العوراء‎

، بقلم فاروق مواسي

وأغفرُ عوراءَ الكريم ادّخارَه
وأُعرِضُ عن شتمِ اللئيم تكرّما

ما هي العوراء؟

العوراء في اللغة هي الكلمة القبيحة أو الفِعلة القبيحة، ذلك لأن الكلمة هذي أو الفِعلة تبدو كأنها تَعُور العين، فيمنعها ذلك من الطموح وحدة النظر، ثم حولوها إلى الكلمة أو الفعلة على المَثَل، وإنما يريدون في الحقيقة صاحبها.

يقول ابن عَنقاء الفِزاري:

إذا قيلت العوراء أغْضى كأنه
ذليلٌ بلا ذلٍّ ولو شاء انتصرْ

قال الليث: العوراء الكلمة التي تهوي بلا عقل ولا رشد، وهي السّقطة.
(انظر: ابن منظور: لسان العرب- مادة عور)

أعود إلى قول حاتِم الطائي:

وأغفرُ عوراءَ الكريم ادّخارَه
وأُعرِضُ عن شتمِ اللئيم تكرّما

ادخارَ: مفعول لأجله منصوب، وكذلك (تكرما).

فهي يريد أن يحتفظ بالكريم، ومن أجل ذلك يسامحه على كلمته القبيحة، وهو يبتعد عن شتم اللئيم ترفّعًا وكرمًا منه في أخلاقه.

أكثر ما وردت فيه كلمة (العوراء) هو بمعنى الكلمة القبيحة.

يقول الحسين بن مُطَير:

أحبُّ معاليَ الأخلاق جَهْدي
وأكره أن أُعيبَ وأن أعابا
وأصفح عن سِبابِ الناس حِلمًا
وشر الناسِ من يهوى السِّبابا
وأترك قائلَ العوراءِ عمدًا
لأهلكَه وما أعيا الجوابا
ومن هاب الرجالَ تهيّبوه
ومن حقَرَ الرجالَ فلن يُهابا

وهذا الموقف للحسين ورد في شعر سيّار بن هُبَيرة:

وعوراءَ قد قيلت فلم أستمع لها
ولا مثلَها مِن مِثلِ مَن قالها لِـيا

أو قول الشاعر عَوف بن الأَحْوص:

إذا قيلت العوراءُ ولّيتُ سمعَها
سوايَ ولم أسألْ بها ما دَبِيرُها
أي ما عاقبتها.

وعودة إلى حاتم الطائي في استخدام اللفظة بمعنى الكلمة الفاسدة:

وعوراء جاءت من أخ فرددتها
بسالمةِ العينين طالبةٍ عُذرا
فأعرضتُ عنه وانتظرت به غدًا
لعل غدًا يُبدي لمنتظر أمرا

وتنتهي قصيدة حاتم بأن يطلب من أخيه العودة إلى الأخوّة لينزع كل ضِغن كامن في الفؤاد.
(لاحظ قوله سالمة العينين، فتظهر كلمة- عوراء هنا تورية!)

ذكر الميداني في (مجمع الأمثال- رقم 1426) في "العوراء" مثلاً قيل أنه أحكم ما قالته العرب:
"دع العَوراءَ تَـخْـطَـأْك!

أي الخصلة القبيحة أو الكلمة الشنعاء، وتخطَأك - بالهمزة- من قولهم: أردتكم فخطِئْتكم- أي تجاوزتكم. قيل: هذا أحكم مثل ضربته العرب".

ويذكر أبو حيان التوحيدي في (مثالب الوزيرين، ص 172) قول عمرو بن عُبيد شيخ المعتزلة- الذي يسميه "شيخنا وشيخ الإسلام وشيخ العدل والتوحيد":

"لن يكون العبد مستكملاً لاسم الولاية حتى يسمعَ الكلمة العوراء فيجعلها دَبْر أذنه".

فليتنا نغضّ عن العوراء ونتجاوزها!

خاطب الشاعر عُبيدُ الله بن مَعْمر القرشي معاويةَ، فقال:

إذا أنت لم تُرْخِ الإزارَ تكرّمًا
على الكلمة العوراءِ من كل جانبِ
فمن ذا الذي نرجو لحقنِ دمائنا
ومن ذا الذي نرجو لحملِ النوائبِ

مااجدرنا في هذا الوقت العصيب، إذ نحن لا نتسامح، بل نتخاصم على كل شيء، بل نعادي بعضنا بعضًا بسبب مواقفنا المختلفة حول ما يجري في الدول العربية- وكأننا نستطيع أن نؤثر في شيء من المؤامرات التي يشتركون في حوكها ضد الوطن العربي.

ليتنا نتجاوز عن هذه الكلمة وعن تلك!

وإلا فمن يملك الحق والحقيقة المطلقة؟

أختم بما قاله الشريف الرضيِّ في بيتين مختلفين:

ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها
ولا أنطِق العوراءَ والقلبُ مُغضَبُ
وإني إذا أبدى العدو سفاهة
حبستُ عن العوراءِ فضلَ لسانيا

فلنقل القول المعروف تصحبه المغفرة!

ولتكن الكلمة عيناء لا عوراء!