الاثنين ٨ أيار (مايو) ٢٠١٧
بقلم حسين سرمك حسن

قارب الموت والظمأ العظيم(7)

"حياة ساعة " تحليل قصّة "الساعة"

"إنّ الساعة هي ضريح كل الآمال والرغبات"

"وليم فولكنر"

رواية "الصخب والعنف"

في قصّة "الساعة"، ينقلنا القاسمي إلى مركز موضوعة مهمّة فلسفياً ونفسيّاً، وتتمثل في علاقة الإنسان بالزمن من خلال رجل يعرّفه الراوي في السطر الأول من القصّة بأنّه:
(الغرابة مجسّدة في رجل) (ص 261).

والرجل هو استاذ يصفه الراوي الذي هو بدوره زميل له كأستاذ بكلّية الآداب، بأنّه يجمع المتناقضات في عقله (يدرّس الأدب الإنكليزي، ولكنّه خبير في التراث العربي القديم).. كلماته رموز، وعباراته ألغاز بعيدة المرامي.. غريب الذوق والسلوك والهوايات. لكن الأهم من بين كل خواصّه الغريبة هو ليس إيمانه بأنّ الوقت له قيمة ساميّة، فهذه بديهية عامّة ومتفّق عليها، وليس في الشعار الذي يرفعه: "لولا الوقت، لما صار الإنسان إنساناً"، فهو شعار فلسفي اشبعته الفلسفة بحثاً ودراسة، لكن الغرابة، كلّ الغرابة، تكمن في "التنفيذ".. أو في "السلوك" العملي الذي اعتمده هذا الرجل الاستاذ في التعبير عن إيمانه بهذه الحقيقة الكبرى. فعلاً، يمكن تعريف الإنسان الذي هو حيوان اجتماعي بأنّه "حيوان يشعر بسطوة الزمن".. أو "حيوان يحسب الوقت". لكن أن يحمل المرء ثلاث ساعات في آن واحد: ساعتان يدويّتان: واحدة في كل معصم من معصميه، وثالثة ساعة جيبيّة في جيب قميصه القريب من قلبه، وأحياناً يحمل بضع ساعات أخرى في بقيّة جيوب بذلته، فهذه هي الغرابة بعينها. هنا يتحوّل الأمر – وهذا حال كلّ سلوك مُفرط من حيث الكم أو النوع أو كليهما – إلى سلوك يُفحص بعين مدقّقة تحاول استكشاف دوافع هذا السلوك "العصابيّة".

لقد لاحظ الراوي - أوّلاً - سمة الإفراط في التعامل مع موضوعة الوقت والالتزام به في كلّ شيء. كان هناك إفراط في الكمّ: باحة المنزل غاصّة بحشد غريب عجيب من الساعات القديمة والحديثة ينبعث منها خليط من الأصوات والدقّات والأنغام.. على الحائط – داخل الدار - ساعة شمسية كبيرة في حين أنّها لا تشتغل إلّا في النهار تحت الشمس.. ساعات رمليّة.. بقيّة الجدران مكتظّة بالساعات الحائطية من مختلف الأنواع والأحجام والأشكال.. نافورة البيت ساعة.. فناجين القهوة ساعات.. عشرات الساعات الجيبية معلقة بالحائط.

أمّأ الإفراط في النوع فسوف يتعلّق بالوظيفة. فمن الواضح أنّ الساعة تقيس الزمن، وتضبط حركتنا الحياتية مقسومة على الزمن. وحين تختل وظيفتها فإنها تتحوّل إلى "مرجع" متسيّد ونحن خدمه أو عبيده إذا جاز التعبير. هذا هو جوهر السلوك العصابي، وجوهر سلوك الاستاذ "سيدي محمّد". فهذا الانهمام الهائل بالساعات يعكس مخاوفه الدفينة من أن "يفلت" الزمن منه، وأن تختلط عليه شؤون حياته حين تفلت منه أداة ضبطها.

حتى علاقاته الإنسانية صارت "تُضبط" من خلال العلاقة بالساعات. فقد توثّقت علاقته بالراوي حين تأكّد له أنه يحترم الوقت، وأنّه لم يُفلت اي نأمة انتقادية يوجهها نحو سلوكه هذا.

وليس عبثاً أنّ يعيش هذا الرجل وحيداً، فهؤلاء المعصوبون "الطبيعيون" قلّة في الحياة، من الصعب أن يجدوا في محيطهم طيوراً تقع على أشكالهم!

ولا يتصوّرنَ أحدٌ من السادة القرّاء أنّ سلوك هؤلاء يعكس التماسك النفسي والقوّة الشخصيّة، هذا ما يطفو على السطح الظاهر، أمّا في الأعماق، في مجاهيل لاشعورهم، فهم مرعوبون مما هو معاكس. الزمن ليس رفيقهم بل هو عدوهم.. وعدوّهم الأوحد. إنّهم "مخصيّون" بالتعبير التحليلي النفسي الدقيق. مخصيّون وجوديّاً في مواجهة سلطة الزمن الذي هو الممثل الشخصي الذي لا يعرف الرحمة ولا المهادنة، للموت. ولهذا فإنني أعتقد أن القاسمي لم يضع هذه القصّة ضمن قصص مجموعته التي تتناول موضوعة الموت لأنّ "بطلها" يموت في النهاية، ولكن لأنّها معالجة عميقة لموقف الإنسان النفسي والعقلي من الموت ممثلاً بالزمن، ومحاولته المراوغة في الالتفاف على سطوته، وآلياته النفسية الدفاعية في السيطرة على القلق الناجم عن ضغوطه وتهديداته.

لقد "ضبط" هذا الرجل حياته وفق حركة "الساعات":

(وبمرور الزمن، اكتشفتُ أنّ حياة الأستاذ سيدي محمّد تتحكّم فيها أجراس ساعاته. فجرس يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرس يُقرع ليدخل الحمّام.. وخامس يُجلسه على مائدة الفطور... وسابع ينبّهه إلى الخروج في اتجاه الكلّية) (ص 265).

بعض الأشخاص يلجأون إلى أسلوب نفسي دفاعي بوجه القلق المشتعل في نفوسهم، فيغوصون في تربة هذا الاسلوب، ويصبح دفاعهم طريقة حياتهم. تقول القاعدة النفسية الرائدة التي طرحها علي بن ابي طالب: (إذا هبتَ شيئاً فقعْ فيه)، وهي قاعدة علاجيّة سليمة مازال علماء السلوك يستخدمونها في علاج الرهابات والمخاوف الشديدة بطريقة "الغمر – Flooding"، وذلك بأن تُلقي الفرد الذي يحاصره الخوف ويعطّل حياته في أتون مصدر الخوف نفسه بلا معالجات تمهيدية.. وقد رمى سيدي محمّد نفسه في بحر عذابه.. في دائرة مصدر قلقه ومخاوفه..ولكنه لم يخرج منها حتى الآن.. استمر يسبح في دوّامتها منشغلاً بها عن كلّ شيء في حياته، ضابطة إيقاعها، ومتحكّمة بها. لقد حدّدت هذه الآلات الجامدة (لكنّها حيّة فاعلة بالنسبة له) حتى قدراته التكيّفية ومهاراته الإجتماعية، فصار متزمّتاً، متيبّساً، آليّاً، مفتقداً للمرونة في العلاقات الإجتماعية ومحدودها. وها هو يعيش وحيداً بلا اصدقاء.. وبلا زوجة. يعلّق الراوي على عزوبية سيدي محمّد بالقول:

(ليس هناك امرأة تستطيع العيش مع جميع تلك الساعات الدقّاقة) (ص 265).

ولكنّ الحقيقة هي أنّ سيدي محمّد ليس كفئاً للزواج، فقد "أخصاه" الزمن، وجعله لولباً في ساعته الكبيرة المُخيفة بالنسبة له.

وكما قلت في موقف سابق فإنّ صراعاتنا النفسيّة يمكن أن تكون مسؤولة عن الكثير من اشكال الإبداع والتفرّد والإنشغالات المثمرة. مثل الشخص الذي يحمل دوافع ساديّة عالية جداً، تجد أنه من الممكن أن يكون مجرماً سيكوباثياً يقتل بلا ندم، ولكنه يمكن أن "يصعّد" هذه الدوافع، فيصبح ملاكماً عالمياً، أو قائداً عسكريّاً جبّاراً، أو طبيباً جرّاحاً فذّاً. وفي كل هذه المهن "يضرب" و"يحطّم" و"يمزّق" وحتى "يقتل" بمباركة جمعيّة وتحت أغطية قانونية.

والأستاذ سيدي محمّد "صعّد" جانباً من قلقه ومخاوفه المُعطّلة، من خلال الانشغال العلمي بمسألة الزمن والساعات في محاولة يائسة لكنها "مُنتجة" للسيطرة عليه. لقد بحث في المعرفة الدقيقة للعرب القدماء بالوقت في حين كان الراوي يعتقد بأنهم لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم لأن بعيرهم لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم (ص 265). لقد أغناه بمعلومة أنّهم خصّصوا اسماً لكلّ ساعة من ساعات الليل والنهار، وعرض أمامه اسماء ساعات النهار الإثنتى عشرة بطلاقة حسده عليها الراوي وهو استاذ ايضاً. وتمتد معرفته إلى أدق الأمور التي نعتقد أنّها لا صلة لها بالوقت مثل "فنجان" القهوة الذي أشار إليه الراوي تهرّباً من الحديث عن الساعات مع زميله المولع بها، فما كان من سيدي محمّد إلّا أن ردّ عليه موضحاً:
(إن كلمة "فنجان" كانت تُلفظ "بنكان". واستُعملت كلمة "بنكان"، في التراث العربي، لتدلّ على نوع من الساعات ذات الآلات الميكانيكية. والفنجان الذي ترتشف منه القهوة الآن يقوم بالوظيفتين: فعندما تنتهي من شرب قهوتك، تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقته في الشرب!) (ص 264).

والأهم من ذلك كلّه هو هذه الحماسة الشديدة لأهمّية الزمن في حياتنا الشرقية والعربيّة السائبة والمنسابة، والتي تجلّت في تعامله التربوي مع طلبته كي يُدركوا معنى أن يحترم الإنسان الزمن فيحترم إنسانيته:

(لقد وصل أحد الطلّاب الجُدد إلى قاعة الدرس متأخراً عشر دقائق. ولمّا لم يكن يعرف الأستاذ ولا الطلّأب، فقد طرق الباب وسأل الأستاذ:

- هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد؟

- لا، فدرسه بدأ الساعة الثامنة.

هكذا أجاب الأستاذ بشكل طبيعي.

انصرف الطالب الجديد خائباً، ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنّه علم، بعد ذلك، أن الأستاذ سيدي محمد قد لقّنه الدرس الأول بصورة لا تُنسى، وفحواه: احترمْ المواعيد، تقيّد بالوقت، فالوقتُ من ذهب) (ص 261).

لكن الإعاقة النفسيّة تظل كامنة في الداخل.. في الأعماق.. مكتومة ولكن لائبة. ويتشارك الراوي – ممثّلاً للقاص – بقدر من هذا الانهمام الحسّاس. وأقول ممثلاً للقاص بعد أن فرغنا من موضوعة "موت المؤلف". ومن الضروري أن أؤكّد أنني لا أقصد بممثليّة الراوي للقاص أن يكون معبّراً عن حياة الكاتب الشخصيّة، ولكن "جزءاً" مخلوقاً ومُخلّقاً من لاشعوره، يمرّر من خلاله مخاوفه وصراعاته من ناحية، ورؤيته إلى الحياة من ناحية أخرى. ولا يمكن أن تتجلّى هذه الصلة بين القاص والراوي بصورة دقيقة بأكثر من المواقف التخييلية (الفنتازية أو الغرائبية) التي يصطنعها الراوي. فلا يوجد راوٍ يأتي إلى القاص ليخبره بنهاية هذه القصّة الغريبة التي يتوقّف فيها الزمن، ويطلب منه أن يكتبها نيابة عنه. هذه النهاية من تخييل القاص طبعاً وحتماً. لقد مرض الأستاذ، فتوقّف الزمن من أجله.. توقّفت عشرات الساعات التي كان يمتلىء بها المنزل عن قرع أجراسها. يتحالف الزمن – ممثل المُثكل – مع الإنسان الذي وقف حياته عليه، وكأنّه يقف صامتاً حداداً على روح مَن خدمه وهو في طريقه إليه في نهاية "خدمته" له. قام القاص بـ "أنسنة" الزمن. صار الزمن ذا مشاعر تتعاطف ومدارك تقيّم:

(وعندما مرض الأستاذ كنتُ كثيراً ما أعوده، فأعجبُ لصمت تلك الساعات. لقد توقّفت عن قرع أجراسها، كأنّها تحرص على عدم إزعاجه. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهوراً ) (ص 265).
ولكن الزمان موجود قبل الأستاذ، وقبلنا، وسيبقى بعده، وبعدنا. إنّه تلك العجلة التي تطحن وجودنا بصمت.. إنّها تواصل – حسب "توماس مان" في رائعته "الجبل السحري" – عملها الصامت في داخلنا حتى لو فقدنا كلّ إحساس شخصي بها، حتى لو كنّا نياماً. إنّنا لا نستطيع أن نكون معلّبات محفوظة على الرف خارج دائرة الزمان، ومفعوله المدمّر. إنّنا نشيخ ونمرض ببكتريا لا علاج لها اسمها الزمان دون انقطاع. وهناك شهادة طبيب لا تقبل الدحض:

(إنّ صبيّة في الثانية عشرة من عمرها نامت فاقدة الوعي خلال ثلاثة عشر عاماً فوجدت عندما استيقظت أنها لم تعد بعد فتاة صغيرة بل امرأة شابة. فلئن دفن المريض نفسه حيّاً في مصحّ "الجبل السحري" حيث يملك دهراً من الوقت أي لا يملكُ ذرّة منه، ولا يشعر حتى بوجوده، فإن هذا العليل لا ينفكّ ينمو يشيخ، يشيب شعره وتنبت أظافره، ويتلف جسده رويداً رويداً. حتى ليهلع "هانس كاستروب" بطل الرواية، أحياناً، لبقائه منفيّاً، خارج دائرة الزمن (21).

وقد قام الأستاذ سيدي محمّد بعكس ذلك.. حاول أن يهرب من الزمن إليه، كي يغرق ذاته فيه، وكأنّه شكل من اشكال الرحم الأمومي الحامي يلجأ إليه، متوهّماً فيه الحماية، ناسياً أنّ عجلة هذا الزمان التي تشتغل ساحقة وجودنا، حتى ونحن نيام، لا تعرف صاحباً ولا صديقاً. وإذا تذكّرنا هذا القول: "إنّ الساعة هي ضريح كل الآمال والرغبات" الذي سمعه "كونتن" بطل رواية "الصخب والعنف" من والده وهو يعطيه الساعة التي ورثها عن جده، فذلك لأن الزمان الذي هو أصل الفناء هو في الحساب الأخير الذي يخنق جميع أحلامنا وتمنياتنا ويجعلها ألاعيب عابثة، وباطلاً لا معنى له. وهو في خاتمة المطاف الذي يحكم على جميع مشاريعنا ومساعينا وأعمالنا بالإخفاق. كما أنّ مجرد الشعور به يأسٌ وتربةٌ عقيمة لا ينبت فيها خير، ولا يورق رجاء. إنّه طريق الزوال. من يختبره يعش مأساة الموت، الذي هو النهاية الحنمية البلهاء لكل اهتمامات، ومشاغل الإنسان.

لكن الساعة تقيس الزمن الخارجي، الذي لا ينسجم ولا يتلاءم مع واقعنا الداخلي، لذلك فإن والد كونتن يقول له إنّه يعطيه إيّاها – الساعة -:

"... لا لكي يذكر الزمن بل لكي ينساه" وبالفعل فإن الساعات تكذب دائماً، والمعايير التي تقدمها لنا هي صورة خاطئة عن الوقت الحقيقي، تخدعنا عن طبيعته، تبعدنا عنه، وتنسينا إيّاه. إنّها تتيح لنا أن نعيش على سطح أنفسنا ضائعين في مجرى الأمور الاعتيادية، والأحداث الخارجية بعيداً عن الأعماق الدفينة، حيث نعاني ذلك الزمان الداخلي الأصيل، الذي هو علّة كل داء، والذي عبثاً ما نحاول قهره، فقد حُكم علينا بالهزيمة في هذه الحرب غير المتكافئة معه، في هذا الصراع اليائس الأحمق الذي نستخدم فيه كل قوانا وجهودنا سعياً وراء نصرٍ، ما هو – كما يقول فولكنر – سوى: وهم من أوهام الفلاسفة والمجانين) (22).

وقد هرب سيدي محمّد من زمنه الداخلي إلى الزمن الخارجي، لكنه لم يُفلت من قبضته، إنغمس إلى أذني وجوده في ملاحقة عقارب وأجراس وبناديل ساعات الخارج، ونسي تماماً تلك الساعة الأبديّة الداخلية التي تقرض جزءاً من وجوده مع كل نبضة من نبضاتها.

وقد تكون عودة ساعات المنزل إلى قرع أجراسها المتواصل بعد موت سيدي محمّد في ختام القصّة بعد صمت حدادي طويل دام شهوراً، إشارة من الكاتب إلى احتفائها المؤسي برحيل من كان يعرف قيمة زمنها في مجتمع لا يحترم الزمان ولا الوقت ولا ما يضبطهما، ولكنّه أيضاً إعلان عن انتصار الزمن، وسطوة المُثكل الساحقة، والبدء – أو الاستمرار العزوم – بجولة من الشوط السرمدي الذي بلا بداية ولا نهاية، مع "ضحيّة" أخرى قد تكون الراوي الصديق أو نحن:
(وذات يومٍ، هاتفني خادمه العجوز يستدعيني إلى منزله على عجل.

أسرعتُ إلى المنزل. ودخلتُ غرفة نومه. كان مُسجّى على فراشه، وقد فارق الحياة، وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكل متواصل) (ص 266).

رحل الأستاذ، وبقي الخادم الأصمّ الذي اعتاد على مجريات حياة الأستاذ المُنظّمة التي ضبطتها الساعات بحيث أنّه لم يعُد في حاجة إلى قراءة شفاهه لمعرفة تعليماته ! نعم.. ولا أعرف كيف هاتف الخادمُ الأصمّ الراوي ؟! كيف سمع رنّة الهاتف، وكيف عرف أنّ الراوي رفع السمّاعة، وبماذا أجابه. المهم، رحل الأستاذ، وظلّ الخادم الذي سوف يلحقه بعد زمن من دون الحاجة إلى ساعات.. و:

لا بُدّ للإنْسانِ من ضَجعَةٍ
لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنبِهِ
يَنسى بها ما كانَ مِن عُجْبِهِ
وَمَا أذاقَ المَوْتُ من كَرْبِهِ
نحنُ بَنُو المَوْتَى فَمَا بالُنَا
نَعَافُ مَا لا بُدّ من شُرْبِهِ
تَبْخَلُ أيْدينَا بِأرْوَاحِنَا
على زَمَانٍ هيَ من كَسْبِهِ
فَهَذِهِ الأرْوَاحُ منْ جَوّهِ
وَهَذِهِ الأجْسامُ مِنْ تُرْبِهِ
يموت راعي الظأن في جهله
ميتة جالينوس في طبّه ِ

ولو تنبّه السيّد القارىء إلى نهاية القصّة لوجدها انعطافة صارخة عن مسار حكي الحوادث الواقعي المتسلسل، فهي قفزة غرائبيّة (يمكن أن تقع ضمن إطار الواقعيّة السحريّة).. لكنّها انعطافة مُنضبطة. وسمة الانضباط هذه يجب أن نؤكّد عليها كثيراً، فقد شطح كتّاب الواقعية السحريّة بفنّهم، وانفلتوا بخيالهم حتى صارت بعض النصوص تشبه ما يحصل في أفلام الكرتون المُخصصة للأطفال.

وقبل أن أختم وقفتي مع هذه القصّة لا بُدّ أن أكشف هاجساً ظلّ يلحّ عليّ وأنا أمضي مع مسارها حتى النهاية، هذا الهاجس يرتبط بالعنوان، فقد أطلق القاسمي على حكايته هذه اسم " الساعة " في حين كان الأدقّ – ظاهريّاً – هو أن يستخدم مفردة "الساعات" أو "ساعات" مادام الراوي يتحدّث عن شخص يتعامل في منزله وحياته مع عشرات الساعات من مختلف الأنواع. لم تكن هناك ساعة واحدة محدّدة ومميّزة تدور حولها القصّة. وأغلب ظني يتجه نحو ذكاء القاص الذي استخدم "الساعة" بهذه الصورة التي نحتفظ لها برهبة ومهابة في وجداننا، "الساعة" بمعنى يوم قيامتنا الشخصية، وساعة رحيلنا التي لا تتعطّل ولا تُحسب ولا تُعرف متى تتطابق حركة عقاربها، "الساعة" الأكثر دقّة وانضباطاً من كلّ "الساعات".

ساعتي وساعتك وساعة القاص وساعة الراوي.. وساعة سيدي محمّد التي دقّت لها أجراس جميع الساعات.

القصّة التي تمّ تحليلها:

الساعة

د. علي القاسمي

الغرابة مجسَّدةٌ في رجل.

التقيتُ به بعد أن التحقتُ أستاذًا بكلِّيَّة الآداب. كانت عيناه تشعّان ذكاءً لا يُفصِح عنه فمُه، فقد كان قليل الكلام، كثير الصمت.

لم أحتَجْ إلى طويلِ وقتٍ، لتلتقط أُذناي ما كان يتهامس به زملاؤه عنه. كانوا يقولون إنّه غريب الأطوار، غريب الأفكار، غريب الذوق والسلوك والهوايات، يصعب على طلابه أن يفهموه بسهولة. كلماته رموزٌ، وعباراته ألغازٌ بعيدةُ المرامي. يجمع المتناقضات في عقله، وتلتقي الأضداد في شخصه. يدرِّس الأدب الإنكليزيّ، ولكنّه خبير في التراث العربيّ القديم. كان مثل طيرٍ متميِّزِ اللون، يحلِّق بعيدًا عن السرب فيأعالي السماء.

وصل أحد الطلاب الجُدد إلى قاعة الدرس متأخِّرًا عشر دقائق. ولمّا لم يكُن يعرف الأستاذ ولا الطلاب، فقد طَرقَ الباب وسألَ الأستاذَ:

ـ هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد؟

ـ "لا، فدرسه بدأَ الساعة الثامنة." هكذا أجاب الأستاذ بشكل طبيعي.

انصرف الطالب الجديد خائبًا، ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنَّه علم، بعد ذلك، أنَّ الأستاذ سيدي محمد قد لقَّنه درسه الأوَّل بصورةٍ لا وفحواه: احترمْ المواعيد، تقيَّد بالوقت، فالوقتُ من ذهب.

فالوقت، بالنسبة للأستاذ سيدي محمد، مقدّس ذو قيمةٍ ساميةٍ، تكاد تعادل قيمة الدرس أو تسمو إلى مرتبة الأستاذ نفسه، وكأنّه يِؤمن بمقولة: "لولا الوقتُ، لما صار الإنسان إنسانًا ". ولهذا لم استغرب حمله ثلاث ساعات في آنٍ واحد: ساعتان يدويَّتان: واحدة على كلِّ معصم من معصمَيه، وثالثةٌ ساعةٌ جيبيّةٌ في جيب قميصه القريب من قلبه. وأحيانًا، يحمل بضع ساعات أُخرى في بقيَّة جيوب بذْلته. ولعلَّ سلوكه هذا هو الذي دعا زملاءَه إلى وصمه بتهمة الغرابة.

توثقتْ علاقتي بالأستاذ سيدي محمد بعد أن تأكَّد له أنّني أحترم الوقت وأنّني أفهم أو أتفهّم النزر اليسير من أفكاره التي باح بها إليّ. وهكذا اطمأنَّ إليَّ وزادت ثقته بي، فدعاني ذات يومٍ إلى منزله لتناول الشاي معه.

داهمتني الدهشة والعجب عندما دخلتُ منزله، وبذلتُ جهدًا كبيرًا لإخفاء مشاعري، فقد خشيتُ أن أُسيء إلى مضيّفي إنْ ظهر الاستغراب على وجهي. كانت باحة المنزل غاصَّةً بحشدٍ غريبٍ عجيبٍ من الساعات القديمة والحديثة التي ينبعث منها خليط من الأصوات والدقّات والأنغام. ففي وسط المنزل كانت ساعةٌ مائيّةٌ تحتلّ مكان النافورة. عرفتُها من أسطوانتها المملوءة بالماء، والآلة المجوفة الطافية على الماء،والكرات الصغيرة التي تسقط واحدةٌ منها كلَّ ساعةٍ في طاس، فتحدث طنينًا يُعلِن عن انقضاء ساعة.

وفي أعلى الحائط المقابل نُصِبتْ ساعةٌ شمسيّةٌ كبيرةٌ. وهذه الساعة مؤلَّفةٌ من عودٍ خشبيٍّ مغروزٍ في الحائط، تسقط عليه أشعة الشمس، فينتقل ظلُّه على لوحةٍ من الأرقام المخطوطة على الحائط لتحديد الوقت. وعلى جانبَي تلك المزولة، عُلّق على الجدار إسْطُرْلابان كبيران، أحدهما نحاسيّ والآخر فضيّ، لا أدري كيف حصل عليهما، لأنّني لم أَرَ إسْطُرْلاباً قطّ في أسواق هذه المدينة التي أعرفها منذ سنوات عديدة. وبينما كنتُ أفكِّر أنَّ الساعة الشمسيّة والإسْطُرْلاب لا يساعدان على معرفة الوقت إلا في النهار المشمس، لمحتُ على منضدةٍ في زاويةِ باحةِ الدار ساعةً رمليّةً مؤلَّفةً من قارورتَيْن زجاجيتَيْن كبيرتَيْن مُتَّصلتَيْن بعنقٍ صغيرٍ، وقد مُلِئت القارورة العُليا بالرمل، في حين خُطَّتْ على القارورة السفلى خطوطٌ وأرقام، وأخذتْ ذرّات الرمل تتسرَّب من القارورة العليا إلى القارورة السفلى من خلال العنق، ليشير الحدُّ الذي يبلغه الرمل المتجمِّع إلى الوقت.

وكانت بقيّة الجدران مكتظَّةً بالساعاتِ الحائطيّةِ من مختلف الأنواع والأحجام والأشكال: ساعة حائطيّة ببندولٍ طويلٍ يتدلّى منها ويتراقص يمينًا وشمالًا، وساعة حائطيّة رقّاصها على شكل طير يزقزق الدقائق ويُطلق صيحات بعدد الساعة، وساعة حائطيّة تنفتح من وسطها بين ساعة وأُخرى فيخرج منها تمثالُ رجلٍ صغيرِ الحجم ليعلن الوقت بصوتٍ أجشَّ ثُمَّ تنغلق عليه.
شعرتُ أنّني ينبغي أن أقول شيئًا، لأُخفي أمارات الاندهاش التي سيطرت على وجهي، فرسمتُ ابتسامةً على شفتَيَّ وقلت:

ـ هوايةُ جمع الساعات رائعة.

بدتْ لي عبارتي سخيفةً ولا معنى لها في ذلك المقام، فأردفتُ قائلاً:

ـ منزلك أشبه ما يكون بمتحفٍ متخصِّص.

قال دون أن ينظر إليّ:

ـ الساعة أروع ما اخترعه العقل البشريّ. ويعود الفضل لأجدادنا العرب القدماء.
وهنا حاولت أن أقول شيئًا ذكيًّا ينمُّ عن إلمامي بتاريخ الساعات، فلم يحضرني إلا العبارة التالية:

ـ أتقصد بذلك الساعة الدقّاقة التي أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى شارلمان، ملك الإفرنج، فأفزعتْ حاشيته؟

قال:

ـ لا أقصد بالساعة الآلة أو الأداة، وإنّما الوحدة الزمنيّة. فالعرب البائدة من السومريِّين والبابليِّين والفراعنة هم الذين توصَّلوا إلى تقسيم الزمن إلى سنواتٍ وفصولٍ وشهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعات، عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم، وتقسيم الزمن الذي تستغرقه في كلِّ دورةٍ من دوراتها.

دخلنا صالة الجلوس فوقع نظري على لوحةٍ خشبيّةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الجدار، وهي تحمل اثنتي عشرة ساعةً جيبيّة. وكانت بقية الجدران مكسوَّةً بالساعات الحائطيّة المختلفة؛ والطاولات في الغرفة مليئةً بالساعاتِ المنضديّة المتنوِّعة. وكانت دقّاتها تختلط في سمفونيَّةٍ غريبةٍ من الأصوات، والأنغام، والإيقاعات.

لم يكُن خادمه العجوز موجودًا ذلك اليوم، فذهب بنفسه إلى المطبخ لإعداد فنجانَين من القهوة. واغتنمت الفرصة لإلقاء نظرةٍ على لوحةِ الساعات الجيبيّة المعلَّقة على الحائط. كانت تشتمل على اثنتي عشرة ساعة جيبيّة، كما قلت. وكلُّ ساعة كُتب تحتها اسم مدينة من مدن العالم ابتداء من الشرق إلى الغرب، بحيث يكون الفرق ساعةً واحدةً بين كلِّ مدينة وأخرى: طوكيو، كوالالمبور، بانكوك، إسلام آباد، دلهي، مكة، طرابلس، تونس، الجزائر، الدار البيضاء، إلخ.

عاد الأستاذ يحمل صينيّةً وفيها إبريق القهوة وفنجانان كبيران. ولمّا وضعها على الطاولة، لاحظتُ أنّ أحد الفنجانين يحمل رسمًا لساعةٍ فيها ثلاثة عقارب ملوَّنة.

لم أشأْ أن أسأله عن سرِّ الساعات الاثنتي عشرة وعن فائدتها له وهو مختصٌّ بالأدب الإنكليزيّ وليس بالجغرافية. وحاولتُ أن أصرف المحادثة عن موضوع الساعات التي لا أعرف عنها كثيرًا، إلى موضوعٍ آخر كالقهوة التي أعدُّ نفسي خبيرًا في شربها، فلم أوفّق إلا إلى قولٍ سخيفٍ آخر:

ـ هذا فنجان لطيف على شكل ساعة.

وإذا به يقول:

ـ إن كلمة "فنجان"كانت تُلفظ "بنكان". واستُعلمت كلمة "بنكان"، في التراث العربيّ، لتدلَّ على نوعٍ من الساعات ذات الآلات الميكانيكيّة. والفنجان الذي ترتشف القهوة منه الآن يقوم بالوظيفتَيْن. فعندما تنتهي من شرب قهوتك تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقتَه في الشرب.

لم أدرِ ما أقوله له، ووجدتني أشيح بوجهي عنه، وإذا بعينَيّ تسقطان على طاولةٍ قريبةٍ منا، وعليها سبع ساعات يدويَّة لها الحجم نفسه والشكل نفسه، أو هكذا تبدَّتْ لي تقريبًا. وألفيتني أسأله بشيءٍ من نفادِ صبرٍ:

ـ وما فائدة اقتناء سبع ساعات يدويّة من نوعٍ واحدٍ، كتلك الساعات المرتَّبَة على الطاولة؟
أجاب بهدوء أقرب إلى الرتابة، كأنَّه يلقي درسًا كرَّره مرارًا:

ـ إنّها ليست من نوعٍ واحد. فالأولى تعمل باللولب، والثانية تعمل بالبطارية، والثالثة بحركة اليد، والرابعة بنبض المعصم، والسادسة بالطاقة الشمسية، والسابعة بحركة الهواء. أضف إلى ذلك، أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تقوم بتنبيهي إلى أمرٍ مختلفٍ، بنغمةٍ مختلفة.

قلتُ له، كأنني أنتقد بصورةٍ غير مباشرة هوسَه بالوقت:

ـ ظننتُ أنّ أجدادنا العرب القدامى لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم، فبعيرهم في الصحراء لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم.

قال مستغرباً قولي:

ـ على العكس تمامًا، كانت معرفتهم الدقيقة بالوقت تعوّض عن ضعف وسائل الاتصال والمواصلات عندهم. وكان من حرصهم على الوقت أنَّهم خصّصوا اسمًا لكلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار. فأسماء ساعات النهار الاثنتي عشرة، مثلاً، هي: الذرور، البزوغ، الضحى، الغزالة، الهاجرة، الزوال، الدُّلوك، العصر، الأصيل، الصبوب، الحُدُور، الغروب.

سردَ تلك الأسماء بطلاقةٍ متناهيةٍ، حسدتُه على خفَّةِ لسانه فيها.

كانت الساعات المختلفة الجداريّة والمنضديّة والجيبيّة واليدويّة تقرع، بين آونة وأُخرى، أجراسًا وجلاجل متباينة الأنغام، متنوِّعة الإيقاعات. وبمرور الزمن، اكتشفتُ أنّ حياة الأستاذ سيدي محمد تتحكَّم فيها أجراسُ ساعاته. فجرسٌ يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرسٌ آخر يقرع ليدخلَ المغطس في الحمام ويستلقي في مائه الدافئ المريح، وجرسٌ آخر يُخرجه من الحمام، وخامسٌيُجلسه على مائدة الفطور، وسابعٌ ينبّهه إلى الخروج في اتّجاه الكُليّة. وجلجلةٌ خفيفةٌ من إحدى ساعتيْه اليدويَّتَين تسترعي انتباهه إلى التوجُّه إلى قاعة الدرس، وجلجلةٌ من الساعة اليدوية الأُخرى تذكّره بانتهاء الحصّة، وهكذا دواليك.

توثَّقتْ صداقتنا حتّى أخذتُ أقترب من تفكيره، وأمسيتُ أقرب الناس إليه. ولم يُثِرْ استغرابي كونُه يعيش وحيدًا، فليس هنالك امرأةٌ تستطيع أن تعيش مع جميع تلك الساعات الدقّاقة. أمّا خادمه العجوز، فقد اكتشفتُ أنَّه مصاب بالصمم، وأنَّه اعتاد على مُجرياتِ حياةِ الأستاذ المنظَّمة بحيث إنّه لم يَعُدْ في حاجةٍ إلى قراءة شفاهه لمعرفة تعليماته.

وعندما مرض الأستاذ كنتُ كثيرًا ما أعوده، فأُعجبُ لصمت تلك الساعات. لقد توقّفتْ عن قرع أجراسها، كأنّها تحرص على عدم إزعاجه. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهورًا.

وذات يومٍ، هاتفني خادمه العجوز يستدعيني إلى منزله على عجل.

أسرعتُ إلى المنزل. ودخلتُ غرفة نومه. كان مسجّى على فراشه، وقد فارق الحياة. وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكلٍ متواصلٍ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى