حدث ذلك في موسكو، صيف عام ١٩٨٥

، بقلم رواء الجصاني

نعم، ثمة مشاعر وتعابير فرح عراقي هذه الايام، وان كان محدودا، وفي الخارج، برغم كل المآسي التي تمر بها بلاد الرافدين.. ونعني بذلك مشاركة شبابية عراقية، مع طلبة وشباب العالم في مهرجانهم التاسع عشر، المقام في "سوتشي" الروسية..

واذا تنقل بعض وسائل الاعلام، انطلاق المهرجان بمسيرة استعراضية فرحة للمشاركين، جابت شوارع موسكو، قبل التوجه لـ"سوتشي" مدينة المهرجان، طارت بي الذكريات الى مايزيد بقليل عن اثنين وثلاثين عاماً، حين آحتضنت موسكو " الحب والحلم" آنذاك، فعاليات المهرجان الثاني عشر لشبيبة وطلبة العالم صيف عام 1985.. وكنا (آنذاك ايضا) لفيفاً عراقيا، طلابيا وشبابيا مشاركين في تلكم الفعالية الرحيبة الالقة المعطاء..

وبما يتناسب والاوضاع في البلد السليب – العراق – في حينها، كانت توجهات وفعاليات وفدنا - وسُمي "بالعراقي الديمقراطي" تمييزا له عن الوفد البعثي الحكومي- قد ركزت على كشف المستور اكثر فأكثر، عن اجواء القمع والارهاب امام شبيبة وطلبة العالم، واعلاء صوت التضامن – واكثر واكثر ايضا- مع نضالات قوى واحزاب وشخصيات العراق الديمقراطية، وهي تقارع باشكال متعددة سلطة الطغيان والدم...

وهكذا راح الوفد، بكل اعضائه ومسؤوليه، بشاباته وشبابه، يتابعون الموكول اليهم، وما أوكلوه لانفسهم، بهدف مشاركة حيوية جهد المستطاع في ندوات وتجمعات وانشطة المهرجان المختلفة: السياسية والنظرية والثقافية والفنية والرياضية، وما الى ذلك من شؤون شبابية وطلابية، وما اكثرها وامتعها، كانت ولا تزال!...

وأذكر - مما أذكر- كيف كان رئيس الوفد، عدنان الجلبي، مهموماً بشؤون العلاقة مع المضيفين، والمنظمين الذين ارادوا "مساومة" و"موازنة" بين الوفد الحكومي، ووفدنا الديمقراطي، ولاسباب يطول الحديث المؤلم عنها.. كما اتذكر حيوية كمال شاكر، المعهودة، السياسية منها والشبابية والاجتماعية.. وكذلك مشاركات رائد فهمي، في ندوات المهرجان، وكذلك مهام: صنوبر عبد الكريم، بتمثيل شابات رابطة المرأة العراقية، اضافة لمسؤليات كاتب هذه السطور، منسقا للانشطة الطلابية العراقية - الديمقراطية في المهرجان..

وبذلك النحو وشبيهه، راحت المشاركات تتنوع من اعضاء الوفد - وكل حسب طاقته!- ومنهم – والاسماء بحسب التسلسل الابجدي: الفنان، جبر علوان، والكاتب زهير الجزائري والمطرب سامي كمال، والناشط الطلابي، صبحي الجميلي، والسينمائي على رفيق، والشاعر عواد ناصر، والملحن كوكب حمزة... وعذرا سلفا لمن لم تحضرني اسماؤهم بهذه العجالة، من باقي الاصحاب والاحباب... وهنا لا يجوز ان تمر الذكريات دون الاشارة الى شبيبة وطلبة العراق الديمقراطيين الاخرين الذين جاؤوا الى المهرجان ضمن وفود البلدان التي يدرسون او يتواجدون فيها عهدذاك، وبالاخص ممن كانوا ضمن الوفد البريطاني، وكم كانت مساهماتهم فعالة لدعم نشاطاات وفدنا الديمقراطي..

ولربما لا يحتاج المتابع لكثير عناء حين يقرأ الاسماء السابقات فيرى تنوعها الابداعي– السياسي- الثقافي.. ولكن كم هو ضروري ان نضيف صفات اخرى لطبيعة الوفد وتشكيلته فنقول انه كان من بين المشاركين: عرب وكرد وكلدو- اشوريين. فيهم شيوعيون وديمقراطيون وسواهم.. طلاب وشغيلة فكر ويد، وكذلك مناضلون قادمون تواً من صفوف قوات الانصار المسلحة في كوردستان العراق، غيرهم.

وكما سبق القول، وبرغم ان المهرجان شهد العشرات من الفعاليات الموسيقية والفنية والرياضية وغيرها، الا ان وفدنا بشاباته وشبابه، انغمروا في الفعاليات السياسية والتضامنية، واشهار المزيد من الحقائق عن سلطات الحرب والقتل والدمار في بغداد، وقد نجحوا في ذلك لحدود بعيدة، ما اضطر اركان الوفد الحكومي – البعثي- للاحتجاج - رسميا- عند بعض اصدقائهم من المنظمين وغيرهم، على نشاطات وفدنا، بل وهددوا بالانسحاب من المهرجان (مع هداياهم ورشاويهم وتمويلهم) ويا ليتهم فعلوا ذلك فأراحوا واستراحوا..

وفي عودة لدوافع هذه الكتابة – التأرخة، واعني بها مشاركة شبابنا وطلابنا العراقيين في فعاليات المهرجان التاسع عشر لشبيبة وطلبة العالم، المنعقد الان في "سوتشي" بروسيا الاتحادية، اقول بالعودة لذلك، كم تشرق السعادة ويطفو الحبور، حين يشاهد المرء شبيبتنا الجميلة مع اقرانها من مختلف ارجاء المعمورة تهتف وتنشد، وتعمل، للسلم والصداقة والمستقبل الوضاء.. وكم يعود بالمرء الحنين لعقود مضت، اكيد انها لن تعود بجمالها وعنفوانها وتطلعاتها.. ولكن دعونا نعوض عن ذلك، ببعض كلام، وحفنة مزاعم، نستعيرها من فيض الجواهري العظيم، مهاتفاً شبيبة وطلبة العراق عام 1959:

.. والغـدُ الحلـوُ بنوهُ انتـــمُ، فأذا كانَ له صُلبٌ فنحنُ
فخرنا أنـّا كشفناهُ لكـــم، واكتشافُ الغـدِ للأجيال، فـنُّ
يا شبابً الغـد أنّـا فتيةٌ، مثلكُـم، فرّقنـا في العمر سـنُّ
لم يزل في جانحيّنا خافـقٌ لصروف الدهرٍ، ثبتٌ مطمئنُ