رُؤى ثقافيّة «٢٧٠»

حِوارُ الأَجـِنَّة!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

1
[في البَدْءِ كُنْتِ أَنـْتِ.. في دَمِـيْ تَسْرِيْنْ
يا مَنْ بُرَاقُ كَأْسِهَا طَـوَى بِـيْ الكَوْنْ!]
زُجَاجَةٌ مِنْ شَهْقَةِ العَبِيْرِ عَانَقَتْ غَزَالْ!
«النَّشْرُ مِسْكٌ،
والوُجُوْهُ» إذْ تَدُوْرُ
حَوْلَ «آذَنَتْ بِبَـيْـنِها» اللَّيَالْ
والوَقْتُ قَامَةٌ مِنَ الدِّفْءِ الكَثيفِ كالخَيالْ
على نَثَاهُ يَفْهَقُ الرَّبِيْعُ غُلْمَةً،
ويَخْفِقُ المَصِيْفُ بالسِّلالْ!
 
2
[شَفَـتَيَّ اصْطَلَـتْـهُما شَفَتاهـا
نَهْـرَ وَرْدٍ.. وكَوْثَرَ الأَفْلاكا!]
تُسَبِّحَانِ..
تَسْبَحَانِ،
تَرْشُفَانِ خَجْلَةَ الجُمَانِ في دَمِ الصَّدَفْ
الآنَ، في سُمُوِّ أَمْرِها، هُنا، (سَمِير امِيْسُ)؟
وانْجَلَتْ ذُكَاؤُها بِـ(نَيْنَوَى)،
ووَاقِفٌ بَكَى على أَطْلالِـها،
في أُهْبَـةِ الأَعْرَاسِ،
إذْ تَصَاهَلُ الخُيولُ في لَـهَا النُّطَفْ!
 
3
قالتْ لَهُ (بِلْقِيْسُهُ):
«اِرْكَمَّعِيْ»
فَضَاءَ عَرْشِيَ اليَمانيَّ الجَنَى،
بَخُوْرَ أُغْنِيَاتِـيَ المُعَتَّقَ الشُّمُوْسِ،
أَطْفِئْ نَارَ هٰذِيْ النَّارِ، يا خَلِيْلَها/ الفَتَى اليَفَنْ!
فاللَّيْلُ لَيلُنا هُنا،
طُوفَانُنا، وفُلْكُنا،
وإنَّني وَحدِيْ أَنا،
بِتَاجِ عَرْشِ عِزَّتِـيْ!
يا فَارِسَ البِحَارِ، يا (ابْنَ ماجِدِيْ)،
وهل أَتَى عليكَ دَهْرٌ لم تَكُنْ بِـ(دَخْتَنُوْسِ) خَاطِرِي؟!
حَلَفْتُ لَنْ تَنَالَ عِتْقَ بَارِقِي،
حتَّى يُؤَذِّنَ الشُّرُوْقُ مِنْ غُرُوْبٍ..
لا،
ولَنْ أُضَيِّعَ الصَّيْفَ اللَّبَنْ!
فاقْرَأْ فَمِيْ،
حُرُوْبَ أَعْرَابِ الهَوَى،
أَمْثَالَـهُمْ،
كَيْ تَكْتُبَ احْتِضَارَ أَمْسِيْ الحَاضِرِ!
 
4
عَفْوًا، أَيَا سَيِّدَتِـيْ،
عَفْوَ الهَوَى!
يَضُخُّ فِـيَّ مُعْجَمِيْ
شَلَّالَ لا صَمْتٍ ولا تَكَلُّمِ
يَرْوِيْ بِكَبْتِ (الطَّبَرِيِّ)
عَنْ خَرَائِطِ الفَتَى (الإِصْطَخَرِيْ)
فإِنْ أَنا زَلَّتْ بِحَرْفِـيْ أَنْجُمِيْ،
أو زَلَّ طَرْفُ مُهْرَتِـيْ،
إِذْ تَنْفُضُ الرُّؤُوْسَ عَنْ ذُؤَابَةِ (المُجَيْمِرِ)
فكَفُّكِ بِكَفِّها
تَغْشَى الشَّذَا بِسُنْدُسِ الإِسْتَبْرَقِ
أَنـْتِ التي ثَراكِ وَعْدُ المُطْلَقِ
وَعْدُ السَّماءِ
أَنْ يُضِيْءَ نَجْمُهُ مِنْ حَلْمَتَـيْها،
شَهْوَةً لِلمُسْتَـثِـيْرِ المُسْتَحِيْلِ الزِّئْبَـقِي!
 
5
وجَذْوَةٍ،
يَأْجُوْجُ مَأْجُوْجُ الجَوَى بِزَمْهَرِيْرِ جَمْرِها
غَنَّى بِها:
تَنَفَّسِيْ، عَشْتَارُ، عَنْ جَحِيْمِ ثَلْجِكِ الشَّفَقْ
ولْيَنْفُثِ الشِّهَابُ سُوْرَةَ الشَّذَا
لكَمْ شَرِبْتُ مِنْ حَمِيْمِ نَحْرِها..
شَرِقْتُ مِنْهُ..
دُخْتُ فِيْهِ..
كَمْ غَرِقْتُ..
مُتُّ ثُمَّةَ..
انْبَعَثْتُ في تَوَهُّجِ العَبَقْ!
 
6
[سُجِرَ البِحَارُ بِنَارِها، فتَأَجَّجَتْ
وأَنـا الذي فـي بَرْدِيَ المَسْجُـوْرُ
يا أَيُّهـا المَرْسَى، اتَّـئِدْ؛ فالبَحْرُ لي
لِفَمِـيْ يُحَـرِّضُ غَيْمَـهُ فَيَـثُـوْرُ!]
...
ثِمارُ أشجارِ المَعاني ثُرْنَ بِـيْ،
وكُلُّ زَهْرَةٍ تُدِيْـرُ نَحْلَتِيْ إلى رَحِيْقِها الجُنُوْنْ!
والكَأْسُ لِـيْ،
هاتِيْـكِ..
هاتِـيْ رَشْفَةً مِنْ رِيْقِها،
يا نَشْوَةَ المَلاكِ، والشَّجَا شُجُوْنْ!
 
7
وخَمْرَةُ النَّعِيْمِ، يا مَلاكُ، جَمْرَةٌ هَتُوْنْ
فحاذِرِيْ أَنْ تَسْكُبِيْها فَوْقَ زَيْتِ خافِقِيْ!
وفي الشِّفَاهِ خَمْرَةٌ أَشْهَى،
تَدُوْرُ بِـيْ مَدَارَ «كُنْ أَنا، أو لا أَكُوْنْ»!
 
8
[ومَلاكَتِيْ طَرَقَتْ بِجَسَّاسِ الهَوَى
لتُبِيْـحَـنِـيْ ؛ فبَسُوْسُها مَصْقُـوْلُ!
مَنْ لِـيْ بِغَيْرِ حَبِيْبَـتِـيْ، أُمًّا، جَنِيْـ
ـنُ حَنِـيْـنِـها بِيَمِيْـنِها مَسْلُوْلُ؟!]
...
سَمِعْتُ صَوْتَ آخَرِيْ في مِلَّةِ (الأَنا/ الهَوَى)
يَصِيْحُ بِـيْ:
«غُصْنُ السَّلامِ لِلَّذي يُحْيِيْ النَّوَى»!
...
لأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ سَلامُها!
 
9
أَعُبُّ مُعْجَمَ الحَضَارَةِ التي
أَجْرَاسُها تَدُقُّ للمَجْهُوْلِ مَجْهُوْلَ الجِبَاهْ
يا هٰذهِ البَتُوْلُ،
رُحْمـَى،
إِنَّنِيْ المَسِيْحُ سُمِّرَتْ بِسُنْدُسِ العَذَارَى مُقْلَتَاهْ!
 
10
كمُهْرَةٍ تَخَلَّقَتْ مِنْ رِيْحِها الجَنُوْبِ والشَّمَالِ،
مِضْمَارُ انطِلاقِها بِرُوْحِيَ القُدُسْ!
تَقُوْلُ، جَزْلَةً:
لماذا، إِنْ أَنا سَمِعْتُ صَوْتَكَ النَّدَى..
الأَدْرِنَالِيْنُ يَضِجُّ في دَمِيْ،
ويُوْرِقُ الصَّفَا الوَلَهْ؟!
أَشْتَاقُ وَجْنَتَيْكَ،
أَجْمَلَ النُّجُوْمِ في اللَّيَالِـيْ..
يَسْتَبِدُّ بِـيْ الدَّلَهْ!
كَأَنَّ هٰذا الصَّوْتَ فِـيَّ نَفْحَةُ الأَروَاحِ،
أو كَأَنـَّـهُ تَاريخُ صَوْتِ المَاءِ في فَمِ اليَبَسْ!
 
11
فُؤَادُ أُمِّ (مُوْسَى) لَيْسَ فارِغًا؛
فَمِلْءُ قَلْبِها أَنا،
ومِلْءُ قَلْبِيَ المَحَبَّةُ الأَتـُـوْنْ
مَغْمُوْرَةً بِنِـيْـلِـيَ النَّمِيْرِ:
مِيْمُها سَحَابةُ اللَّظَى
على الفُؤَادِ مَاطِرَةْ!
مِيْمِيْ تَضُمُّ بَدْوَها والحَاضِرَةْ
فلتُهْرِقُوا فُؤادَ أُنْثَى كانَ بَعْلُها أَمُوْنْ!
 
12
ولُؤْلُئِيَّةُ الجَنَى، تَقُوْلُ:
يا لُؤْلُؤَةَ القَلْبِ، التَفِتْ:
مِنْ قَطْرَةٍ فَقَطْرَةٍ
تَسِيْلُ أَنهَارُ الرُّؤَى
وأَنْتَ كَوْثَرِيْ أَنا،
كُنْ فِـيَّ،
كَيْ أَصِيْرَ فِيْكَ أَنْتَ نَهْـرًا كَوْثَرا
كُنْ فِـيَّ،
كَيْ أَجْتَاحَ بَـيْنَ دِجْلَـتَـيْكَ أَدْهُرا!
 
13
[يا ظَبْيَةَ البَـانِ المُبِـيْنِ بِالنَّـقَـا
سَمِعْتُ فِيْكِ مِسْكَكِ المُعَلَّـقَا
دَخَلْـتُ دارَهُ، شَمَمْتُ دِفْـأَهُ،
فقَـيِّدِيْـنِـيْ في لَظَاكِ مُطْلَقَا!]
...
حَريرُها يَضُمُّني في شَرْنَقَةْ
كَأَنـَّني جَنِـيْنُ أُنْثَى مِنْ فَرَاشٍ،
إذْ تَرِفُّ بِـيْ، وعِطْرُها الخَيَالْ!
رَيَّانَةَ الأَرْدَانِ،
والمَرَاشِفُ المَوْتُ الزُّلَالْ
سُلافُها وَلِيْدَةٌ مُعَتَّقَةْ
يا بَحْرُ، خُذْنِـيْ في الدُّوَارِ الآنْ!
 
14
قالتْ:
حَبيبيْ، كُنْ بِـيَ الإِنسَانا!
لا عِطْرَ فِيْكَ مِنْ نَثَا غَيْرِيْ ولا نَيْسَانا!
حَرْثِيْ أَنا..
وَحْدِيْ أَنا..
هناكَ في صَمِيْمِ صَرْحِ النُّوْرْ!
في هِزَّةِ التَّكْوِيْنِ
إذْ يَرْقَى بِها الكَشْفُ العَظِيْمُ نَشْوَةً
رَيَّا بِعِطْرِ أَوَّلِ الأَجِنَّةِ المَحْظُوْرْ!
 
15
شَرِبْتُ هٰذا النَّهْرَ كُلَّهُ،
يَسِيْلُ فِضَّةً،
فَتَحْتُ أَرْضَ المِسْكِ عُنْوَةً،
وجُبْتُ رِحْلَةَ الحَرِيْرِ في تُوْتِ الحَرِيْرْ
فيها أَضُمُّ نَهْدَ صُبْحِيَ النَّدِيَّ ثَائرًا
مُؤَذِّنـًا، يَقولُ لي:
أَلا تَـرَى؟
أَلَـمْ أَقُلْ: فِـيَّ السُّهَادُ كالكَرَى؟
فارْتَعْ بهٰذا النَّاعِمِ الرَّيَّانْ!
يا بَحْرُ، خُذْنِـيْ في الدُّوَارِ الآنْ!
 
16
يُلامِسَانِ بِـيْ شِفَاهَ ما انْقَضَى،
طِفْلًا شَفِيْفًا،
بَيْنَ حَلْمَتَـيْنِ صَاغَ حُلْمَهُ!
يا بَحْرُ، خُذْنِـيْ في الدُّوَارِ الآنْ!
...
قالتْ: أَغَارُ!
قُلْتُ:
هل أَبْقَيْتِ مِنِّيْ، كَيْ تَغارِي،
يا قَصِيْدَةَ الجِرَاحْ؟!
أَكَلْتِنِيْ،
شَرِبْتِنِيْ،
حاصَرْتِنِيْ بِشَعْرِكِ ونَشْرِكِ ونَاهِدَيْكِ،
صُغْتِ هَالةً بِدِفئها تَحُوْطُنِيْ،
وحيثُما التَفَتُّ مِنْكِ ضَمَّنِيْ بِشَهْقَةٍ جَنَاحْ!
 
17
أَخَذَتْ قِيْثَارَ دَمِيْ،
عَزَفَتْ:
ـ ما السِّرُّ الأَعْظَمُ،
يا شَهْدَ الأَسْرَارِ.. أَمَا تَدْرِي؟
...
سأَبـُـوْحُ بِهِ،
ها إِنَّكَ ذا في الوَادِيْ طُوَى!
فاخْلَعْ...
ـ أَخْشَى البَرْدَ المُتَلَأْلِئَ مَعْدِنُـهُ!
ـ «يُمَّهْ!»، أَنَّى البَرْدُ؟!
سَيَضُمُّكَ فِـيَّ جَنَى صَيْـفِيْ الأَشْهَى،
ويَلُمُّكَ جَمْرِيْ في دِفْءِ المَعْنَى!
ـ أَغْمَضْتُ عَلَيْكِ، إِذَنْ، جَفْنَيْ رُوْحِي...
ـ هَيَّا نَسْرِي، نَسْرِي..
ـ هَيَّا نَسْرِي..
يَجْرِيْ شِعْرِيْ مِنْ نَهْرِكِ،
يا (أَفْرُوْدِيْتَ) الأَشْوَاقِ، إلى بَحْرِيْ!
وبِكَفِّكِ مِفْتَاحُ الإِسْرَاءِ إلى سِرِّيْ
فبِلا أُنْثَى: لا مِعْرَاجِيْ مِعْرَاجِيْ،
لا قَلَمِيْ بِـكِ يَكْتُـبُـنِـيْ،
كَيْ تَقْرَأَنِـيْ عَيْنَاكِ على عَيْنَي حِبْرِي!
ـ هَيَّا نَسْرِي..
ـ هَيَّا نَسْرِي...

واقرأ للشاعر:

مرافئ الحُبّ، للشاعر سلمان بن محمّد الحَكَمي الفَيفي (1363- 1421هـ= 1943- 2000م)، ديوانٌ شعريّ قام بتحقيقه (جازان: النادي الأدبي، 2007).‏