الجريمة...والرجيمة

، بقلم جورج سلوم

الأمسُ ليس صفحةً تُطوى وعفا عليها الزمن...و(ما فات َ مات).

خسئ من قال ذلك...فما فات لم يمتْ بعد...

مازال جرحُ الأمس ينزفُ حتى اليوم..بين الفينة والأخرى..ينزف دمعاً ولو جفّ دمه...وألماً دفيناً ولو اندمل ظاهرياً.

الأمس جريمة وتستوجب القصاص...إن لم يكن اليوم فغداً...وخطيئة الأمس تستدعي الإصلاح..فسبحان الذي يُمهل ولا يُهمِل.

لا تشحْ بوجهكَ عني..لا تتجاهلْني..لا تغلقْ نداء هاتفي إذا ما داهمَكَ رنينهُ..أو نشيجه...أرني عينيك يا هذا...لأستطلعَ فيهما ماذا يخبّئ لي غدُكَ بعد جريمة الأمس.

بالأمس كنتُ جريحة...وتركتَني فوق فراشكَ طريحة..معروكة بالدم..مشتتة الأوصال..مقطّعة وذبيحة...واليوم يجثمُ أمسُكَ أمامي..ويكبرُ همّك في بطني...ثقيلاً وثقيلا وفضيحة.
يارب..اغفر لي أمسي..أو أسكنّي رمسي.

يارب..كنتُ طيّعةً بين يديك..فكيف أصبحتُ مطواعاً بين يديه.

كيف أنصتُّ إليه..وسكنتُ بين يديه..وحملتُ فوق شفتيّ عار شاربيه.

كيف لم ينصِتْ لتوسّلاتي...وصمّ أذنيه عن كلماتي.

كيف حوّلني من عذراءَ مقدّسة إلى امرأة مدنّسة...

أعترفُ أنني سُحرت بكلماته..أحلامه..وخيالاته..لمساته وحنانه..كان مختلفاً عما صادفت و صادقت من الرّجال..لذلك سمحْتُ له بالدّخول من بابيَ الضيق..

أعترف بأنه لم يسرقني خلسة..بل طرق الباب..وفتحتْ.

لماذا أشعر الآن بالحاجة إليه...هل لأنني مكسورة الخاطر..أم ليحتويني بين جنبيه... أنا المكشوفة والمكسوفة...أنا الضعيفة والمستضعفة...أنا الوحيدة إلا من جنينٍ يحتركُ في بطني.

أربعة أشهرٍ خَلَتْ كنتُ له فيها مملوكة...ثم جارية ثم غانية..الآن فقط استيقظتُ على حراكِ جنيني..الآن فقط جاءتني صحوة الزواج...الآن فقط أطالبُ بالإصلاح ناسية أخطاءَ الماضي..الآن فقط أنا بحاجةٍ إلى وجهه بعد أن أراني ظهره..أصبحتُ ممهورةً بختمه.

تبّاً لي..ضعفٌ وتراخٍ..عهرٌ وذلٌّ..وتباكٍ ودموعْ...

التقيتهُ.. مهموماً..أوخجِلاً..أو وجِلاً..قلت:(وكانت عيناي تحاول الالتقاء بعينيه):

- لقد ارتكبنا الفاحشة..تزوّجني

- لا يجوز لي الزواج بحامل

- ألا تعترف؟

- أعترف أنني دخلتُ عليكِ لكن لا أعترف بأبوّتي لساكنِ رحمك..

- أتشكّ بأنني أسلمتُ نفسي لغيرك؟

- الله أعلم.

- أين كلماتكَ الجميلة وأشعارك وهمساتك..أصبحتْ أقوالُكَ مقتضبة.

لم يُجبْ...يدخّن وينفث دخانه..ومصرٌّ أن يريني ظهره فقط.

- والحلّ يا رعاك الله؟

قال بعصبيةٍ واضحة:

- أما الإجهاض فحرام لأنّ الله نفخ الروح فيه... أو تلدين وبعدها قد أتزوج بكِ شرعاً... ولكن كيف تسجّلين المولود ؟

- ألا يوجد حكمٌ لما اقترفنا..أنا مؤمنة وأرضى بحكم الله...ألا يوجد قصاصٌ شرعيّ...فعذاب الدنيا – مهما بلغ- أقلّ إيلاماً من عذاب الآخرة.

رمى عقب سيجارته وداسها بقسوةٍ بالغة...وقال:

- الجَلدْ أو الرّجمْ.

قلت وقد سلّمت أمري إلى المولى:

- تذكّر يا هذا...أنا جسدٌ فيه نفحاتٌ من روحك....أنا ورقة ممهورةٌ بختمك...

إذا حُكمَ عليّ...فهل ستشارك في رجمِ الرّجيمة..أم سيُطلق عليّ أهلي رصاصةً رحيمة..؟
سأتّقي الحجر الأول..ثم ستنهالُ عليّ الأحجار..فأفقدُ رُشدي..ثم يأتيني وابلٌ من أحجارالشامتين والحاقدين...أما الحجر الذي سيشجّ رأسي..ويزهق روحي... فسيكون قطعاً من أبي أو أخي...هذا حجرُ المحبّين الذي سينهي عذابي.

قد يتساءل ابني وهو بين أحشائي... ماذا يجري ولماذا يقتلونني قبل أن أرى النور؟.. لكن تراكم الكدمات سيسكته الى الابد.

خنقتني الكلمات..وفاضت عيناي بالعبرات...لم أعُد أرى..مددتُ يدي أبحث عن شيئٍ أمسكُ به تحاشياً للسقوط.

فتحتُ عيني فوجدتُ نفسي في حضنه وتحت ظلالِ شاربيه...مسحَ دموعي وقال:
- أنا سأرجمكِ بالورد وأقصفكِ بمدافع الحب...

أنا سأحكمُ عليكِ أن تعيشي معي إلى الأبد..زوجة.. وأمّاً... بشرع الله.

لستِ جارية ولا مملوكة.. بل أنتِ الملكةُ التي بايعتها منذ زمن.. وأسجدُ عند قدميها الطاهرتين..

سأفتخرُ بكِ.. وبأمسكِ الجميل...نعم مافات لم يمُتْ بعد..فلن يموتَ حبّكِ في قلبي.