين الشعر الحر والشعر العمودي والنصوص النثرية. ونجد تجربة الشاعر الذاتية في هذه النصوص قد توحدت مع التجربة الجمعية للشعوب العربية مولدة منظومة معرفية تاريخية.

لجأ الكاتب في نصوصه إلى الرمزية غير المفرطة.

يتحدث الشاعر عن الأنا التائهة في ظل الوطن المغدور، الأنا التي نبحث عنها في مرايا الذات فلا نجدها أو نجدها مهشمة مشوهة(1) حينما قال:

وأنا أتفرس مرايا الليل حاملا في عيوني قناديل النجوم
تكسرت في الصورة ملامحي وبحثت عني فلم أعثر سوى على وجهي
المغبش وشظايا ظلي على قارعة الوطن المغدور

لا توجد مصداقية للكلمات في هذا الوطن، وإن وُجدت فهي تُهاجَم من قبل المتحالفين عليه(2)وأما الدول الغربية بما فيها أمريكا فهي تطغى على كل ما يخص العرب فيشير الشاعر إلى اللعبة التي تمارسها أمريكا في العراق من سيطرة وهيمنة حتى أن كل شيء صار مؤمرك(عربي بهوية أمريكية)، تتغلغل أمريكا في بيت كل عربي عراقي وتفسد حياته ثم تدعي وجود الإرهاب وتمنّ علينا بحمايتها المصطنعة، أمتنا ضعيفة بل حكامها ضعفاء لا يجرؤون على فعل شيء أمام القتل والدمار(3)أمريكا نالت من كل شيء حتى من لغتنا، أصبحت الفصيحة ركيكة، وأصبحنا نتباهى ببعض المصطلحات الأجنبية التي نحفظها لجهل وسفاهة عقولنا يقول الشاعر:

في زمن معنون بالأمركة
لا تقاوم الاحتلال
لا ترفض الركوع والخنوع والإذلال
فأنت إن فعلتها متهم
وقابل للتهلكة
إذا أردت أن تفوز بامتحان الأمركة
فالزم السكوت
أو اخنبئ في عتمة البيوت
واقبل أن تموت

ويوضح الشاعر كيف انقلبت كل الموازين فالعدو أصبح صديق، صارت إسرائيل شقيقة وصديقة قطر حتى غيرت الثانية هويتها وأصبحت قطرائيل(4) يقول الشاعر:

تصير إسرائيل دولة شقيقة معززة
وتلك قطرائيل دولة مقززة

يدعو الشاعر العرب إلى الاستيقاظ والالتفات إلى ما ضيعناه من وطن وأرض ولغة ودين حتى أننا لم نبقي على شيء، هو يحلم بعودة العرب إلى عزهم ومجدهم للوقوف في وجه إسرائيل(5) ويجدد دعوته لهم بأن يرفعوا رؤوسهم ويستذكروا تاريخهم (6) حيث يقول:

ارفع رأسك
ليس يهم عواء الريح وإن صمّ الآذان
ارفع رأسك
جابه تدليس الشيطان
واضرب فأسك
حتى لو شقّق هذي الأرض بوار الطغيان

ولا بد للشاعر أن ينكأ جروحنا ويتحدث عن خيانات العرب للعرب(7)إلا أنه يُذَكر كل عربي بالعهد الذي يجب أن يقطعه على نفسه بالإخلاص لوطنه واستعادة مجده فإن لم نُعِن أنفسنا لن يلتفت إلينا أحد(8)

يبدو أن الشاعر لا زالت تؤرقه مذبحة اليرموك، وسكوت القادة العرب على ذلك فهو أشار إلى نوعين من الموت في مقارنة مقززة مذلة: موت الخواء وموت البغاء، فالأول لأهل المخيمات الذين فقدوا هويتهم وأسماءهم ووطنهم ولم يحتفظوا إلا بأمعائهم الخاوية وجثثهم المحنطة، وأما الموت الثاني فهو موت السلاطين الذين يتجشأون الشبع ويشهدون الموت ببطء(9) يقول الشاعر:

هنا هنا اليرموك
هنا دمي المسفوك
في مذبح اليرموك
من جوّع الأطفال؟
وحطّم الآمال في الرجال؟
يا سادتي الأعراب
يا من سكرتم بالنّفط والبغاء
ومن رضيتم بخسة الخنوع والركوع والهباء
كيف يكون الموت بالمجان؟

يعود الشاعر ليتساءل(10)هل ما يُسمى الربيع العربي كان ربيعا بالفعل؟ هل كانت الثورات كافية؟ هل كانت صادقة؟ أم أنها كانت مفتعلة مخطط مدبر لها من جهات خارجية؟ ماذا جنينا وما الحل البديل؟ هل كانت فكرة رائقة للنهوض بالبلاد فيقول:

هل كان هذا ربيعا؟
هل أزهرت تلك الربى بانبجاس الأماني النّدية؟

ينتفض الشاعر من بين تلك التساؤلات ليقبع في فلسطين حيث القدس تصرخ وتستغيث وما من مغيث فهي قد بيعت كما بيعت العراق وسوريا؛ فالثورة لم تكن هناك إلا ضرب من الجنون، ويعود الشاعر يدعو العرب إلى الوحدة والنهوض والدفاع عن مقدساتهم (11)حين يقول:

يا قدس مالك تصرخين؟ تتوجعين وتنحبين؟
ناديت أعراب السبات فلا تنادي الميتين.
يا قوم هيا شمّروا قد ان أن لا نستكين

وإضافة إلى الهموم السابقة التي أرقت الشاعر فهو يتطرق إلى هموم تؤرق كل فرد من الشعب الفلسطيني، من جدار الفصل إلى غلاء المعيشة، إلى سرطان الاستعمار، العمل في إسرائيل، ومع ذلك لازلنا متمسكين بالأمل(12):

وغلاء أسعار سعير حرقها
للمال إذ أودى بجمع رصيدها
والأرض من خدع السلام تهوّدت
واستوطن السرطان نبض وريدها
وجدار فصل قد تلوى مثلما
أفعى تفحّ على ملاسة جيدها
والعامل المسكين يركب موته
هربا من الأعداء ضد ردودها

وكما لم يغفل الشاعر عن الأم وفضلها فهي التي أنجبت رجال الوطن وهي الملجأ وقت الضيق ومنبع الحنان فيدعو الله أن يحفظها(13):

هيا اهتفوا معي على المدى على المدى
يرعاك ربّ الخير يا أماه

يتجلى صراع الوجوه الماثلة في مرايا الليل بين مشهد الحطاب والعاشق ليرسم لوحة خريفية تتجسد في حلم يتلاشى على أبواب الوطن المغلقة(14)

يستنكر الشاعر رضوخ العرب وتقبلهم الموت الغادر واكتفائهم بالشجب والاستنكار فيهزأ الشاعر من هذه اللعبة المقيتة حين يعرض الموت بالمجان(15)فيقول: من يشتري الموت بالمجان نعطيه؟ وأقول له:من سيقبل يا سيدي الموت بالشكل الذي اعتدناه؟!

ورغم وجع الشاعر ومعاناته للنكبة التي ألمّت بفلسطين المتمثلة بفقدان وطنه وجرحه النازف على مدى أكثر من 60 عاما وسرقة هذا الوطن على أيدي اللصوص وبمساعدة الخونة الغادرين إلا أنه لا يزال يحلم ويأمل بمستقبل مشرق بإذن الله(16)
يستحضر الشاعر في تجربته بعض الأشخاص ليتوحد معهم في نفس المصاب مثل زهير أبو شايب في ديوانه"ظل الليل"(ص46) والطفلة لجين التي يناشدها أن تعود(ص51) وتظل أحلامه الوردية البريئة تؤرق مضجعه(17)إلى أن تموت تلك الأحلام وتصبح جثثا (18)ثم يعود الشاعر يصحو من جديد يأمل أن تعود الحياة من جديد(19)ولن تحيى نفس الشاعر دون الحب الذي يتحدى كل الحواجز التي تعترضه(20)يموت ويحيى وكأنه بين مد وجزر(21)

يطرح الشاعر الكثير من التساؤلات التي لا تفضي إلا إلى الذهول من هذا الواقع الذي يشهد تناقضات كثيرة حيث يرفع قيمة القواد ويحط من قيمة الشريف(22): هذا زمن أغبر ارتفع القوادون به وانحطّ الشرفاء، وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نستنجد بأمجاد الماضي علّنا نفهم ما يدور في الحاضر(23):وامعتصماه واعمراه واقدساه

في حضرة الحب والحبيب تذوب الكلمات تتوارى خلف سحب العشاق فيقف الشاعر حائرا أمام قوة الحب وقدرته على التغيير، يحاول أن يقيد الحب وينسى أن الحب لا يقبل قيدا أو شرطا ولا يطرق بابا بل يدخل دون استئذان (24):

واعشق الحب دون نسيان عقل
وترفع عن التذلل شانا
واعتدل في الهيام من دون همّ
إن سحر الجنون في حب دانا
كن أبيا على لواعج عشقٍ
واعشق الروح ساميا تتسانى

الشاعر من خلال قصائده في النصف الأخير من هذا الديوان يسمح لنفسه أن يعيش حالة حب ويطلق لنفسه العنان لتخرج الطاقة الهائلة التي تمتلكها من الحب والعطاء، لكنه يعود ليجلد ذاته بأن يستعرض الواقع الأليم وما فيه من سواد أعظم بعد كل قصيدة حب. وبالتالي يتضح أن الشاعر يعيش حالة من عدم الاستقرار العاطفي بين الحب والفرح والحلم وبين جلد الذات لهذا الحب وتقريعها باستعراض كل صور الألم والمعاناة والشهيد والدم والجوع والخيانة رغم أنه أشار لهذه القضايا في نصوصه التي تضمنها الجزء الأول.

في لحظة ما تظن أن الشاعر لا يجرؤ على البوح بحالة الحب الفردية التي ربما عاشها أو تعايشها فتجده يهرب منها وإليها ثم في النهاية يسد كل باب يمكن أن يطرح تساؤلات عن تلك التجارب بأن يصب كل هذا الحب في قصائده الأخيرة في محبوبته فلسطين (ص104)"من التي أهواها":

سألوك من هذي التي تهواها؟
ومن التي قد قلت ما أحلاها

ليجيب في آخر القصيدة:

هذي فلسطين التي أهوى الهوى
من أجلها وأعيش لا أنساها
يحاول الشاعر التحرر من كل القيود والتجلي في حالة من العشق المتمرد في قصيدته (118) "آخر الليل":

يا امرأة من غيم شتوي
وصلاة خطيئة
أحتاج إلى عينيك كثيرا
كي أرضع من عينيك العسل الخمري

لتظن مرة أخرى أن الشاعر استطاع أن يمتلك تلك القوة والشجاعة لمواجهة الحب والموت معا فإذا به يطفئ هذا الحب بل يقتله من جديد في نصه "انطفاءات" (ص121):

أنا طقس هذا الموت
إنذار التآمر
ناقوس القيامة
لا روح في عيني
لا قمر يضيء شوارع الأمل البعيد
ولا امرأة
كي أنداح في شفتين من نعناع
فأصير في الأوجاع ماء مطفأة

الديوان في 127 صفحة من منشورات المركز الفلسطيني للثقافة والإعلام

(1)ص6 "مرايا الليل"، (2) ص7"كلماتي"، (3) ص9"الأمركة" (4) ص11"الأمركة" (5)ص13"الأمركة" (6) ص14"ارفع رأسك" (7) ص15"خيانات ذوي القربى" (8) ص16"ارفع رأسك" (9) ص17-19"صرخة" (10) ص20-23"بيان ربيعي" (11) ص25"يا قدس" (12)ص27"دنيا" (13) 29"أماه" (14)30-32"مرايا الليل" (15) 33-34 "إلى متى" (16) 38-41 "ذات وطن" (17) ص58-60"يقظة"،ص61-62"قصيدتان" (18) (ص63)"المحال" (19) ص64"صحو" (20) ص65"سؤال" (21) ص67"حلم" (22) ص72"لو" (23) ص73 "واعرباه" (24) ص68 "في حضرة الحب"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى