في الشِّعر المُغَنَّى!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

- 1-

سَكِـــرَ الصَّبُّ مِنْ لَماكَ فَغَنَّى
ودَعـــــاهُ الغَـــــرامُ شَـــوقـًا فَـحَـــنَّا
أنا يا مالكـــــي بِحُكمِـــــكَ راضٍ
[فبما] شِئتَ فاحتَكِمْ في المُعَنَّى
ما عشقـــــناكَ للصِّفـــــاتِ ولكنْ
حــنُ قَــــوْمٌ إذا نظـــرنا عَشِقْــنا
كلَّــمــا دارتِ الــزُّجــاجَـــــةُ دَورًا
حَـــســِبَ العاشــقــونَ أنَّا سَــكِــرْنا
مــا سَــكِــرْنا مِنَ المُـدامِ ولكــنْ،
خَمْـــرُ [جَـفْـنَيْكَ] أَسْكَرَتْ فَسَكِـــرْنا

لا أدري لمَن هذا الشِّعر الجميل، من البحر الخفيف، غير أنه موَّالٌ مشهورٌ لـ(الفنان طلال مدَّاح)(1). على أن البيت الثاني والبيت الأخير جاءا مكسورَين في أداء الموَّال، فالأوَّل جاء هكذا:

أنا يا مالكـــــي بِحُكمِـــــكَ راضٍ
[بما] شِئتَ فاحتَكِمْ في المُعَنَّى

والبيت الآخر:

مــا سَــكِــرْنا مِنَ المُـدامِ ولكــنْ،
خَمْرُ [شَفَتَيْكَ] أَسْكَرَتْ فَسَكِرْنا

ومن جهةٍ أخرى، فإن دلالة البيت الأخير لا تستقيم باستعمال كلمة «شَفَتَيْكَ»! ويبدو أنه كان ثَمَّةَ خطأٌ في قراءة الأبيات، نتيجة تصحيفٍ في الخطِّ، فأُسقِطت الفاء في عبارة «فبما»، وقُرئت «جَفْنَيْكَ»: «شَفَتَيْكَ». وربما كانت «عَيْنَيكَ»، لكن «جَفْنَيْكَ» أقرب لمشابهة «شَفَتَيْكَ» في الكتابة. وهذا يدلُّ على ضرورة معرفة المغنِّي بموسيقى الشِّعر حتى لا يقع في كسرها. وقد رأينا في مقال سابق بعنوان «تفاوت الحاسَّة الموسيقيَّة بين الشاعر والمغنِّي» أن الحِسَّ الموسيقيَّ لدَى الشاعر يفوق حِسَّ المشتغل بالموسيقَى.

- 2-

على أن المُطْرِب قد يقع في الخطأ بتوجيهٍ ممَّن يدَّعون الوصاية في اللغة والأدب. من شواهد ذلك أن (طلال مدَّاح) كان من الحريصين على سلامة اللغة، فيما يبدو، وإنْ أخطأ تارةً وأصاب.

فكان يسأل ويتحرَّى الصواب، كما شهِد بذلك الإذاعي المعروف (بدر كريِّم)، في إحدى المقابلات. وربما أسرف في التقيُّد ببعض قواعد النُّحاة فكسر قواعد العَروض! شاهد ذلك أغنية «وطني الحبيب»؛ إذ كان يغنِّي فيها: «في مَكَّةٍ حَرَمُ الهُدَى وبطَيبةٍ...»، ويبدو أن أحدهم نبَّهه إلى أن كلمة «مَكَّة» ممنوعة من الصرف، فصار يغنيها: «في مَكَّةَ حَرَمُ الهُدَى وبطَيبةٍ...»، بلا تنوين لكلمة «مَكَّة»، فانكسر البحر الكامل. مع أن صرف ما لا ينصرف جائزٌ في الشِّعر، وقوله: «في مَكَّةٍ حَرَمُ الهُدَى وبطَيبةٍ...» لا مأخذ فيه. وواضحٌ أنه لم يوفَّق إلى نحويٍّ آخَر ينبِّهه إلى أن ما أجراه على «مَكَّة» من عدم الصرف ينطبق على «طيبة»؛ فكان لا يمنعها من الصرف، كما منعَ الكلمة الأُولى. ومن شواهد صرف كلمة «مَكَّة» في الشِّعر قول (الحصري القيرواني، -488هـ= 1095م)، مثلًا:

ولو اِبتغوا حلقَ الرؤوسِ بمكَّةٍ
حضر الرشيدُ بها وغابَ الهادِي

وقال (حازم القرطاجني، -684هـ= 1285م):

قد أهلكَ الأُحبُوشَ طَيرٌ قد رَمَى
جُيُوشَهُمْ بِمَكَّةٍ بِما رَمَى

وقال (ابن الحاج النميري الأندلسي، -768هـ= 1367م):

وكَمْ لِيَ فِي مَكَّةٍ مِنْ عُهُودٍ
نَشَدْتُ بِهَا زَمْزَمًا والمَـقَامَا

وقال (ابن فركون الأندلسي، -820هـ= 1417م):

وإنَّ حجيجَ اللهِ حلُّوا بمكَّةٍ
ولاحَتْ لديهِمْ دونَنا عرَصاتُها

وأخيرًا، قال (أحمد شوقي):

يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
ويَقرُبُ في الطُّهرِ مِن يَثرِبِ

وهذا كثيرٌ مألوف. حتى إن (سيبويه)(2) يقول، في «باب ما يحتمل الشِّعر»: «اعلم أنه يجوز في الشِّعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف؛ يشبهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء.» ولا تسألني عن منطقيَّة تعليل سيبويه هذا! فنحن نعلم أنها أسماء، في الشِّعر وفي الكلام! وإنما العِلَّة المفترضة في الشِّعر: ضرورة الموسيقى الشِّعريَّة. ولو أنه قال: إن تلك عِلَّة صَرْف ما لا ينصرف عمومًا، في الشِّعر وفي غيره، لصحَّ القول. لأنهم لحظوا أن صرف ما لا ينصرف كثيرٌ في الشِّعر، حتى مع انتفاء الضرورة. ولذلك قال (المظفر العلوي، -656هـ= 1258م)، في كتابه «نَضرة الإغريض في نُصرة القريض»(3): «أصل الأسماء كلِّها الصرفُ، وإنما طرأتْ عليها عِلَلٌ منعَتْها من الصَّرف، فإذا صرَفَ الشاعرُ ما لا ينصرِف فقد ردَّه إلى أصله.» وما دامت العِلَّة الشِّعريَّة لصرف ما لا ينصرف- وهي الضرورة الموسيقيَّة- منتفية، فما الذي جوَّزه في الشِّعر، خاصَّة؟! ما يعني أنه جائز عمومًا، وإنْ كان خلاف القاعدة النموذجيَّة.

لقد أجاز العلماء من الضرورات الشِّعريَّة الكثير. فما لبعض المحدثين يضيِّق واسعًا، لم يقل به أكثر القدماء تشدُّدًا؟! وإنما أردتُ أن أبيِّن مقدار ما يمكن أن يجني النُّحاة التقليديون على الشعراء، وإنْ عَبْر وسيطٍ، كالمغنِّي، حين يَطلع عليه نحويٌّ متنطِّعٌ، فيُفسد الشِّعر والغناء معًا. ومن هذا يظهر أن الأصوليَّات تزداد توالدًا، وتشدُّدًا، في كُلِّ مجال، بتعاقب الأجيال؛ وذلك للهوس باتِّباع السَّلَف «الصالح أو الطالح»، مع الجهل بأسباب ما قعَّدوه. فإذا أنتَ إزاء احتذاءٍ أعمى، يُفضي إلى الجمود، يُعطِّل المـَلَكات، ويُفسِد الأذواق.

(1) على موقع «اليوتيوب»: https://www.youtube.com/watch?v=pUiA6zs55u0

(2) (1988)، الكتاب، تحقيق وشرح: عبدالسلام محمَّد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 26.

(3) (د.ت)، تحقيق: د. نُهَى عارف الحسن (دمشق: مجمع اللغة العربيَّة)، 257.