الشراع الغارق في ليل الغربة

، بقلم جورج سلوم

وجاء الليل وأشاحت الشمس بوجهها عن أرضنا...واشتعلت عيون القطط البرية مستعدّة للصيد...وأسلم الغزال ساقيه للريح في مطاردة محسومة النهاية...موتٌ وذبيحة.

وفي هدأة القبور وبردها كانت الديدان تأكل الأجساد تحت الأكفانِ الرّطبة.....موتٌ وجيفة ْ.

وفي الأجواء عبرتِ الطائراتُ فوق المحيط.. فأصبح البعيد قريباً....عبورٌ وصلواتٌ عابرة.
وما زالت أمواج البحر تتمايل تحت ثقل المراكب التي تعجّ باللاجئين...فمن لم يمتْ بالرّصاص مات غرقاً...

لا تغيبي عنا يا شمس..فبحضورك لن أشعلَ الشموع..التي أصبحت غالية الثمن!

وفي ذلك الليل...تسلّل العرق من جسدها الدافئ تحت اللحاف الثقيل..تحت رحمة الوطء الذليل...فتحٌ وآهاتٍ دفينة.

لقد طال حبسك خلف القضبان يا قلبي...انبضْ خلف الضّلوع الخائفة...خفقانك لم يعدْ كما كانْ...وموجي يا دمائي في سرير شراييني المتكلّسة..

في شرقنا الحزين أصبح للقلوب المرتجفة إيقاع ٌخاص يعجّ بالهلع والرّعب...وفي الشرق بيعت المسبيّات كغنائم حرب...

عندما غنّت أم كلثوم رائعتها -أقبل الليل- كنا نطرب ونهيم في أحلامنا الوردية..والآن إن -أقبل الليل - يستوحشنا الخوف وتقضّ مضجعنا عفاريت الرّعب..فالليل قتلٌ وخطفٌ ونهبٌ واغتصابْ..والليل ألمٌ ووحدة ٌ وإرهاب ْ...

وفي الملهى الصّاخب غرّد المغنّي -ياليل- وعرقت الكؤوس الدائخة وتمايلت الرؤوس الفارغة...فتضوّر بطن الجائع ينشد خبز الكفاف في زاوية الحيّ...

وسمع الجميع صوت الرّصاص وقُتل أحدهم..وكان دمه أسود في الليل...كمدادِ أديبٍ يكتب كلماتٍ فارغة على ضوء الشموع ولن يقرأها أحدٌ ولو جاء النهارْ.

الضّجيج في كل مكان..ضجيجُ المحرّكات والقنابل وضجيج البكائين في الجنازات اليومية...وضجيج الحجّاج حول قدس الأقداس...وبكاء الأطفال في مخيمات الجوع...صخبٌ في كلّ مكان وطنينٌ في الآذان...وتعبٌ في المفاصل واسترخاءٌ في العضلات..اكتئابٌ وسواد وخوف...ومستقبل مجهول بظهر الغيب...

حكاياتنا باتت قصيرة ونهايتها معروفة...فتنتهي الولادة بالموت والزواج بالطلاق ومن خرج من بيته لا لن يعود..وإن عاد فمحمولٌ ومسجّى..حتى العصافير باتت ترفض الخروج من أقفاصها..فالسّجن على أقل تقدير أسلم من حرية الغابة.

المنفى هو الحلّ..والهروب خيرٌ من مواجهة القدر...فالغربة دار بقاء والوطن دار شقاء..وقيل لا تعجب من وقوع الأقدار ما دمتَ في هذه الدار ْ.

وعند ذلك الشاطئ المطلّ على الغرب تكدّست الحقائب..بين جموع المهاجرين..عيونهم الجافة تنتظر السرابْ..قد يأتي شراعٌ من بعيد فيحملهم نحو المجهول..أو تلفظهم الأمواج فيعودون الى شاطئ الوطن جيفاً بين الرّمال..

آه أيها البحر المتوسط كم أكلتَ من لحومنا..أسماكك اعتادتْ على تمزيقنا أشلاء...بينما كانت تطوفُ فوق الماء تذاكرُ الهوية العربية وجوازات السفرالمفعمة بالأعلام والشعارات والصور الشخصية..وتنحلّ أختامها الزرقاء في مياه البحر وكأنها لم تكن ْ..
وزغردت بعض النسوة:

هاهو شراعٌ يلوح في الأفق المظلمْ..

وقبض الأب على يد ابنه الصغير..وقال مبتسماً:

أرجو أن تكون قد قضيت حاجتك من البول حتى لا تلوث مياه البحر!!!

وتمتمَ الفتى الصغير:

لماذا رسموا على الشراع جمجمة وعظمتين؟

لماذا نسافر في الليل فقط؟

أنا أحبّ النهار يا أبي...أحب الشمس..أريد أن أرى أمواج البحر الزرقاء وليست السوداء..أحب أن أداعب طيور النورس وهي تحوم حول قاربنا..أما في الليل فقد تكون بوماً أو غرباناً تنهشنا..
وسافر الشراع..وغرقت ألعاب الفتى في القاع...

واختلفت جرائد الصباح حول عدد الغرقى وجنسياتهم..وهاج البحر وفغر فاه وقال:
هل من مزيد؟