العبوة النازفة

، بقلم حسن عبادي

لولا العيون لتمكّنت أسرار كثيرة أن تختفي...

قرأتُ الطبعة الثانية لرواية "العبوة النازفة" للكاتب فهيم أبو ركن الصّادرة عن"دار الحديث" في عسفيا الكرمليّة وهي رواية تحوي 124 صفحة من الحجم الصغير، ولوحة الغلاف من تصميم الفنانة آية أبو ركن.

فهيم شاعر وكاتب متميّز في العديد من المجالات الأدبية وله الإصدارات العديدة من شعر ونثر، ومنها دواوينه الشعريّة: في القدس العارية، لن أقاتل إخوتي، شلال شوق، ومجموعاته القصصيّة: بحر النّور، رحلة إلى الأعماق وغيرها.

قرأت الرواية خلال زيارتي الأخيرة لبرلين، وشدّني وشوّقني لطريقة عرضه وموضوعه. تجدر الملاحظة في هذا السّياق أنّ المطالعة هي عادة تُكتَسب منذ الصّغر وتشكّل جزءًا من ثقافة الشعوب، فهي سمة من سمات الشعوب الأوروبيّة بشكل عام. وجدتهم يقرأون في الميترو، وفي الباص، وفي الحديقة العامة، وفي المكتبات العامّة، وفي المقاهي يكون الكتاب بمتناول الجميع. حُب المطالعة يولد في الأسرة، أوّلاً، ثم ينمو في المدرسة، لكي يصبح من ثَمّ عادة مكتسبة وتماشيًا مع مقولةِ جون بول سارتر الأزليّة "إن الكتابَ، وهو مُلقى على الرفِّ، أشبه بالجسمِ الميّتِ، تدُبّ فيه الحياةُ إذا امتدّتْ إليه يدُ القارئِ"، وفهيم نِعم القارئ.

مسرح أحداث الرواية هو سفينة مُبحرة من حيفا وعلى متنها أديب – المسافر من قرية عسفيا الكرمليّة إلى بلاد الغربة تاركًا حبيبته التي صدمته بقبولها الزّواج من ابن عمّها ليجد نفسه غريبًا (ص 27) فيعاني من صراع الهويّة للشّاب العربي المسلم الدّرزي وكذلك محمد عبد السلام عادل: الفلسطيني المشرد الذي سُلب كل شيء – ضحيّة النّكبة وإفرازاتها - وعائلته المكوّنة من صورة ولده الشّهيد التي لا تفارقه وزوجته المتوفاة على الحاجز حسرةً على فقدان ابنهما الشهيد وحرمانها من العلاج من قبل سلطات الاحتلال وابنته أحلام،الذي يتولّى مهمّة تفجير الباخرة بواسطة قنبلة موقوتة.

يلتقي أديب وأحلام في موقفهما ورؤيتهما للتفجيرات التي تستهدف المدنيين الموجودين في مكان ما مصادفة، أي بلا سبب ذي علاقة بمهاجمتِهم، تدفع القارئ للتماهي مع الضحايا، لأن كل إنسان يمكنه تخيّل نفسه مكانهم. وهذا لا يعني أن اعتناق دين أو مذهب أو حمل جنسية أو تأييد موقف سياسي هي، في المقابل، أسباب كافية للتعرّض للاستهداف، فالقتل على خلفية الاختلاف الفكري أو الديني أو السياسي جريمة غير عشوائية ضد الإنسانْ.
استهداف المدنيين المجتمِعين صدفةً في مكان ما، سواء أُجريَ هذا الاستهداف بطائرةٍ تقصِف ولا تُميّز بين وجوههم وغاياتهم، أم بتفجير حزام ناسف، أم بسيارة مفخّخة أم بقنبلة موقوتة هو مصدر التعاطف مع الضحايا وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد موقف من استهداف المدنيين الذي يقوم به أفراد بمبادرة شخصيّة، أو بأمر من تنظيم، بحيث لا يتهرب الإنسان من إدانة الجريمة، بتفسيراتٍ هي أقرب إلى التبرير منها إلى الإدانة.

يتفّق أديب مع أحلام، كل على حدة وبطريقته الخاصّة، بأنّه يجب إفشال خطّة الأب ومنع تفجير العبوة: أحلام بمساعدة الشرطة الإيطالية وأديب بمجهوده الفردي.

تُمثّل أحلام الجيل الشاب أو ما يسمّى ب"الفلسطيني الجديد" المؤمن بتغيير وسائل النضال والتعامل مع الآخر، المحتل المغتصِب، لنيل الحريّة وأديب يمثّل الجيل الشاب الذي يشعر بالغربة الدائمة وصراع الهويّة ولكن مهما فعل وتفانى من أجل السلطة وأسياده – بغضّ النظر عن مبرّراته - يبقى في نظرها: "عربي قذر! وإرهابي!! (ص 121) ورغم ذلك تبقى قناعته كما جاء في آخر كلمات الرواية "باغته شعور مفاجئ، واستوطن في أعماقه قرار متين، يجب ان يطالب بحقه، يجب الا يستسلم، عليه ان يُظهر الحقيقة". وتبقي في الخلفيّة صورة والد أحلام وقنبلته المشحونة بشعوره بالهزيمة والفقد، بالذل والخوف، الحالمة بالحرية والكرامة...والأمل.
نجح فهيم بمهارته الأدبية،سلاسة كتابته وعنصر التشويق بتفكيك العبوة الناسفة لتصبح عبوة نازفة مثيرة للتساؤلات حول هوية أديب الغريب وصراعاته وتخبّطاته مع جدوى خدماته للسلطة التي تمارس كل أساليب التمييز ضده وتسلبه حقوقه الأساسية تمامًا كأخيه الفلسطيني باذلة قصارى جهدها للفصل بينهما بموجب سياسة "فرّق تسُد".

تدلّ لغة الرّواية على كاتب متمرّس ومتمكّن من اللغة، نحوِها وصرفِها، ولكنها لغة مختزلة جافة ومباشرة تفتقر الى الإحساس الصادق، تعاني من التكلّس والتقوقع، أو ما يعرّف باللبناني: اللغة المكسيكيّة (أي المُدبلجة): لغة معدنيّة حديديّة تعكس حقيقة عصرنا الآلي الذي اندثرت فيه قيمة تواصليّة انسانيّة وانحصرت في فعل التواصل الجاف في كثير من الأحيان عبر الرنقيّات (الرسائل النصيّة القصيرة)، البريد الالكتروني والفيسبوك.