الذكرى العاشرة

للمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات

، بقلم أمينة شرادي

الثقافة في مجتمعنا تعاني التهميش واللامبالاة وكل من ينهل من منبعها تحمل ذاته آهات وأوجاع وأحيانا دموع، لكنه يستمر ويعاند الصمت المطبق على الفكر والروح والجسد. لأن الانسان بلا ثقافة مجرد هيكل عظمي يمشي على الأرض ويتوالد بشكل حيواني. الفن أو الأدب يسمو بالروح ويهذب النفوس ويبني العقل. وما الأمم المتحضرة سوى نتاج سياسة بناء الانسان الذي يعمل على الحفاظ على ذاكرته من خلال إنجازاته الفنية والأدبية والعلمية. وتبقى المهرجانات السينمائية فسحة يطل منها كل المهتمين أو العاشقين لهذا الفن على تجارب فنية مختلفة وابداعات متعددة. قد تكون هاوية أو محترفة لكن الابداع يظل ابداعا بغض النظر عن الصفة. والمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات قد أبان عن هذه الحقيقة حيث تخرج من بين دفاته مخرجين هاوين لا يملكون إمكانيات كثيرة لكنهم يحملون عشقا لهذا الفن وقراءة مختلفة لأعمالهم. واستطاعوا بإبداعاتهم الهاوية أن يصلوا الى المهرجانات الوطنية الخاصة بالمحترفين بل تجاوزوا الحدود الى الخارج والمشاركة في المهرجانات الدولية للهواة والحصول على جوائز مثل المخرج الهاوي " حسين الشاني" الذي حصل على الجائزة الأولى بمهرجان سطات عن فيلمه "وأنا"، استطاع تبوؤ مرتبة جيدة خلال مشاركته في المهرجان السينمائي الدولي للهواة بتونس واستطاع الحصول على الجائزة الثالثة. وهنا يختفي الحد الفاصل بين الهواية والاحتراف. وفي ظل هذه الإنجازات المهمة التي تساعد كل عاشق أو حامل لهذا الهم الجميل والنائم بين ثناياه أن يخطو بخطوات رصينة في عالم الصورة المبهر، تحتفل جمعية الفن السابع بسطات بالذكرى العاشرة للمهرجان الوطني لفيلم الهواة، ذكرى ثقيلة بالذكريات التي تحمل بين طياتها إنجازات عميقة منها ما تحقق بكل سلاسة ومنها ما صادف من عراقيل مادية ومعنوية ومع ذلك ترك بصمة قوية تأثر بها كل زائر أو مشارك أو مدعو.

فكان فضاء يحضن بين ذراعيه كل عشاق سينما الهواة الباحثين عن أرض صلبة تعترف بإبداعاتهم واهتماماتهم السينمائية والفنية بعيدا عن كل أشكال العراقيل المادية والمعنوية التي تحبط آمال وأحلام كل هاوي وكل هاوية. فكانت البداية وكانت الكلمة، وفي البداية كانت سينما الهواة الذي بنيت أولى أسسه بمدينة سطات 2007. وكان طموحه ورغبته في تحقيق فضاء حقيقي لكل الهواة جعله يتبوأ مكانة مهمة على الصعيد الوطني وتعترف به لجنة الدعم كأحد المهرجانات الجادة والسائرة بكل جد ومسئولية في زمن انفتحت الأبواب للجميع بدون انتقائية ولا توجه ثقافي من طرف الجهة المسئولة عن هذا القطاع. حصل بذلك المهرجان على دعم مالي مهم من طرف لجنة دعم تنظيم المهرجانات وجعل من المنظمين والساهرين عليه أن يضاعفوا جهودهم في بناء مهرجان هاوي مستقل له توجهه الثقافي وهدفه السينمائي الواضح. وكان لحضور "ذ. نورالدين الصايل" خلال الدورة الرابعة في حفل الافتتاح، إشارة قوية تدل على قيمة المهرجان الفنية والثقافية واعترافا بما أسدله وسيسدله في سبيل نشر وعي بأهمية الصورة وعلاقتها بكل العلوم والفنون الأخرى. بعد كل هذه الإنجازات والأحلام والإشارات القوية، تغيرت الأمور بشكل مفاجئ ونهجت سياسة القتل البطيء بحيث خلال الدورة الموالية، نقص في دعم المهرجان من طرف لجنة الدعم، وتساءل الجميع عن هذا التناقض الغريب. كيف نجازي من يعمل بشكل جدي وله سياسة عمل واضحة وتوجه ثقافي يمشي عليه ويساهم في بناء الانسان، بخلق عراقيل واهية تدفع الى الإحباط. وهذا ما حصل أيضا خلال السنة الموالية الأخرى، نقص جديد في الدعم كأن هناك من أزعجه حضور المهرجان القوي في الساحة الوطنية وخاصة تفوق من حازوا على جوائز في مهرجانات وطنية أو دولية وصار له كيان ينافس به. لكن يتضح أنه في مجتمعنا نرفض السياسة الواضحة والعمل المستقل والتوجه الثقافي من أجل بناء مجتمع يفكر ويعرف ما يريد. كان دعما مسموما أثر على السير العادي للمهرجان، وفي المقابل فتح الباب أمام ملتقيات تافهة لا مضمون لها فقط تجمعات للأكل والحديث الطويل. وتبقى السينما آخر ما يفكرون فيه. وتوالى القصاص من دعم المهرجان كأن هناك من يقصد ذلك لأن المهرجان الوطني للهواة بسطات قوته في برنامجه الواضح وتوجهه الثقافي وبدليل أن عدد كبير من من مروا من هنا أو حصلوا على جوائز، أصبحوا يشاركون في مهرجانات محترفين وهناك من تجاوز الحدود وفاز كالمخرج "حسين شاني" بفيلمه "وأنا" بالجائزة الثالثة بالمهرجان الدولي لفيلم الهواة بتونس "لقليبية" سنة 2013. وهو الآن يقوم بكتابة سيناريوهات لأفلام قصيرة محترفة. بالإضافة الى المخرج الهاوي «محمد الودغيري" الفائز بالجائزة الأولى بمهرجان سطات الوطني عن فيلمه "دمى" واستطاع بعدها المشاركة في مهرجان تونس الدولي للهواة والحصول عل الجائزة الثانية سنة 2014. القيمة الفنية والسينمائية لهاتين المشاركتين، دفعت إدارة المهرجان الدولي التونسي أن يدعم سنويا مشاركة الأفلام المغربية التي تشارك بالمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات، وأصبح بذلك لسينما الهواة المغربية تواجد وحضور بمهرجان قليبية. وهناك من اتخذ من السينما كمهنة وانفتحت أمامه آفاق أخرى في التصوير أو الإخراج كالمخرج "محمد مونة" الذي أصبح يعمل كمساعد مخرج ثم انتقل الى الإخراج التلفزي. والذي سيكون من بين مؤطرين محترفات المهرجان خلال هذه السنة. والمخرجة أمينة السعدي، الفائزة بالجائزة الأولى خلال الدورة الأولى من المهرجان. وهي تعمل الآن كمخرجة مساعدة وتعمل على اخراج أول شريط طويل لها. قفزة نوعية حققها المهرجان ووصل صداه الى خارج الحدود، لكن غياب سياسة واضحة تمشي عليها كل المهرجانات وخلق توجه ثقافي يحترم من طرف الجميع من أجل معرفة الهدف من هذه المهرجانات التي تتوالد بشكل طفيلي وبدون هدف، وتوالي الضربات غير المفهومة التي تلقاها مهرجان سطات لفيلم الهواة، دفع بمنظميه أن يبذلوا جهدا مضاعفا حتى يظل المهرجان وفيا لروحه الثقافية وتوجهه واستقلاليته. فبقي قائما رغم كل العراقيل، يجدد لقاءه مع كل العاشقين لسحر الصورة. حتى أنه قيل من طرف المشاركين بأن مهرجان سطات تحول الى محطة مهمة على الصعيد الوطني وهو الذي يعطي جواز المرور الى الوطني أو الدولي نظرا لجديته برنامجه وتنوعه وعمله الدؤوب.

فجاءت هذه السنة، تحيي الذكرى العاشرة بكل آهاتها وآمالها وطموحاتها من أجل غد أحسن يعطي للعمل الفني والسينمائي قيمة حقيقية وتوضع سياسة واضحة الملامح تدفع بكل ما هو ثقافي الى الصدارة. لأن الاهتمام بالثقافة هو اهتمام بالإنسان.


أمينة شرادي

قاصة من المغرب

من نفس المؤلف