الشعراء فاعلمنَّ أربعه

، بقلم فاروق مواسي

هناك من قسم الشعر إلى أقسام، وحدد الشعر أو الشاعر في أربعة منها:

لنبدأ بابن قُتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) ج1، ص 64، وهو يقسم الشعر إلى أضرب أربعة:
ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل في بعض بني أمية:

في كفّه خَيزُرانٌ ريحُهُ عبقٌ
في كفِّ أروعَ في عِرنينِهِ شممُ
يُغضي حياءً ويُغضى من مهابتهِ
فلا يُكلّمُ إلا حين يبتسمُ

(لم يُقل في الهيبة شيء أحسن منه، ويرى المحقق أحمد محمد شاكر أن البيتين للحَزين الكِناني قالهما في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقيل إنهما من شعر الفرزدق في مدح زين العابدين علي بن الحسين. وقد بحثت هذه المسألة في كتابي "دراسات أدبية وقراءات بحثية ج1، ص 203= نسبة الشعر إلى أكثر من شاعر).

ب- ضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد هناك طائلاً، كقول جرير:

لو كنت أعلم أن آخر عهدكمْ
يومُ الرحيل فعلت ما لم أفعلِ

ج- ضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد:

ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسهِ
والمرءُ يُصلحهُ الجليسُ الصالحُ

د- وضرب منه تأخر لفظه وتأخر معناه كقول الأعشى:

والأرض حمَالة لما حمّل الله وما إن ترُدُّ ما فَعلا

يهمني هذا التقسيم النقدي للشعر أكثر مما يهمني مطابقة النموذج للنوع، فهذه مسألة فيها نظر، خاصة وأن ابن قتيبة ذكر أبياتًا أخرى عليها خلاف بين النقاد.

لنأت إلى ابن رشيق في كتابه (العُمدة: ج1 ص 94) فهو يقول:

"الشعراء أربعة:

شاعر خِنذيذ، وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وسئل رُؤبة عن الفحولة، قال: هم الرواة؛

وشاعر مُفْلِـق، وهو الذي لا رواية له، إلا أنه مجوّد كالخنذيذ في شعره؛

وشاعر فقط، وهو فوق الرديء بدرجة؛

وشعرور، وهو لا شيء.

قال بعض الشعراء لآخر هجاه:

يا رابع الشعراء كيف هجوتني
وزعمت أني مفحَم لا أنطِق

(يذكر محمد محيي عبد الحميد – محقق الكتاب- أن الشعر يُنسب للحطيئة، والمقصود برابع الشعراء= شعرور).

يمضي ابن رشيق في تقسيم الشعراء، فيقول:

"وأنشد بعض العلماء ولم يذكر قائله:

الشعراء فاعلمنَّ أربعه
فشاعر لا يُرتجى لمنفعه
وشاعر ينشط وسطَ المجمعه
وشاعر آخر لا يجري معه
وشاعر يقال- خمر في دَعَه

لكن الثعالبي يذكر لنا تقسيمًا آخر للشعراء في أربعة أنواع، ويخشى أن يكون هو نفسه من الصنف الرابع:

إني أخاف أن أكون رابع الشعراء، أراد قول الشاعر:

الشعراء فاعلمنَّ أربعه
فشاعر يجري ولا يُجرى معه
وشاعر من حقه أن ترفعه
وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر من حقه أن تصفعه

(الثعالبي- "فقه اللغة"، ط 3 ، ص 4-5- الثعالبي شاعرًا، فهو لم يذكر لنا اسم الشاعر، وقد وردت كذلك في رواية أخرى- " الشعراء فيما علمنا أربعه")

ثم شاع التقسيم بكلمات أخرى على نفس الوزن والقافية:

* شاعر يجري ولا يُجرى معه
وشاعر يخوض وسط المعمعه
وشاعر لا تشتهي أن تسمعه
وشاعر لا تستحي أن تصفعه

هنا طرح جديد في التقسيم، فيه صفع الذي لا يحسن القول، وقبل ذلك عدم اشتهاء السماع، فوجود هذا الصنف وقلّته سيّان.

بحثت عن هذا الشعر، وكنت أحفظه على أنه لشوقي أورده في مجنون ليلى، ولكني عند التوثيق لم أجد الأبيات في شعر شوقي، بل وجدت مقالة كتبها شهاب غانم (صحيفة 14 أكتوبر- 17 آب 2009)، وقد نسب الشعر إلى زين الدين الآثاري المَوصلي (765 - 828هـ / 1364 - 1425م) حيث يقول:

والشعراء في الزمان أربعه
فشاعر يجري ولا يجرى معه
وشاعر يخوض وسط المعمعة
وشاعر ما تشتهي أن تسمعه
وشاعر ما تستحي أن تصفعه

استمررت في البحث في شعر شوقي لعلي أهتدي، وذلك لأني أكاد أوقن أن الشعر له، فوجدت بيتين قريبين له لعل فيهما تناصًا ما:

كتّاب مصراثنان في آرائنا
وعند حسن الرأي تُجلى المعمعه
فكاتب يُقام إجلالاً له
وكاتب لا نستحي أن نصفعه

(الشوقيات المجهولة ج1 ص 287)

أما المواقع فقد آثر بعضها أن ينسب الشعر للبحتري، ولم أجد لذلك أي دليل في ديوانه.
ولو جاز لنا أن نواصل في التقسيم بسبب كثرة الرداءة لقال من قال في أربعة أنواع أخرى:

وشاعر لا ترعوي أن تردعه
وشاعرٌ في صوته كالزوبعه
وشاعر أشعاره مرقّعه
وشاعر في نظمه لا منفعه

ولن نزيد!