الأحد ١٢ آذار (مارس) ٢٠١٧
بقلم عادل القرين

أطراف الذاكرة..

هكذا خلفنا الطين بين ظهراني الحقيقة لوهلةٍ كانت بدايتها الفرحة، وختامها المنون فوق أعتاب الذكرى!

نعم، فقد أنجب جدي: موسى بن محمد بن علي بن أحمد بن علي القرين (رحمه الله) ذريته المعهودة في (أحمد، خاتون، زينب، موسى، علي، حبيب، عبد الله، الملا عبد رب الرسول)
من نسوة ثلاث (العربي، الحصار، المعيوف)، وإخوته (علي، عيسى، آمنة أم علي المعيوف، محمد، جاسم، لولوة أم خميس الحجي).

وتفرع من أصولهم وفروعهم الكثير الكثير بالهفوف، والمبرز، وبلدة الشعبة، والكويت والعراق وغيرها بمسميات عدة لمسمى العائلة: القرين، والقريني (الحيّاچ/ الحياك)، وبن قرين، وابن قرين.

الشاهد من الأمر: كان بعضهم يعمل بالحياكة، والغوص، وطلب العلم والخطابة ونحوها من التوجهات والعلوم الأخرى.. حيث ما زالت مجالسهم عامرة بالطيب والريحان طيب الله أرواحهم الزاكية الزكية، وأطال الله في عمر البقية الزاهية بالصحة والعافية، والرزق الوفير، والصراط المستنير.

ليأتي مجهر العمر على بعضٍ منهم في حياتي، فعلى سبيل المثال لا الحصر عمتي خاتون (رحمها الله)، على كبر سنها تحفظ القصص بشكل عجيب ورهيب، إذ كُنا نلتف حولها كعقد من اللآلئ النفيسة التي صاغتها أيادي البركة، وحاكتها روح القداسة بالتهاليل.. ولعل شباب جيلي ومن يكبرني ويصغرني يتذكرون جيداً ترحيبها السلسبيل الرقراق:
" هلا بالشيوخ "، ومن خلفه أبوذية مُحفزة، ومفردات مبنية على طور السجع..

كانت ( رحمها الله ) تسرد القصة كمقاطع مشوقة جداً، وتُنهيها عند حبكة ختامها الدهشة بفاصلةٍ منقوطة لليوم الآخر مُقسمة إياها على مُدة تنقلها وإقامتها بين بيوتات أعمامي وأهلي بالفريج الشمالي..

وكأننا أمام شاشة سينمائية مُعنقة بألوان الطهارة والتجربة والإيثار عبر تقاسيم وجهها المُتعب!
فتارة تقص عن الشجاعة والأمانة والصبر والعرفان، وتارة أُخرى تُأدلج أسماء قريبة منها بأسماء غريبة أُخرى ترتضيها هي للجذب والتأثير.. إلى أن أوجعها القدر لرحيل بكر والدها (أحمد) عام ١٤٠٦هـ ، وعلى إثر وفاته ( رحمه الله ) أسدل الحُزن جلبابه على رأسها.. فغدت تتحدث عن طفولتها وأُسرتها، وجمال الحياة في ذلك الحين بشكلٍ مغتضبٍ، وافتقدنا مداد الأصالة والزوار حينها!

من هُنا أُقلب أطراف المآقي على سفح الخدود لرحيل عميد الأسرة المرحوم العم: موسى (رحمه الله )، وأغدق عليه من الرحمات الجزلة، والمستفيضة بالمكرمات والسبع المثاني..
أجل، عاش يتيم الأم، وطأطأت أذيال ركاب مواجعه مرة أخرى بموت نجله الأكبر الشيخ يوسف، وكذلك كريمته بدرية (رحمهما الله)..

ولك أن تتصور من أوجعه الدهر، وأرهقه الزمان إلا بالصبر والرضا، والحمد للملك الديان.
ولكن الله عز وجل عوضه الخير الكثير بمن سهر عليهم، وتكفل برعايتهم، وتجشم العناء لأجلهم في كل حدبٍ وصوبٍ بالعائلة..

فواحُزني على من أردفنا فوق حصيره الخوص بحكمة الأمثال، وجميل سرد الحسب والنسب..
فواحزني على من كان همه الوصل والتواصل رغم كبره وعجزه لآخر نفسٍ..

وكأنني أنظره الآن ماثلاً أمامي مع شريك عمره بالسيرة والمسيرة المرحوم ابن العم: محمد بن علي القرين (أبو عبد الهادي) عند (الفوتق/ الدردحانه) ينتظرون من سوف يُوصلهم للتعزية أو التبريك غير مُباليين بحرارة الشمس ورطوبة الأجواء!

وكأنني الآن أُناجي أدراج ذاكرتي، وهو يُصلح (السدوة) مُترنماً (بمزراق) المراثي والآثار،
وعمي علي يدعو من داخل (الديوانية بعصاته المتفطرة)، والمرحوم العم: جاسم بن محمد الجاسم (يدولب الغزل المنسوج بالضحكات)!
فأيُّ مشلحٍ زينه سمتك، وجمال مبسك، وشفافية روحك يا عمي موسى؟!

فمن ذا لا يعرف حجّي موسى (أبو يوسف)، فصباحاته الديمومة بين الحيدرية والقيصرية، وظهيرته بطرق كل أبواب (الحمولة) للسلام عليهم والاطمئنان على أحوالهم.. بإسداء النصيحة لهم بأسلوب فكاهيٍ محببٍ للصغير والكبير.

أأخاله جالساً بطرف المجلس يوزع البركة ويُمناه المُرتعشه للزمن..
أم أرومه مُتربعاً بجلسة المتواضع الزاهد حد الدهشة أمام خالته وجدتي؟!

كلامه لا يُقارن، وسلامه لا يُنسى بيننا..
فالرحمة والبركات على روحك التي ترفرف فوقنا بأجنحة العصافير، وهديل الحمام، وزغب الملائكة..

حتى أنني قلت له ذات مرة: أليس من المفترض أن يأتيك الصغير لا العكس؟!
فتتبسم وتمتم بلهجته الأحسائية الأصيلة: (أنت ما تبي الأجر يا ولد أخويه)؟!

من المؤسف حقاً أننا لا نُدرك فقد العظام إلا بعد أن يتوسدوا الثرى، فواحزني على أنفسنا!!

لينعطف بي الطريق على ابن جدي وجدتي حبيب (أبو توفيق)..
فقد مات والده وله من العمر اثني عشر سنة، وعمي علي (سلمه الله) عمره أربعة عشر سنة،
حيث تدرج الوالد (رحمه الله) بالعمل من حائكٍ إلى مهنة البناء، ومن ثم النجارة حيث افتتح ورشة التوفيق للموبيليا بالهفوف، وتدرج بعدها بذبح الذبائح والطبخ للولائم والأعراس، وكذلك الترنم بمدائح وأهازيج (الجلوات)، ومن ثم فكر وقرر بتشييد مجلس القرين بالفريج عام ١٣٩٧هـ وقام برعايته طوال أيام حياته..

لتكون الخاتمة تزعمه لحملته " حملة القرين " للحج والعمرة من بداية عام ١٤٠٢هـ حتى عام ١٤١٨هـ.

فقس على ذلك ما تحمل هذه الذاكرة من ذكريات للحج إلى قبيل انتهاء الحملة برحيله (رحمه الله) من مشقة ووعورة درب الحجاز بطبخ كبسة الربيان المُجفف، ويوميات الحجاج والزوار هناك بــ (التوبيس الأصفر الغير مكيف، والمرسدس/ اللوري لحمل العفش، والسوابر ذات الخبابات الملونة، والأشرعة والأعلام )..

مروراً بالمدينة ومسجد الشجرة والعنبرية، وكذا مكة ودحلة الجن، ومنى وعرفات ومزدلفة، ومدة الحج في ذلك الزمن 25 يوماً.

فالرحمة والبركات على من ذكرتهم ومن لم أذكرهم، فمن أراد الطوال والتوسع بالقول والمقال،
فليترفق بورق إصداري الثالث "عصا موسى وبحر ذكرياتي "
فله ما يُريد من الغنائم المترفة بإذن الله تعالى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى