في رثاء الابن

، بقلم فاروق مواسي

إذا ما دعوت الصبر بعدك والأسى
أجاب الأسى طوعًا ولم يجب الصبر

ورد البيت في كتاب (الحماسة) لأبي تمام -ج1، ص 379- التبريزي-،

وذلك ضمن قصائد أخرى في رثاء الأبناء، فقد نسب هذا البيت وما بعده لمجهول:
"وقال آخر".

أما البيت الثاني بعده فهو:

فإن ينقطع منكَ الرجاء فإنه
سيبقى عليكَ الحزن ما بقي الدهر

لكن التبريزي يقول في الشرح:

"قالوا إن هذا الشعر للعباس بن أحنف، من بني عَدِيّ بن حنيفة وهو شاعر غزل...وقدّمه المبرِّد على نظرائه، وأطنب في وصفه".

عدت إلى ديوان العباس (ص 161) فوجدت البيتين وكأنهما في خطاب حبيبة هجرته، بدليل شكل الكاف في طباعة الكتاب (؟):

إذا ما دعوت الصبر بعدكِ والوفا
أجاب البكا طوعًا ولم يجبِ الصبرُ
فإن تقطعي منكِ الرجاء فإنه
سيبقى عليكِ الحزن ما بقي الدهر

الشاعر إذن هو العباس بن أحنف (ت. 808 م) رغم أن عشرات المصادر لم تعزُ البيتين لأحد، منها الحماسة -كما ذكرت- و(العقد الفريد) ج 3، ص 258 يقول لنا:
"لبعض الأعراب في رثاء ابنه"- (البيتين).

ويذكر المؤلف ابن عبد ربه في هذا السياق شعرًا له في رثاء ابنه:

على مثلها من فجأة خانني الصبرُ
فراق حبيب دون أوبته الحشرُ
ولي كبِد مشطورةٌ في يد الأسى
فتحتَ الثرى شطرٌ، وفوق الثرى شطرُ
يقولون لي صبِّر فؤادك بعده
فقلت لهم ما لي فؤاد ولا صبر

ولابن عبد ربه نص آخر يروعنا في حزنه:

إذا ذكرتُك يومًا قلتُ: واحـــزنـــا
وما يرد عليّ القول "واحزنا" !؟
يا سيدي ومراح الروح في جسدي
هلا دنا الموت مني حين منك دنا
يا أطيب الناس روحا ضمها بدنٌ
أستودع الله ذاك الروح والبدنا!

وما أجمل هذه المختارات التي جمعها صاحب العقد الفريد في المراثي (ج 3، ص 244 وما بعدها).
من جميل الشعر كذلك ما قرأناه من قصائد ابن الرومي في رثاء بنيه، وخاصة ابنه الأوسط:

بكاؤكما يَشفي وإن كان لا يُجـدي
فجودا فقد أودى نظيركما عنـدي
توخّى حِمام الموت أوسط صبيتي
فلله كيف اختار واسطـة العِقـد
فيا لكِ من نفس تساقـط أنفسًا
تساقطَ درٍّ من نظـام بـلا عَقـد

وكم أتمثّل الشاعر وأنا أرنّم النون الحزينة في قوله:

وإنّي وإنْ متعـت بابنـَيَّ بعـده
لذاكرًه ماحنَّت النِّيب فـي نَجـد

أما الشاعر التِّهامي فله قصيدة طويلة، أذكر منها:

حكمُ المنيَّة في البريَّـة جـارِ
ما هذه الدنيـا بـدار قـرارِ
يا كوكبًا ما كان أقصرَ عمـره
كذا تكون كواكبُ الأسحـار
عجل الخسوفُ عليهِ قبل أوانهِ
فمحاه قبـل مظَّنـة الإبـدار
فكـأنّ قلبـيَ قبـرهُ وكأنَّـهُ
في طيِّه سـرٌّ مـن الأسـرار
درّت عليك من الغمام مراضع
وتكنفتك من النجوم جواري
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربّـهُ
شتّان بين جوارهِ وجـواري

في شعرنا المحلي كان الشاعر نايف سليم قد أصدر مجموعة قصائد رثائية لطفلته (وفاء) سنة 1975، وكذلك رثى الشاعر محمود مرعي ابنته عائشة:

كانَتْ عَروسَ الدَّارِ أَجْمَلَ وَرْدَةٍ
تُهْدي الشَّذا لِلْبَيْتِ وَالسُّكَّانِ
وَتُوَزِّعُ البَسَماتِ في جَلَساتِها
وَيَفيضُ مِنْها البِشْرُ لِلْجيرانِ
اَلْكُلُّ عَنْ أَخْلاقِها قَدْ حَدَّثوا
أَوْ طيبِها وَالعَقْلِ وَالرَّجَحانِ
كانَتْ مَلاكي في الحَياةِ وَحارِسي
إِنْ قُلْتُ "عُشْعُشَ" صَوْتُها لَبَّاني
رَكَضَتْ تُسابِقُ ضَحْكَها نَحْوي وَكَمْ
ساقَتْ طَرائِفَها إِلى آذاني
وَإِذا صَرَخْتُ مُغاضِبًا وَمُعاتِبًا
هَبَّتْ تُراضيني "أَنا هِيَّاني!"
وَتَلُفُّني بِذِراعِها وَحَنانِها
وَبِبَسْمَةٍ تَسْتَلُّ ما أَعْياني
وَتُقَرِّبُ الخَدَّ الطَّهورَ لِقُبْلَةٍ
وَتَغيبُ وَالأَفْراحُ مِلْءَ جَناني

من أراد الاستقصاء في هذا الموضوع فثمة كتابان مهمان فيهما مئات النصوص الرائعة جمعهما المؤلفان:

الملوحي، عبد المعين: مراثي الآباء والأمهات للبنين والبنات من الجاهلية إلى آخر القرن الثامن- 1993. (312 صفحة)

صالح، مخيمر: رثاء الأبناء في الشعر العربي – 1981، 255 صفحة.

حمى الله أبناءنا وبناتنا!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف