الأحد ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٦
في اللغة:
بقلم فاروق مواسي

هَـلَُمّ جرًّا!

هلم جرًّا:

المقصود في هذا التعبير بلغة اليوم استمرار الأمر واتصاله، نحو:

«وقس على ذلك»،

أو «وعلى هذا المنوال»

نقول مثلاً:

«أخذ يطالع الكتب في المكتبة، فقرأ الأغاني والعمدة والغِربال وهلم جرًا.»

(هلمَّ)- تبقى غالبًا كما هي في خطاب المفردة وفي المثنى بنوعيه والجمع بنوعيه، وقد وردت في الذكر الحكيم ...والقائلين لإخوانهم هلم إلينا- الأحزاب، 18.
كما وردت هلم شهداءكم- الأنعام، 150، وهي في خطاب الجماعة.

إعراب:

هلمَّ: اسم فعل أمر بمعنى أقْبل أو أحضِر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت،
شهداءَ- مفعول به منصوب (لأن اسم الفعل يعمل عمل الفعل)، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.

لكن هناك من جعل (هلم) فعل أمر، فللمؤنثة خاطبوها:(هلمّي) وللمثنى (هلمّا) وللذكور (هلمّوا)، وللإناث (هلمُمْنَ).

(هلمَّ) نقولها لكل من نخاطب، وهي الأفصح.
هي بمعنى الدعاء، فقد تكون لازمة، وقد تكون متعدية كما لاحظنا أعلاه في الآيتين الكريمتين.

نلاحظ كذلك أنه قد يُتوصل باللام فيها، نحو: (هلم لك)- كقولك (هَيتَ لك).

أما (جرًّا) فهي منصوبة على أنها مصدر (= مفعول مطلق)، أو على أنها حال، وهذا قياس قولنا "جاء عبد الله مشيًا" أو "أقبل محمد ركضًا" والمعنى "ماشيًا" و "راكضًا".

أعود بكم إلى المراجع القديمة لنرى بدايات "هلم جرًا"، وأقتبس من (مجمع الأمثال) للميداني (المثل 4593):
"قال المفضّل: أي تعالوا على هِينتكم كما يسهل عليكم، وأصل ذلك من الجرّ في السَّوق، وهو أن تُترك الإبل والغنم ترعى في سيرها".

كما روي استخدام عائذ بن يزيد اليشكري للجملة، فقال من أبيات له ردًا على أخيه:

وإن جاوزتُ مُقفرة رمت بي
إلى أخرى كتلك هلمَّ جرّا

ورد في اللغة (من جرّائك) من معنى الجر والسحب، وليس المقصود في ذلك أو في (هلم جرّا) الجر الحسي، بل هو في معنى التعميم أو المتابعة والاستمرار.

من الاجتهادات في اللغة أن (هلم) هي بمعنى تعال، وهي مركبة من (ها) التنبيه، وقد حذفت ألفها، ومن "لُمَّ" نفسك إلينا.

قال صاحب لسان العرب:

"وقولهم : "هلم جرا" معناه : على هينتك .
وقال المنذري في قولهم:" هلم جُرّوا " أي تعالوا على هينتكم كما يسهل عليكم من غير شدة ولا صعوبة .

وأصل ذلك : من الجر في السَّوق، وهو أن يترك الإبل والغنم ترعى في مسيرها".

نلاحظ أن ما أورده (لسان العرب) لا يدل تمامًا على لغتنا اليوم التي نقصد بها التكرارية والاستمرارية للفعل، بل نحن لا نستخدم "هلم جرّوا"، فذلك من غريب اللفظ.

من ابتكارات الصديق الشاعر سميح القاسم اللغوية أنه كرر "جرًا"، فقد قرأت له في صحيفة "كل العرب"- وعذرًا لعدم وصولي للنص- أنه وهو يعدّد كتب: وهلم جرّا جرًا، وربما جعلها ثلاثًا.
أشكر من يزودني بالمصدر، حتى أضيف ذلك في الجزء الثاني من كتاب "قطوف دانية في اللغة العربية".

بعض الكتّاب يكتبون الكلمتين معًا= هلمّجرّا.

لم أجد في كتابات الإملائيين ذلك، ولكني لا أرى في الدمج خطأ، وذلك من منطق المتابعة والاستمرار، وكأنه يريد أن يستمر، وألا يفصل حتى بين الكلمة والكلمة.

بالطبع، فهذا اجتهاد لك أن تقبله ولك أن ترفضه.

معلومة:
لم يستصوب ابن هشام التعبير (هلم جرّا) لأكثر من سبب، إلا أن اللغويين ردوا عليه بالدلائل على أنه لغة سليمة، وفي هذا نقاش لا طائل وراءه، لأن التعبير قائم، وكل إلغاء له لا يجدي، فليعد الراغب في ذلك إلى المظانّ، منها "الأشباه والنظائر" لابن هشام، وكذلك في هذه المادة المدروسة في موقع ألوكة


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى