إرْث

، بقلم مي محمد أسامة

يُقالُ إنّ هذهِ القصّة، من تراثِ الدّواجن. تناقلتها الألسُن جيلاً بعدَ جيل، حيثُ أصبحَ من النادر أن تجدَ حتّى فرخٍ لم يبلغ الحلم بعد، دون أن يكون ملمّاً بها أو أُلقيتْ على مَسامِعهِ عشراتَ المرّات

كُلّ يومٍ عندَ بُزوغِ الفجر، وأحيانا كثيرة قبل البزوغ، يخرجُ "بسطامي" ليبدأ صياحه. وعند استقرار شمس الضُّحى، يتحوّل لممارسة هوايته المفضّلة "التبختر والتباهي"؛ فيأخذ في نفش ريشه، وكأنّه الملك المتوّج على كلّ المكان. بسطامي في الواقع، كان شديدَ الإعجابِ بنفسه مُحبّا لها، وكان يتمنّى لو أنّه- بهذه الأبهة كلّها- ولدَ طاووساً، أو أقلّه صقراً.. لكنّ ما هو فيه، لا يُشجّعُ كثيراً على التذمّر، فالحالُ هنا، لا بأس به بالنسبة إليه.

بعد هذهِ الطقوس الصباحيّة الروتينيّة- وكما تُخبر الحكاية، يسرحُ بسطامي بتثاقلٍ في الحقولِ المجاورة لجمع الطعام؛ بقايا حبوبٍ هنا، دودٍ هناك، يحملها حينَ الانتهاءِ إلى الخُمّ، حيثُ تنتظر دجاجاته السعيدات.

دجاجاته السعيدات؟

نعم.. هو يحبّ أن يُطلق عليهنّ هكذا، لأنّهُ الديكُ الوحيدُ في كلّ تلك الأرجاء؛ ولأنّه، هو شخصيّاً من يقومُ بكلّ احتياجاتهنّ. من طعامٍ وسقاية وحماية من "المجهول"! لذا هنّ "دجاجاته". وسعيداتٌ حسبَ مفهومه القائل أنّه يوفّر لهنّ كلّ تلك الأشياء، دون أن يبذلن أدنى جهد، وأيضاً؛ دون السماح لإحداهنّ باجتياز حاجز الخمّ أبداً كعاملٍ وقائيّ لدرء "الخطر".

وعليه، كان بسطامي يمضي معظم أيّامه هكذا، وحيداً. لكن هذه الحقيقة، لم تُزعجه مطلقاً. صحيح أنّ فكرة قدومٍ ديكٍ آخر للمكان، ليكسر رتابة بعض الأيّامِ ومشاعر الملل فقط، داعبت أفكاره لمرّاتٍ؛ لكنّه غالباً ما كان يتراجع عن هذا الحمق، فلم يكُ يريد التعاطي مع ندٍّ غامضٍ بهذا الحجم المخيف. لذا، كانت مشاعر الطمأنينة تغمره كلّما أتى صاحب المزرعة لجمعِ البيض؛ كي لا يظهر ذاك الشبحُ من قلب بيته هو تحديداً.

حياةٌ تقليديّة لزمنٍ معقول، اعتاد بسطامي عليها بكامل الرضى. خسارتها، لم تكن ضمن توقّعاته أبداً. وكيف يخسرها وهو الآمن في مملكته؟

شتاءً أو ربيعاَ، صيفاً أو خريفاً لا فرق، هيّ الأيّام، وهو بسطامي، الديكُ الأعظم في تلك المزرعة.

تقول الحكاية، بعد هذا اليوم بالذات، مرّت أربعة أيّام. بعض الديوك العجائز يقولُ: خمسة، لكن من المؤكّد، أنّها مجرّد أيّام قليلة فقط مرّت إثر ذاك اليوم العاديّ- السعيد!

بسطامي، كان واقفاً على السور الخشبيّ المتآكل، متباهياً منفوخ الصدر. كانت شمسُ الربيعِ الدافئة تنعكس على ريشه المحمرّ فيلمعُ كقطعةٍ من جمرٍ. النهارُ ما زالَ في أوّله، بإمكانِ كلّ شيءٍ أن ينتظرْ ريثما ينشرُ بسطامي الملك جناحيه كأنّه ينتوي الطيران. فجأة، تناهت أصواتٌ غريبة إلى أذنيه. ظنّ بسطامي في البداية أنّها أصوات الخراف في حظيرة المزرعة الملاصقة، لكنّ الصوت ازداد بعداً عن الثغاء، وقرباً من النقنقة التي يعرفها جيّداً.. أيعقل أنّ تكون دجاجاته قد خرجن من الخمّ دون معرفته؟ "لا.. أمرٌ مستبعد". طمأنَ بسطامي نفسه: "دجاجاتي مطيعات ولن يفعلن ذلك".. لكنّ القلقَ كانَ قد استبدّ برأسه.

قفزَ عن السور بسرعة، وبدأ يدور حول المكان. قريباً من الخمّ، رأته دجاجةٌ حمراء، استغربت وجوده لكنّه لم يعرها التفاتة، ومضى فقط فيما جاء إليه من فضول.

"هنا يخفت..هنا يعلو"، أخذَ بسطامي يلتفّ حول نفسه كالملسوع، ثمّ عاد بسرعة ليحوم حولّ الخمّ مصيخاً السمعَ ليتأكّد. "من أين يأتي صوت الدجاج ولا دجاج هنا غيرنا؟ لن أتحرّك من هنا". قبع بسطامي بتوتّرٍ أمام باب الخمّ، شاعراً بالتهديد البالغ. دقائق ثقيلة مرّت على قلبه، وكأنّه يتنفّس من ثقبٍ واهٍ، إلى أن طالعَ المُزارع في الجهة المقابلة يحملُ قفصاً أصفر مليئاً بالدجاج. لثوانٍ انتابته الدهشة:" المزرعة المجاورة خَرِبَة، ليس لها مُزارع، من أين أتانا هذا الآن؟ من أين!"
طفقَ بسطامي يصول كالمحموم :"لا يحملُ ديكاً..لا يحمل، مؤكّدٌ أنّ من في القفص دجاجات، لا صوت ذكوريّ مسموع أبداً".

"هنّ دجاجات..فقط دجاجات.. لا ديكَ غيري، أبداً.. أبداً.."

سواء أكان ما يقوله بسطامي واقعاً أم رجاءً، لكن من الثابت أنّه، وفي تلك اللحظات الدهريّة، فقد من متانة أعصابه الباردة، الشيء الكثير.

وضعَ المزارع القفصَ أمام بسطامي دون الاكتراث لوجوده. وأخرج أدواته لإصلاح الخمّ المجاور. صوتُ النقنقة كانَ أشدّ من أصوات المطارق على رأس بسطامي المتربّص بحذر. لكن، ثمّة صوتٍ أتى من خلفه، دجاجاته احتشدنَ لا لنفسِ غرضه، إنّما اضّطرابه السافرُ هو ما جمعهنّ. استدار إليهنّ و بدأ يهشّهنّ بتوتّر زائد، لشدّ ما كان يخشى أن َيرينَ ما ينتظر!

بعد ترحيلهنّ، عاود سيرته الأولى.

صبرُ بسطامي لم يساعده كثيراً، لكنّه كان قد قرّر سلفاً عدم اتّخاذ أيّ إجراء انفعاليّ من شأنه تقويض سلطته أمام من في الخمّ، أو أمام "الوافدات"، فصبر. وبعد كميّة صبر عَجِزَ عن مُداراتها أكثر، استدار المزارع إلى القفص لإفراغه. "واحدة، اثنتان، خمس، سبع دجاجات صغيرات مختلفات الألوان هزيلات، أفلتهنّ المزارع ورحل.

أخيراً، نفض بسطامي جناحيه بخفّة، وتنفّس بشيء من راحةٍ لم يُمهلها طويلاً؛ فقد كان عليه أن يعرف نواياهنّ ومصيرُ العلاقات معهنّ.

شعورٌ بقليلٍ من السعادة اعتراه، فهزالهنّ ينبئ أنّ في الإمكان شراء ولائهنّ بالطعام. استدركَ بسطامي سريعاً ما كان يحدُث، واستبدل على عجلٍ وقفته الذليلة بأخرى شمّاء، ناشراً ريشه متصنّعاً الهدوء ليتبخترَ أمام الوافدات. كان عليه إظهارُ قدْره بشكلٍ جيّد قبل أن يسمح لهنّ بالاقتراب منه. أمّا الدجاجات، فقد بدونَ غير مبالياتٍ به البتّة، فمنذ ساعة إطلاقهنّ أخذن بنقر الأرض والتجوّل فيها بحرّيةٍ تامّة. فكّر بسطامي بعملٍ ما للفت انتباههنّ، لكنّه آثر أن يحافظ على وضعه حتّى يلحظنه هنّ.

مضى ذاك النهار دون أيّ حدثٍ يُذكر، وآوى -هوَ والدجاجات الوافدات- كُلّ إلى خمّه عند الغروب.
يومها، ليلة بسطامي كانت مُسهدة متعبة، أوّل خيوط للفجر بزغت، ألقت إليه طوق النجاة. خرجَ فاتحاً عينيه وأذنيه على اتّساعهما، لم يجد أحداً غيره. تنفّس الصعداء أخيراً، ارتدّت له الروح كاملة الآن، لم يعد يخشى شيئاً. نفضَ ريشهُ كمن يلقي العبء عن كاهليه واعتلى السور ليبدأ الصياح. لم تكن صيحته صادحةً كعهدها دوماً بسبب الإجهاد، لكنّه شجّع نفسه بعدما تأكّد من حصوله على الصفاء.

صاحَ بسطامي ذاكَ الصباحُ بملءِ صوته بعد أن استردّ كاملَ الثّقة بأهميّة وجوده.صاحَ وصاح، وأرادَ أن يزيد من شدّة بهجته أكثر، لكنّ حُنجرته تيبّستْ فجأة.. فلقد أخرسَتْها بغتةً.. صيحةُ لديكٍ ثانٍ..!

صيحة ديك..!

الصيحةُ المشئومةُ أتتْ من خلفه، ضعيفةً وواهنة نوعاً. بدأ قلبُ بسطامي بالارتجاف ورجليه بالاصطكاك بشدّة لم يعتدها، استغرقه الأمرُ ثواني حتّى ملك زمام أمره حتّى استدار ورأى الصائِح!

ديكٌ ضئيلٌ أسود الّلون بِعُرْفٍ قليل الاحمرار لم يقسُ بعد، يقف أسفل السور محاولاً تقليد صيحة الديك الكبير! أشاحَ بسطامي بوجهه مسرعاً: "..ديكٌ آخر..ديك!!"

"هذه أرضي.. مزرعتي.. ديك!!"

كان على بسطامي أن يتصرّف بسرعةٍ قبل فوات الأوان. المأزق اشتدّ عليه حتّى أفقده تركيزه، لذا حاول العودة إلى الصياح مجدّدا ليس لإظهار عدم الاكتراث، بل لجمع شتات أفكاره المصعوقة. لم تخرج صيحته دون تهدّج ملحوظ، دلّته أفكاره خلالها، أن يواجه الأمر ليعلمَ حقّاً ماذا يحدث..هبط بسطامي عن السور بهدوء مصطنع، متّجهاً إلى مكانٍ مهترئ في السياجِ يسمح بمروره، أقلّ من دقيقة، وجد بسطامي نفسه مواجهاً للديك- الدخيل!

فتّوحي، هو اسم "الديك-الندّ". "ليسَ ديكاً..هو فرخٌ لا أكثر". حدّث بسطامي نفسه، "فرخٌ لا يملك غزارة ريشي ولا بهاء ألواني وعرفي القاسي وليس لديه أدنى مقوّمات الصوت حتّى ليقرب إلى صوتي.. ليس شيئاً.."

"لكنّه ديك!.. ديك!.. ماذا سأفعل؟"

بسطامي المتوتّر، لم يلحظ نظرة الإعجاب التي غمره بها فتّوحي الضئيل، ذاك الإعجاب الذي سيتحوّل مع الوقت، إلى ورقة بسطامي الرابحة.

"أنصحك بعدم الصياح أيّها الصغير"، قال بسطامي محاولاً تجنّب البحّة المنكوبة في صوته، "فحنجرتك ليست ناضجة بما فيه الكفاية". "بماذا تنصحني إذاً " ردّ فتّوحي بصوت يشبه الوله مما أيقظَ نعرة العظمة في بسطامي.

"قبل أن تتعلّم الصياح أيّها الفرخ، قالها بسطامي متعمّداً جرح فتّوحي"، "عليك أن تتعلّم أولا كيف تكون ديكاً حقيقيّاً". فغر فتّوحي الأسود منقاره وفتح عينيه مجيباً بسطامي: لكن أنا ديك، ألا يكفيك هذا العرف دليلاً؟! نسي بسطامي بعض خوفه بسرعة عندما أدرك حجم جهل فتّوحي، وشعر بأنّه، وعلى اعتباره الديك المثاليّ، قد وقع على فرخ غضّ يستطيع تشكيله كيف يشاء!
"بدأت اللعبة"، قال بسطامي لنفسه، أنا بسطامي العظيم سألقّن هذا الضئيل دروسا كثيرة، وسأجعله بإرادتي ديكاً مهاب الجانب، لكن ليس عليّ.

طلب بسطامي من فتّوحي يومها أن لا يصيح أبداً، للحفاظ على حباله الصوتيّة وحنجرته! أخبره أنّ ما عليه فعله أوّلاً، تعلّم تحصيل الطعام وتوفيره لدجاجاته كي يسعدهن ويتحصّل على طاعتهنّ.
"لسن "دجاجاتي" هنّ مجرّد دجاجات مثلي". أخبره فتّوحي بقلّة اكتراث. "وهل أنت دجاجة أيّها الأحمق"، قاطعه بسطامي بغضب، "لا ولكنهنّ حرّات، مثلي".

أخذ بسطامي ينقر السور الخشبيّ قربه من شدّة الغيظ، لكنّ خوفه على منقاره الذهبيّ أوقفه. "هنّ يتصرّفن هكذا لأنّك لا تؤدّي واجبك كديك بالغ الذكورة تجاههنّ يا جاهل".

"!!!!"

"حسناً، عليك أن ترافقني وأمري لله، قالها بسطامي بنبرة المنزعج، بينما نشوة فوزه على غريمه تكاد تُخرِج قلبه من بين أضلاعه."

كانت الشمسُ قد توسّدت السماء، وعلى بسطامي أن يجمعَ الطعام لدجاجاته. أعطى الأوامر لفتّوحي بأن يتبعه ولا يقلّده إنّما، يعمل تبعاً لما يشير هو به!

بعض لبسٍ يحدث هنا دائماً عند تناقل الرواية، ثمّة ديوك ترجّح أنّ بسطامي سيطر بالكليّة على عقل فتّوحي بعد ذلك النهار، وروايات أخرى تنفي هذا الحدث، وتقول أنّ فتّوحي آمن ببسطامي من تلقاء نفسه ورغبته الكاملة !

تغيّرت الحياة مع بسطامي كثيراً منذ ذاك الحين، فعدا عن كونه غدا الديك الأشدّ تميّزاً ليس بين دجاجات فقط، لا، بل بوجود ديك آخر؛ ديك حقيقيّ، كان بسطامي قد اكتسب تابعاً مخلصاً مطيعاً كدجاجاته تماماً.

فحين علّم بسطامي فتّوحي، تخيُّر الطعام وانتقاء أفضله للذهاب به إلى "دجاجاته" علّه يقنعهنّ بملازمة الخمّ، فعل. وحين لم تستجب دجاجات فتّوحي، وظلن يسرحن في أرجاء المزرعة، طلب بسطامي من فتوحي وعظهنّ، وإظهار ذكورته عليهنّ لو بالصراخ، ذهبَ بكلّ بساطة، وفعل أيضاً. ورغم النقر المبرح الذي تلقّاه فتّوحي من دجاجاته، والآلام التي خاضها، إلّا أنه لم يفقد إيمانه ببسطامي أبداً، ولم يطلق صيحة واحدة تزعجه، ولم يتوقّف عن جلب الطعام للدجاجات اللئيمات، وبقي تلميذا مطيعاً.

لكنّ الحياة لا تصفو دائماً حتّى للديوك. ففي أحد الصباحات الربيعيّة المشرقة، صُعق بسطامي وهو يرى بأمّ عينه الدجاجة الشهباء خارج الخمّ، وحدها في منتصف النهار محاولة بطريقة ما، تقليد دجاجات فتّوحي. ليكتشف فيما بعد أنّها حاولت تأليب الأخريات أيضاً للخروج عن طاعته، والتعرّف على دجاجات الخمّ الآخر عن قرب كما تزعم، أو التمتّع بضوء النهار. فقد بسطامي المتّزن أعصابه لوهلة فانهال على الدجاجة نقراً وركلاً شديداً حتى أدماها، ثمّ أودعها الخمّ حارماً إيّاها من الغذاء لجرأتها وتطاولها عليه، فغدت، الدجاجة الشهباء، عبرة للأخريات إن فكّرن بالتمرّد!
شعور بسطامي أنّ الخطر بدأ يهدّد عرشه وحاشيته، تجاوزَ رضاه بوجود ديك كفتّوحي بكثير، وغدا الخوف في قلبه قويّاً ثقيلاً من تصرّفات الدجاجات الأخريات الهوجاء باعتقاده. وطالما أنّ فتّوحي المطيع عاجز بالكليّة عن تحجيمهنّ، باتت رغبة بسطامي بإقناع الدجاجات، أكبر منغّصاته.

ثلاثة أيّام أو أقلّ من تلك الحادثة التي عدّها بسطامي إنذاراً لكوارث قادمة. وفي منتصف نهارٍ دافئ، حين كان بسطامي يأخذ حمّامه الشمسيّ باسترخاء مدّعى، التفتَ إلى فتّوحي بثقلٍ متعمّد وكأنّ الأمر غير مهمّ البتّة، مخبراً إيّاه بعزمه على الوقوف في وجه تمدّد دجاجاته غير الأخلاقيّ؛ فالدجاجات خلقن للخمّ والبيض كما قال بسطامي، ولا يجوز لهنّ التصرّف كالسائبات المسعورات كلّ الوقت."عليكَ أن تُساندني في هذا".. لم يعلّق فتّوحي بأيّ شيء إنّما، طأطأ رأسه متذكّرا الآلام التي حدثت له في محاولاته معهنّ. إنّما بسطامي الحانق على الوضع، كان قد اتخذّ قراره للتوّ. انصاع فتوحي لرغبة بسطامي بتّذمّر ما، شعر به بسطامي كبداية تمرّد، لكنّه أغضى عن ذلك وأخفاه بمهارة.

تابع فتّوحي بسطامي عن قرب وهو يقفز بتأنٍّ رشيق، وبخطوات محسوبة جدّا عن السياج. رافعاً رأسه بكلّ تعالٍ، تقدّم بسطامي من الدجاجة الكبيرة، حيث كانت قابعة على بيضها في زاوية داخل الخمّ، بكلّ هدوء، وخاطبها بشيء يشبه الرجاء في صوته، فوجئ به هو شخصيّاً، لكنّه تابع على أيّة حال:

الإناث مخلوقات هشّة، لم يخلقن للنصْب والعذاب، وما أراه أنا، مركّزاً على الكلمة الأخيرة، أنّكنّ ذوات قيمة أكبر مما تضطررن لفعله. فتّوحي، قال بسطامي، وأنا أيضاً، بنفس التركيز والتثقيل لكلمة أنا، سنكون المسؤوليْن عن إطعامكنّ وتوقيركنّ إن أردتنّ هذا. بشرط أن لا تسرحن في المزرعة أو الغابة المجاورة، لأنّها مليئة بالثعالب والكلاب المسعورة الجائعة التي أخشى أن تكون لكنّ بالمرصاد. فوجئ بسطامي بردّ الدجاجة الذي لم يك يتوقّعه حيثُ قالت: نحن نريد هذا فعلاً لكن، صاحب المزرعة لا يطعمنا، ولا يأتي إلّا مرّة كلّ أسبوع لأخذ البيض فقط؛ الرجل السيّء يفيد منّا ويحرمنا، تبّاً له من صاحب، ماذا نفعل! بسرعة البرق، لمعت في رأس بسطامي فكرة شيطانيّة خطيرة للغاية، كانت ضالّته التي وجدها أخيراً...

ماذا لو أتى صاحب هذا الخمّ ولم يجد بيضاً؟! هل سيحضر طعاماً؟ أشكّ أن يفعل فهو لا يعرف شيئا عن تربية الدجاج. ماذا إذاً؟! حسنا لنقامر بهذا. انصرف عن محادثة نفسه إلى الدجاجة الكبيرة قائلا: لا عليكِ إذاً، لك منّا أنا وفتّوحي الطعام، وكنوع من التربية لصاحب المزرعة، ما رأيك في أن تضعي بيضك في خمّنا المجاور؟ أليس عقابا مناسبا يستحقّه هذا الرجل عديم المسؤوليّة؟

حصل الاتّفاق بين الإثنين أسرع مما توقّع بسطامي وبشكل أكثر يسراً، رغم أنّه أحسّ بقليل من الندم بعدها على ما خطّط ويخطّط له، وعلى ما يجولُ في رأسه، خاصّة كلّما لمس من فتّوحي عظمة الشعور وفخامته بإمتلاك تابع مخلص، لكنّه سيكبر وسأندم، طمأن ضميره.

تجتمع الروايات المتناقلة رغم تعدّدها هنا، وتصيغ الحكاية فكرة موحّدة لتقديمها كعبرة موثوقة عن قدرة ومكر الديكة، حين تريد

عشرة أيّام، أو أكثر بقليل. التزم فيها بسطامي وفتّوحي باتّفاقهم مع الدجاجة الكبيرة بشكل ممتاز، كما أنّ الدجاجة الكبيرة لم تلق أيّ عسر في إقناع بقيّة الدجاجات بالعرض وإلزام بعضهنّ به على مدى أيّام قلائل. وكادت الحياة تمضي بكلّ حبور وهنّ متنقّلات بين خمّ بسطامي حيث يضعن بيضهنّ ، وخمّهن حيث يمضين بقيّة النهار والّليل. بسطامي الذي يخفي سرّ سعادته في صدره، كان يعدّ الأيّام فقط، ويراقب عن كثب، فتّوحي وتغيّرات ذكورته التي بدأت بالظهور بكلّ راحة كأنّه كان يرى ما الذي سيحدث فعلا. وحدث، وأتى ذلك اليوم الذي جاء فيه صاحب الدجاجات، بعد ستّ أو سبع زيارات مسبقة تفقّد فيها البيض، وهو يحمل قفصا أصفر وضعه قرب السور، ليدخل إلى الخمّ كالعادة، ويخرج خالي الوفاض كما فعل طيلة الأيّام الأخيرة. لكنّه هذه المرّة، دار خلف السياج لوهلة ثمّ بحث بين الحشائش والشجيرات، إنّما، لم يعقّب بالرحيل كعادته. وهذا ما حدث تماماً:

اقتحم الرجل الخمّ بعصبيّة من فقد صبره، وبدأ بجمع الدجاجات المذعورات ومطاردتهنّ واحدة فأخرى كالمجنون، وحشرهنّ دون هوادة في القفص الأصفر كأنّه يقذفهنّ قذفاً واحدة تعقبها الأخرى فالتالية وهكذا. فتّوحي المسكين حينها، كان مسترخياً كوزير أعظم يحلم، ويستعدّ لمهام أخرى مع زعيمه المفترض، في الخمّ نفسه، حيث أمسكه الرجل من عنقه مسكة تستحقّ الرثاء، تستفزّ عواطف بسطامي على الأقلّ حين يذكرها، وألقاه كما الأخريات في القفص الذي حمله على رأسه وغادر وأصواتهنّ الصاخبة تصل إلى كلّ مكان.

بسطامي الذي صار شاهد عيان على ما حدث، كان يقف في الجهة المقابلة، جهته الأصليّة، مُشفقاً مما رأى إنّما، مُطمئنٌّ جدا على نفسه، مطمئنّ للغاية، فقد عاد كما أراد وخطّط، ديكاً فريداً متميّزا، لن ينافسه على المكان أحد ليس لأنّه ديك جميل فقط إنّما، لدهائه وشدّة حيلته.

وكلّما حدث وطاف صياح فتّوحي المسكين في ذاكرته، تئنّ أشباح بعض ندم في قلبه؛ ويفكّر قليلا فيما جرى ليقتنع أنّه كان الحلّ الأنسب للجميع. فهو ديك متأصّل هنا وهذا مكانه، وحقّه الطبيعي أن يكون وحده المسؤول عن كلّ شيء والآمر الناهي على الجميع. وفتّوحي ديك في النهاية، والديك إن عجز عن الاعتداد بنفسه وفقد حسّ السيطرة الأصيل في نفس الديكة، سيتحوّل إلى دجاجة بعرف أحمر كبير, ويصبح مؤذياً حتّى لنفسه. فتّوحي سيكبر، ولربّما استعلى على الطاعة يوماً وفقد هو، أي بسطامي قدرته الفائقة على السيطرة، ما الذي كان سيحدث عندها!

الأرض كبيرة جدّاً تسع كلّ الديكة، لكنّ مزرعة واحدة، لا تحتمل ديكين، إطلاقاً.