الأحد ١٤ أيار (مايو) ٢٠١٧
بقلم حسين سرمك حسن

قارب الموت والظمأ العظيم(8)

تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة "أوان الرحيل" للدكتور علي القاسمي (8)

"الهروب إلى الموت"

تحليل قصّة "المشاكسة"

(إن لدى الإنسان رغبة دفينة في الندم تسبق الشر، بل وتخلقه.. وإن عطر الندم ليقودنا نحو الشر كأنه حنين إلى بلاد أخرى)

(إميل سيوران )

مع كلّ قصةّ من قصص مجموعة القاسمي هذه أتذكّر لازمة سيّدة الحكّائين شهرزاد التي تقولها في الذروة المبهجة لكلّ حكاية:

"وجاء مفرّق الجماعات وهادم اللذات"

وهو الموت.. الحيّ الذي لا يموت.. يأتي دائماً في لحظات الإنجاز والنشوة والبهجة القصوى، وكأنّه عقاب يحلً بنا. ألهذا تحذّر كل الأديان من الفرح المُفرط والمزاح المنتشي ؟! ألهذا ندعو الله إلى أن يجعل ضحكنا خيراً، وكأن المُثكل يقف لنا خلف الباب يحسب علينا لحظات فرحنا وانفلاتات سعادتنا؟

وفي قصّة "المُشاكسة" يصف القاص حالة "فاطمة" العائدة من مدرستها الثانويّة إلى منزلها، وهي تشعر بسرور واعتزاز، فقد جاء ترتيبها الأوّل بين زميلاتها. وها هي تتصوّر فرحة أهلها الغامرة بنتيجتها الباهرة، فترتسم البسمة على شفتيها (ص 267)

ولكن هل يختار لاشعورنا طرقاً نعاقب فيها أنفسنا على الإنجاز الذي نحقّقه وكأنّه إثم اقترفناه؟

للتحليل النفسي كلام طويل عريض في هذا الشأن قد يجرّنا بعيداً عن فاطمة التي قرّرت الآن تنفيذ رغبتها في الذهاب إلى معهد اللغة الإسبانية في وسط المدينة قبل أن تذهب إلى أهلها لتبلغهم بالبشارة! تريد أن تتعلّم لغة إضافية.

تتمّ فاطمة إجراءات التسجيل في المعهد، لكنها لا تعود بالحافلة لتبلغ أهلها بالبشارة التي ينتظرونها، بل تقرّر أن تقطع المسافة سيراً على الأقدام! أغواها الجوّ الرائق، والسماء الصافية، في ذلك اليوم الربيعي المُشرق. تورّد خدّها بنظارة الشباب. الحافلة ستحرمها من متعة المشي في المدينة الزاخرة بالناس والحركة والحياة. شعرت بسعادة غامرة... لكنّها أحسّت أنّ شخصاً ما يسير خلفها.. يتبعها.. يسير إلى جانبها، ويدعوها إلى مرافقته لقضاء وقت جميل.

لا تدري كيف تجيب على كلامه. لم يعلّمها أحد كيف تردّ، وتناقش ذَكَراً غريباً. فهي أنثى.. فتاة.. وعلى الأنثى أن تحذر دائماً من الذكور، وأفضل سبل التعامل مع الذكور الغرباء هو "الهروب". ولو راجعنا أغلب أدبيّات علم النفس وعلم الإجتماع لوجدناها ترى في السلوك الهروبي "دعوة" للمتحرّش للإيغال في سلوكه المؤذي، وتؤكّد – بالمقابل – على المواجهة.. مواجهة تقوم بها الفتاة المُتحرّش بها للشخص الذي يتحرّش بها من خلال نظرات رادعة أو كلمات حادة توقفه عند حدّه، أو بتهديده، أو الاستغاثة بالشرطة، أو بمن حولها من الناس، أو... أو الكثير من السلوكيات التي تُشعر المتحرِّش بالرفض الحازم، وبقوّة الضحيّة، لا باستكانتها وانرعابها. وكل هذه السلوكيات التهرّبية هي ما تُدرّب عليه الأمّهاتُ بناتهن عندنا طلباً للستر!!

وهذه فاطمة (لا تعرف كيف تجيب على كلامه).. كلام الشخص الذي تحرّش بها، وتذكّرت فوراً أنّ أمّها نصحتها بعدم الإجابة في مثل تلك الحالات، لئلا يجرّ الرفض إلى ردّ فعل سيّء!!
ولأنها لم تلتفت، ولم تتكلّم، ولم تردّ على الدعوة التحرّشية بأي كلمة وتظاهرت بأنّها لم تسمع شيئاً، فإن دائرة التحرّش قد انفتحت بما إنّ طلب المتحرّش لم يُرد عليه و "يُغلق" بصورة نهائية. بل على العكس مما يجب أن يحصل، أمعنت فاطمة في سلوكها الهروبي، ليصبح فراراً حركيّاً فعليّاً حين أسرعت في مشيتها أملاً في التخلّص من هذا الغريب المُشاكس، لكنّه بدوره – وهذا ما هو متوقّع – أسرع في مشيته، يسبقها ويسدّ عليها الطريق. يقول شيئاً غاضباً بصوتٍ عالٍ لا تفهمه، بسبب الخوف الذي يستحوذ عليها (ص 268)
وهنا، يقدّم القاسمي صورة لأعلى اشكال المهانة واحتقار الذات والإنرعاب من الحياة التي تربّي العوائل بناتها كأناث عليها، وهي الهروب من معضلات الحياة إلى الموت!! ففقدان الإحساس بالكفاية الشخصية وهشاشة الإرادة أو غيابها وعدم التعوّد على المواجهة منذ الطفولة ؛ الهروب – وهذا أقسى النتائج التي تثير الغثيان – من تحمّل مسؤوليّة الذات نفسها، يجعل الفتاة تشعر بأن عليها أن تلعب دور الضحيّة الكاملة الذي لا ينتهي عادةّ إلّا بموتها:

(دون أن تتفوّه بكلمة، تجد نفسها تستدير بصورة مفاجئة، وتندفع من الرصيف في اتجاه الجانب الآخر من الشارع، لتتخلّص من هذا الشخص المشاكس. في تلك اللحظة تصل سيّارة مسرعة، تدهسها وسط الشارع) (ص 268)

ولا أدري كم سيكون وقع الخاتمة مؤثّراً لو توقف القاص عند هذا الحدّ بلا هذه الإضافة النهائية التي تأتي كاستطالة بعد الموت:

(تسقط فاطمة أرضاً مضرّجة بدمائها. أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت..)
ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن الخواتيم التفصيلية تُضعف المفاجأة التي بطبيعتها "مفاجأة" كضربة سريعة موجزة ومباغتة.

ذيل إحصائي مخيف:

وقد كشفت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة حكومية في المغرب، في الآونة الأخيرة، أن 40.7 في المئة من الشابات في المغرب بين 18 و24 سنة تعرضن للعنف بما فيه العنف الجنسي والتحرش.

كما دُهشتُ، بل صُدمتُ لتقرير بثّته الـ BBC عن وجود (26) ست وعشرين ألف حالة تحرّش جنسي بالأطفال في المغرب سنويّاً.

القصّة التي تمّ تحليلها:
المشاكسة

د. علي القاسمي

تستقلُّ فاطمة حافلة مدرستها الثانويّة عائدةً إلى منزلها، وهي تشعر بسرورٍ واعتزاز. فقد وزَّعت إدارة المدرسة نتائج الفصل الدراسيّ. جاء ترتيبها الأوَّل بين زميلاتها. تتصوّر في مخيَّلتها فرحة أهلها بالنتيجة الباهرة. تتردَّد في ذهنها عبارات التشجيع التي سيغدقونها عليها. ترتسم بسمةُ المسرَّة على شفتيْها.

تراودها رغبةُ الذهاب إلى معهد اللغة الإسبانيّة في وسط المدينة قبل أن تعود إلى المنزل، لتنخرط في دروس تعلّم اللغة الإسبانيّة، فقد شجعتها نتيجتها الجيّدة على ادّخار بعض الوقت لتعلّم لغة إضافيّة. تنزل من الحافلة بالقرب من المعهد. سرعان ما تتمّ إجراءات التسجيل. تغادر المعهد وعلامات الرضا باديةٌ على تقاطيع وجهها الجميل المفعم بالحيويّة.

المسافة بين المعهد ومنزلها لا تستغرق أكثر من عشرين دقيقة سيراً على الأقدام. الجوُّ رائقٌ، والسماء صافيةٌ، في ذلك اليوم الربيعيّ المُشرِق. النسيم المنعش يلامس وجهها فيتورّد خدّاها بنضارة الشباب. تبدو لها شوارع المدينة زاخرةً بالناس والحركة والحياة. واجهاتُ المحلات التجاريّة مملوءةٌ بالمعروضات المُتنوّعة من الألبسة الأنيقة، والمأكولات الشهيّة. تشعر بسعادةٍ غامرة. يخطر في بالها أنّ حافلة المدرسة تحرمها من متعة المشي في المدينة.

فجأةً تحسُّ أنّ شخصاً ما يسير خلفها، يتبعها. يتبادر إلى ذهنها أنّ ذلك لا يعدو أن يكون محض مصادفة. لا يستغرق الأمر طويلَ وقتٍ ليتأكَّد إحساسها، إذ يسرع ذلك الشخص ليسير إلى جانبها، يخاطبها، يدعوها إلى مرافقته لقضاء وقتٍ جميلٍ معاً.

لا تدري كيف تجيب على كلامه. تتذكّر أنّ أُمّها نصحتْها بعدم الإجابة في مثل تلك الحالات، لئلا يجرّ الرفض إلى ردِّ فعلٍ سيئ. تستمرُّ في سيرها، لا تلتفت ولا تتكلّم. تتظاهر بأنّها لم تسمع شيئاً. يواصل هو توجيه كلامه إليها. تسرع في مشيتها أملاً في التخلّص من ذلك الغريب المشاكس. لكنَّه هو الأخر يسرع في مشيته. يسبقها ويقف في وجهها سادّاً عليها الطريق. يقول شيئاً غاضباً بصوتٍ عالٍ لا تفهمه، بسبب الخوف الذي يستحوذ عليها.

دون أن تتفوّه بكلمةٍ، تجد نفسها تستدير بصورةٍ مفاجئةٍ، وتندفع من الرصيف في اتجاه الجانب الآخر من الشارع، لتتخلَّص من هذا الشخص المشاكس. في تلك اللحظة تصلُ سيّارةٌ مسرعة، تدهسها وسط الشارع.

تسقط فاطمة أرضاً مضرّجةً بدمائها. أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى