الثلاثاء ١٦ أيار (مايو) ٢٠١٧
بقلم حسين سرمك حسن

ليلة تسليم جلجامش لليهود (20)

وقفة: استيلاء على آراء الباحث الفرنسي "جورج رو":

على الصفحة 139 يقوم ناجح بتصحيح ما يراه فكرة خاطئة وقع فيها الدكتور أحمد كمال زكي في كتابه (الأسطورة) حين شبّه باتا، بموته وانبعاثه، بموت وانبعاث الإله دموزي، معتبرا إياه انسياقا وراء الدراسات الغربية عن الديانة في العراق القديم. ويقول ناجح إن الباحث "نائل حنون" قد اثبت – واعتمادا على النصوص المسمارية – بأن الإله دوموزي / تموز نزل إلى العالم الأسفل ولم يغادره (ص 139) (127).

وكملاحظة سريعة - لأن المجال ليس مناسباً هنا للرد على هذا الرأي المعقّد بصورة تفصيلية - أقول إن بعض الباحثين العرب قد استولوا على فكرتين طرحهما الباحث الآثاري الثقة، الطبيب الفرنسي (جورج رو) في كتابه (العراق القديم)، وهما:

- أن تموز ليس إلها للخصب وأن إنانا/ عشتار هي الأولى بهذا اللقب

- وأن الإله تموز من آلهة العالم الأسفل.

ولكن لا أحد منهم أشار إلى ملاحظتي هذا الباحث الفرنسي المسكين.

كما وجدتُ إشارة واضحة من المؤرخ المعروف "ول ديورانت" إلى كون الإله تموز هو من آلهة العالم الأسفل في الجزء الأول من كتابه "قصّة الحضارة". وسوف تكون لنا وقفة طويلة مستقلة مع هذه الأطروحات في مستقبل قريب بإذن الله.

الثور رمز لقوّة الإله الشاب وليس لتجدّده وانبعاثه:

في الشرح المطوّل عن تجليات العلاقة بين الثور والإله القتيل في الحضارات المختلفة يقول ناجح في أحد المواضع:

(ينطوي الثور المتناظر مع الالوهة الشابة / القتيلة في ديانات الخصب التي عرفتها بلدان الشرق الأدنى على دلالات عديدة ومتنوعة، ولكنها مع كل التنوع تظل ذات صلة فكرية مباشرة بالإنبعاث / والقوة وتجدد عناصر الحياة - ص 159) (128).

وفي موضع آخر يقول أيضاً:

(ويبدو واضحاً (...) الصلة الموجودة بين الاله امون والثور ورمزيته الكاشفة عن الاتساع الدلالي الجنسي والصلة المباشرة مع نظام الخصوبة وعقائد الانبعاث (...) كما يلاحظ في الاحصائية التي اشرنا لها التوزع بين الاشارات والعلامات الدالة على الجنس والعلاقة المباشرة مع التجدد والانبعاث والقوة، ومعاودة الحياة تجددها مرة ثانية - ص 166) (129).

وفي كلا الموقفين – وهذا ديدن الكثير من الباحثين في مجال الأسطورة – يعتبر ناجح الثور رمزا للإله القتيل ولعملية الموت والانبعاث. وأعتقد أن الثور هو من رموز القوة الجسدية والجنسية للإله الشاب، وليس من رموز موته وانبعاثه، فالإنسان البدائي كان يرى مثلا القمح والزهور والشجر تجف وتموت أو تُحصد وتقطع، ثم تعود للظهور والتجدد، ولكنه لم ير هذه الظاهرة في الثور، وحين ربطه بالإله الشاب فللتعبير عن قوّته الجسدية وكفايته الجنسية.

الإله تموز ثور أم أنثوي ناعم؟:

وارتباطا بالإنخصاء والخصيان يقول ناجح:

(ان الخصيان يكررون امام الام الكبرى دور الاله تموز الذي كان جميلا، غضا مؤنث الصفات، خاضعا لعشتار، مسلما لها قياده – ص 89).

أي أن الإله تموز – حسب حكم ناجح السابق – كان مؤنّث الصفات، جميلاً وغضّاً. ولكن ناجح سرعان ما يناقض نفسه حين يقول:

(وعرفت الحضارة العراقية القديمة الثور صفة للالوهة الشابة ورمزا للقوة والشجاعة وجسد نظام الخصب ايضا – ص 168).

فكيف نستوعب هذا التناقض؟

من جهة نسمع أن الإله تموز غض ومؤنث الصفات، ومن جهة أخرى هو ثور قوي شجاع بكل ما تعنيه مفردة "ثور" من ذكورة متدفّقة وقدرة إخصابية هائلة!! فكيف يجتمع النقيضان؟

ثم يمعن ناجح في مناقضة نفسه وأرباك القارىء حين يقول بعظمة لسانه أن الإله تموز كان ثورا قويّاً وفتيّاً:

(وكان الثور لقباً للإله الشاب السومري دوموزي / تموز، وهو كناية عن قوّته وفتوته – ص 157).
ولا يكتفي بذلك بل – وإمعاناً في إلغاء اي صفة أنثوية عن الإله تموز - ينقل لنا مقاطع من أناشيد عشتار وهي تتغزل بحبيبها الثور الفحل وتدعوه إلى أن يحرث فرجها:

(وقد اشارت الكثير من القصائد السومرية للثور دوموزي وخصوصا في نصوص الزواج المقدّس

تعبيرا عن طاقته الجنسية وقوته الفحولية
فرجي، انا الصبية من سيحرثه لي؟
فرجي انا، هذه التلة المنتفخة
هذه الارض الرطبة التي هي انا
انا الملكة من ذا الذي سيضع فيّ
ثيرانه للحراثة؟
ايها الثور الوحشي "دوموزي"
في وسط الحظيرة، دفق من اجلي
لبن ماعزك
اي دوموزي

اطلق سراحي ايها الثور الوحشي –ص 157 و158).

واذا كان الإله تموز أنثوياً غضّاً، فكيف نفسّر استعارة الملوك السومريين والأكاديين لاسمه في طقوص الزواج المقدّس الذي استمر لقرون طويلة؟!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى