الأحد ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٧
وقفة على حافة السيرة الذاتية
بقلم رياض كامل

في «نوم الغزلان»

مقدمة

يعتبر الكاتب محمد علي طه من أبرز كتاب القصة الفلسطينية القصيرة. أغنى المكتبة العربية بالعديد من المجموعات القصصية، وقصص الأطفال والمسرحيات، ورواية واحدة بعنوان "سيرة بني بلوط" (2004)، فضلا عن مقالاته في مجالات عدة؛ أدبية، اجتماعية وسياسية. رأت مجموعته الأولى "لكي تشرق الشمس" النور سنة 1964، وما زال يتابع الكتابة والنشر والإصدار بكثافة. أصدر مؤخرا كتابا بعنوان "نوم الغزلان" (2017) الذي يعتبره "فصول على هامش السيرة الذاتية" (ص18). يعود فيه بذاكرته إلى بدايات سن الطفولة وأيام النكبة، حين كان في السادسة أو السابعة من عمره (ص19)، وقد حمل أمتعته مثل بقية أفراد عائلته تاركا بيته وقريته ميعار المكان الأكثر حميمية على قلب الطفل، وينام مع عائلته في العراء محتميا بشجر بلادنا الحنون.

يسرد الكاتب جزءا هاما من سيرته الذاتية على امتداد ستة عقود ونيف، يتنقل بين محطات عدة دون اعتماد السرد المتسلسل الذي يميز السيرة الذاتية، اللهم إلا في الفصول الأولى من الكتاب حين يتحدث عن ميعار عشية النكبة وما يعقبها من أحداث مؤلمة كالهجيج والتنقل من بلدة لأخرى حتى استقرت العائلة في قرية كابول. يعرج خلال تجواله الطويل على ربوع بلادنا؛ قراها ومدنها، جبالها، سهولها، أشجارها وورودها، في أفراحها وأحزانها. ويتنقل ما بين الماضي والحاضر، ويحط رحاله في أكثر من محطة خاصة وعامة في البلاد والخارج. يحملك معه من خلال توظيف كل تقنيات القص التي لا تتركك تتراخى لأنه أولا، وأخيرا، كاتب قاص، وكاتب ساخر، تبتسم وتضحك وتقهقه وتحزن، وتختلط عليك الأمور حين يحوّل المبكي إلى مضحك، لأن "شر البلية ما يضحك". ومع ذلك تراه يزرع الأمل على الدروب مؤمنا أن الآتي أفضل.
لماذا اختار الكاتب هذا العنوان؟ وما هي دلالاته؟ لماذا يشغله المكان أكثر مما تشغله مواضيع أخرى؟ وكيف يصوره؟ ما هي وجهة النظر التي اعتمدها في سرده؟ هذه مجموعة من الأسئلة التي سنجيب عليها في هذه المقالة. ولكن قبل الإجابة عليها وجدنا من الضروري أن نتوقف عند مفهوم "السيرة الذاتية" بإيجاز لأن الكتاب، كما صرح، الكاتب عبارة عن "فصول على هامش السيرة الذاتية".

السيرة الذاتية

إن السيرة الذاتية سرد نثري يقوم به شخص واقعي يركز فيه على حياته وتاريخه الخاص، بحيث يكون هناك تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية، يعلن فيه المؤلِّف أن ما يكتبه هو سيرة ذاتية، فيُقبل القارئ على قراءة الكتاب وفقا لهذا التصريح. وبالرغم من أن الدارسين يرون أنها تأخذ من الرواية الفنية ومن السيرة الذاتية الروائية إلا أنها لا تنضوي تحت مسمى رواية أدبية.

مهما بذل المنظرون من جهد للتفريق بين الأنواع الروائية السردية النثرية وبين السيرة الذاتية إلا أن هناك خيوط تقاطع بين هذه الأنواع كلها، لكنها تختلف فيما بينها من ناحية توظيف التقنيّات ووسائل السرد المتعددة، مثل المفارقات الزمنية، ووجهة النظر أو التبئير، والتخييل، والراوي وتخفّيه وظهوره، أو اللجوء إلى تعدد الرواة وتعدد الأصوات ومن ثم تعدد اللغات. والأهم من هذا وذاك هو نسبة التخييل الذي يوظفه الكاتب في السرد الذي يحدد موقع المؤلَّف "الجغرافي"، وانتمائه النوعي.

السيرة الذاتية إذن عبارة عن سرد ذاتي معلن مسبقا، ويعتمد اعتمادا كليا على الواقع وعلى زمن ومكان واقعيين. ومع ذلك فإني أشكك في نسبة هذه الواقعية، وأشكك في "براءة" النص ومرسِله، خاصة أن السيرة الذاتية لا تكتب بعد وقوع الحدث مباشرة، فقد يتعدى الفارق الزمني بين زمن الحدث وزمن السرد عقودا طويلة. ومهما كانت الذاكرة غنية، إلا أنها لن تصل إلى مستوى الكاميرا التي تصوِّر لحظة وقوع الحدث موثَّقا بسرد مكتوب أو مقروء. لذلك مجرد تذكر حدث وقع قبل فترة زمنية يتطلب منا تفعيل الذاكرة التي تتقاطع مع الخيال وتقتطع جزءا منه. وعليه يتطلب من الكاتب أن يبذل قصارى جهده ليظل السرد أقرب إلى الواقع منه إلى التخييل، فيلجأ إلى ذكر اسمه واسماء لأشخاص وأماكن متعددة من الواقع لا من الخيال.

يعلن محمد علي طه في المقطوعة الأولى التي يسمها ب"أول الكلام" أنه يبلغ من العمر الآن خمسة وسبعين عاما (ص9 السطر الأول من الكتاب بعد العنوان مباشرة). ويعلن في خطابه المباشر مع القارئ في نهاية هذا الفصل أن "نوم الغزلان ليست رواية ولا سيرة ذاتية ولا سيروية لأن سيرتي الذاتية هي قصصي القصيرة ومسرحياتي ومقالاتي وقصص الأطفال التي كتبتها وروايتي التي نشرتها قبل سنوات وروايتي الثانية التي سوف ترى النور قريبا. هذا العمل الأدبي هو فصول على هامش السيرة الذاتية". (ص18)

نتفق مع الأديب محمد علي طه أن ما يكتبه هو "عمل أدبي"، فالأداة التي يوظفها الأديب هي اللغة، وهناك فرق بين اللغة المباشرة التي يستعملها المؤرخون وكاتبو الأخبار اليومية وبين لغة الأديب في "نوم الغزلان" التي تميل إلى ما سماه جان كوهين "اللغة المنزاحة" التي تتوخى توظيف كل الوسائل البلاغية في مفهومها الكلاسيكي والحديث، فضلا عن مستويات اللغة المتعددة في أساليب السرد المتنوعة. كما نتفق معه على أنها ليست "رواية" ولا "سيروية"، فلهذه الأنواع الأدبية مميزات ووسائل تعبيرية مغايرة عما نراه في كتاب "نوم الغزلان". إننا نتفق معه، أيضا، أن هذا الكتاب هو "فصول على هامش السيرة الذاتية" لعدة أسباب أهمها؛ عدم الالتزام بالسرد المتسلسل، وعدم الربط بين الأحداث المبعثرة في فصول الكتاب، والتزامه بذكر مواقع وأزمنة من الواقع بعيدا عن التخييل المتبع في الرواية الأدبية. أما أن تكون مؤلفاته المتنوعة هي سيرته الذاتية ففي ذلك لنا وله ما نقول وما يقول. نتفهم حبه لما يكتب لأنه جزء من كيانه ومن ذاته ومن عقله وقلبه ووجدانه، ونرى أن السيرة الذاتية، كما ذكرنا أعلاه هي عبارة عن سرد نثري واقعي يدور حول شخصية حقيقية.

نقدر عاليا، أن يرى محمد علي طه فيما كتب وفيما سيكتب سيرتَه الذاتية، لأن الأديب يرى ويحس أن ما كتبه هو جزء من كيانه ووجوده المادي والعاطفي. هذه المؤلفات عبارة عن هُوية تحمل اسمه يتنقل بها هنا في بلادنا وفي بلدان عربية وأجنبية.

لم يخلع الكاتب ثوب الأديب القاص في توظيفه اللغة في مستوياتها المتعددة، إذ هناك شبه تعدد لغوي نابع من تعدد الساردين، في القطعة الواحدة، فضلا عن المونولوج والحوار والاسترجاع والاستشراف والاحلام والمناجاة. بل إن معظم الفصول تعتمد كثيرا على بناء ما يشبه الحبكة القصصية في مكوناتها ومركباتها من مكان وزمان وشخصيات وراو. هذا إضافة إلى السرد الذي يأخذ من السير الشعبية التي تأثر بها الكاتب، والسرد الحديث الذي يعتمد المفارقات الزمنية في تعرجاتها.

ومع ذلك فالكتاب يحمل أهم مقومات السيرة الذاتية حيث التطابقُ التام بين المؤلِّف والشخصية والراوي، وغلبةُ الصوت الواحد الذي يحمل رؤية الكاتب الأيديولوجية، رؤية محمد علي طه المباشرة، فضلا عن تبعثر المقالات والمواضيع في أزمنتها وأمكنتها، واعتماد السرد في غالبيته على أحداث شهدها الكاتب أو كان شاهدا عليها في أزمنة وأمكنة واقعية. أما المكان في الرواية فمتخيّل، والزمان، كذلك، متخيّل ويسير بشكل عمودي، بينما يسير في السيرة الذاتية بشكل أفقي، كما هو في "نوم الغزلان".

من الواضح أن الكاتب يعمل على ترسيخ رؤيته فعمد إلى توثيق التاريخ والأحداث من خلال شخصية واحدة شاهدة على العصر. وكل ما ذكرناه حول الوسائل الفنية الموظفة في السرد ينطبق على القطعة الواحدة بمعزل عن النص الكلي. فقد تعمّد الكاتب هذا التشتيت، مسبقا، ولم يلجأ إلى الربط العضوي للسرد في امتداده الزمكاني الطويل، وهو العارف بأصول الأجناس الأدبية وأنواعها، وله فيها صولات وجولات.

"نوم الغزلان" عنوانا

يشتمل الكتاب على مجموعة كبيرة من القطع الأدبية التي تتناول مواضيع عديدة تمتد، كما ذكرنا، على مسافة ستة عقود ونيف من الزمن، و"نوم الغزلان" هي واحدة من هذه النصوص الجميلة، ولكنها ليست الأجمل ولا الأعمق. إذن لماذا اختار الكاتب هذا العنوان دون غيره؟ وما الدافع إلى ذلك؟

يولي الباحثون، من أمثال جيرار جينيت، أهمية كبرى لدلالة العنوان ودوره، باعتباره عتبة النص وبوابته، والمحفز الأول للولوج فيه أو النفورِ منه لأنه، برأيهم، أشبه بمرآة تعكس بعض دلالات النص، ومفتاح لا يمكننا الاستغناء عنه كي ندخل من خلاله إلى التفاصيل. ينشغل به القارئ منذ المواجهة الأولى ويغور في أبعاده مجبرا، فلا يصل إلى مبتغاه، نظرا لمراوغته، فيتوه في سراديبه ومتاهاته ويبحث عن أواصر القربى بينه وبين النصوص حتى يأتي على آخر صفحة من المؤلَّف. فالعنوان يشبه في بعض أدواره بالمرشد الذي تتبعه فيرافقك يسارا ويمينا، شرقا وغربا، ويقودك إلى أماكن متوقعة وأخرى مفاجئة. يرى أمبرتو إيكو أن العنوان يجب أن يخلخل أفكار المتلقي. فهل يقودنا عنوان كتاب "نوم الغزلان" إلى عالم متوقع؟ أم إلى واقع مفاجئ؟
"نوم الغزلان" له دلالة لطيفة في مفهومنا اليومي، ويكثر استعماله في تصوير نوم بعض الأطفال، وإن كان لا يقتصر على الصغار، لأنه قد يتعدى ذلك إلى الكبار، لكنه يظل حاملا دلالة لطيفة في كلا الحالتين. وهو ملفوظ ناعم يقودنا في لقائنا الأول به إلى صورة حميمة لحيوانات ناعمة تتقافز وتمرح مع بعضها، وهي في شكلها وحركاتها تبثّ فرحا وجمالا. فتخالها تملأ رئتيها بهواء الفضاء الرحب عليلا حتى يطل عليها مفترس نجس يلتصق بالأرض، يزحف بخبث ويتربص لها ثم ينقضّ عليها ويفرقها مرعوبة بعد أن تكون قد فقدت فردا أو أفرادا منها، فيعود القطيع يلكأ جراحه ويلم شمله ويتابع رحلة الحياة يرعى الكبيرُ الصغيرَ ويرأف بعضُهم ببعض، يتكاتفون من جديد ليتابعوا مشوار الحياة بكل ما فيه من ألم وحسرة. تتابع المجموعة مصممة على البحث عن الحياة وعن الهواء، وعن ساقية، وعن شمس تبعث نورها، وعن قمر يبعث بصيصا من ضوء، وتتابع سيرها، تحط رحالها هنا وهناك. ينام الكبير ولا ينام، عين على الصغار وأخرى ترصد الأخطار.

ميعار بلدة فلسطينية تطل على بحر عكا وتلوذ بسهل وجبل وبئر ماء وسواقٍ رقراقة، يجمع أهلها الجنى في مواسمها المختلفة يملؤون الأهراء غلالا والخوابي زيتا وزيتونا، ويشربون من أباريق فخّارية ماء زُلالا طيبا كماء زمزم ينعشون به حناجرهم الجافة بعد أن تتلظى بوهج آب اللهاب. يمرح فيها الصغار ويلهون في مروجها وحقولها، وفيهم طفل في السادسة أو السابعة من عمره ينظر حوله ليرى القلق يغبر الوجوه، وتوجسا وريبة من غيوم تتلبد بعيدا تقترب بخبث أشبه بتلك الحيوانات التي زحفت متلصصة نحو قطيع الغزلان الآمن.

ويكون الهجيج ويحط على البلدة ميعار وعلى غيرها من البلدان العربية الفلسطينية كما يحط طائر الرخّ بكل ثقله على الأهل، يتعكر صفو حياتهم ويحملون صغارهم كما القطة للبحث عن مكان آمن، من سهل لجبل، من قرية لأخرى ويصبحون غرباء في رمشة عين، بعد أن كانوا سعداء في ظلال بيوتهم وأفياء أشجارهم ومراتع طفولتهم. يطوّف والد الطفل ويطوّف حتى تمكن أن يحط رحاله في قرية كريمة مجاورة هي كابول، قريبا من قطعة أرض كان يفلحها على أطراف ميعار قريبا من مكان سكناه الحديث، لكنه يتلقى في أحد الأيام رسالة مشؤومة لمقابلة مسؤول حكومي يبث إليه خبرا مفاده مصادرةُ قطعة الأرض التي لم يتبقّ من أملاكه ومن بيته سواها، فيعود مصدوما منهكا، يلازمه الحزن والأسى من هول الصدمة حتى أصاب عينَه عَطَبٌ، فبات حين ينام يغمض عينا وتبقى الأخرى مفتوحة.

بعد الانتهاء من قراءة الكتاب تكتمل دلالة العنوان وتتكشف أسراره، ليصبح دالا على أرق وقلق مما كان، ومما نحن عليه اليوم ومما سيكون. صحيح أن قطعة "نوم الغزلان" قد كشفت مبكرا وجهة السارد لأنها ترد في الصفحات الأولى من الكتاب، مع ذلك فإن القارئ يتفاجأ من العنوان الذي وُسِم به الكتاب، حين يكتشف مسبب التسمية، ويكتشف ما تعرضت له العائلة منذ بداية طريق الآلام وانتهاء بخسران قطعة الأرض. لكننا نؤكد أن التساؤلات تلازم القارئ حتى يأتي على نهاية النص عله يكتشف ما هو جديد، فنقع فعلا على فصول أكثر تفاؤلا وفرحا. فالطفل يكبر ويصبح كاتبا يصول ويجول في مشرق الأرض ومغربها ويجني الجوائز الأدبية ويلتقي برجال مهمين في مجالات عدة مهمة. فهل هذا يعني أن أبواب الفرج قد فتحت على مصاريعها؟ وأن أشجار بلادنا تجمع في ظلها وفي فيئها عصافير تبعث بزقزقتها لتبث بشرى هنا وأخرى هناك؟ ماذا يقول الأديب محمد علي طه بعد خمسة وسبعين عاما؟

بحثت عن الإجابة في ثنايا الكتاب وقد بعثرها الكاتب في أكثر من موقع، حتى واجهَنا بها مباشرة ودون مواربة في القطعة الأخيرة من الكتاب: "حينما أرى قوافل اللاجئين الجائعين المتعبين يحملون على أكتافهم الذل والقهر ويبحثون عن الأمن والرغيف في بلاد الغرب تحملني الذكريات الحزينة إلى ليلة 19 تموز 1948 وأنا أغادر مع أهلي بلدتنا ميعار التي ينام الساحل عند قدميها". (ص، 341)

ينهي الكاتب مؤلَّفه بشكل دائري، بدأ السردَ بهجرة العائلة من ميعار وهو طفل صغير يحمل بقجة على الرأس، يسير مع عائلته، ومع أسراب المهاجرين، في دروب وعرة يكتنفها الغموض، وأنهاه بهجيج آخر ومعاناة أخرى وهو في الخامسة والسبعين من عمره حيث قوافل المشردين العرب يبحثون عن موقع آمن بعد أن فقدوا بيوتهم وأراضيهم يحملون بقجهم على الرؤوس أسرابا طويلة. هي غربة وتشرد في البداية وهي غربة وتشرد في النهاية. ومع ذلك لا ينطفئ بصيص النور، كما نقرأ في الأسطر الأخيرة من الكتاب: "أنا الباقي هنا لأزرع القمح النّورسيّ في البطوف والمل ومرج ابن عامر، وأقطُف الزيتون السوري في الجليل والمثلث والنقب وأسند ظهري إلى سور عكا وأردد: يا خوف عكا من هدير البحر". (ص342)

إننا نرى أن العنوان في تعالقه مع النص خرج من إطاره الضيق، في علاقته بمقطوعة "نوم الغزلان" رغم أهمية ما ورد بها من أحداث مؤلمة، واتسع ليشمل رؤية الكاتب ورسالته التي عبّر عنها الكتاب في مجمله، في تصويره لمأساة طالت، فيها قلق وأرق إزاء ما حدث في الماضي وما زال يحدث في الحاضر وما قد يحدث في المستقبل من ويلات. كما بات يحمل دلالة أوسع من أن يعبر عن شخص واحد، لأن الواحد في مثل هذه الحالة أصبح رمزا ونموذجا لغيره من الذين مروا بنفس التجربة.

عين تنظر إلى الوراء وأخرى نحو المستقبل، ليصبح العنوان مفتوحا على دلالة واسعة، تجمع بين النور والظلمة، وبين الحياة والموت. إنه تشخيص لحالة صعبة أهمها صدمة الفقدان؛ فقدان البيت والقرية، وبعض أفراد العائلة، وانقطاع التواصل مع أناس تربطنا بهم علاقة حميمة. وهو دعوة للحرص على بناء ما هو أفضل، فالغزلان تسرح وتمرح وتتقافز والصياد بخبث يتربص بها، لكن القطيع يتابع المسير ويتابع الإنجاب ويظل له وادٍ وسهل وجبل.

الرؤية السردية

أولى الباحثون الجدد هذه الناحية اهتماما بالغا منذ هنري جيمس وبيرسي لوبوك، ثم طوّرتها مجموعة من الباحثين من أمثال تزفتان تودوروف وجيرار جينيت، وهي بالأساس تعنى برؤية السارد للأحداث وتصوره لها وكيفية نقلها لطرف آخر هو المتلقي. يوظفها الروائيون ليتواروا من خلفها ليحلّ الراوي بدلا منهم، ويعمدون في سبيل ذلك إلى وسائل وتقنِيّات لنقل الحدث إلى المتلقي. فالراوي هو الذي يتبنى سردَ الأحداث ووصفَ الأماكن ورسمَ الشخصيات وبناءها حتى تبدو حية صادقة قابلة للحياة ضمن العالم المتخيل. فكيف نتعامل مع هذه التقنيّة في كتاب سردي لا يتقيد بالسرد الروائي؟

ترى شلوميت ريمون كينان أن الراوي موجود دائما في كل عملية سردية حتى لو كانت في كتابة اليوميات، سواء قصد الراوي أن يسرد أو لم يقصد. وهذا ما يؤكده رولان بارت الذي يقول إنه لا يمكن أن يكون هناك سرد دون سارد ودون قارئ أو مستمع. قلنا إن "نوم الغزلان" مجموعة نصوص تسرد ذكريات الكاتب، لكنها لم تُطرح بشكل "بريء" ولم تسرد كمعلومات تاريخية تهدف إلى تلقين القارئ معلومات كي يتقدم بعدها لامتحان، لأن الكاتب محمد علي طه لم يتخلص من أدواته الفنية التي اعتاد أن يوظفها في سرده القصصي، فقد تغلب القاص والروائي على كاتب المذكرات، حتى وإن لم يلجأ إلى حبكة روائية أو قصصية، إذ هناك خيط رفيع يجمع الأحداث من خلال راو واحد يسرد جميع الأحداث منذ الفصل الأول وحتى آخر فصل من الكتاب. وهناك وصف فني للأمكنة بكل مركباتها وأبعادها ودلالاتها تكاد أن تخرج النص من مجال الذكريات، بما يتلاءم مع رؤية فيليب هامون الذي ميّز بين أربعة أنواع من الوصف؛ وصف للزمان وتبدله الكرونولوجي، وصف للشخصية المركزية وشخصيات أخرى عديدة تتجاوب مع تبدل الزمن، ووصف لطوبوغرافيا الأمكنة. ما عدا وصف كائنات حية متخيلة لأن الكتاب في النهاية ليس رواية يغلب فيها التخييل على الواقع.

بما أن عصب الكتاب هو ذكريات الكاتب فقد كان من الطبيعي أن تعرض جميع الأحداث من خلال ضمير المتكلم/الأنا وأن تكون وجهة النظر في مثل هذه الحالة من الداخل، كما يقول المنظرون، لا من الخارج، لأن الكاتب يقدم شهادة يريد لها الانتشار والقبول. إن الوصف الدقيق للبيئة بكل مركباتها، وللمكان بكل أبعاده ودلالاته جعلت النص يتغذى بتقنيات القصة والرواية، وبالتالي باتت أكثر قربا من دغدغة القارئ وحثه على قبول الأيديولوجيا المحفزة "غير البريئة". وبذلك يتسنى للسارد أن يكون شاهدا على العصر بعد أن بلغ الخامسة والسبعين من عمره، ما يسمح له أن ينظر إلى الواقع نظرة المجرب الذي اكتسب ما يكفي من حكمة. يوثق لأمور غاية في الأهمية كي تكتمل اللوحة التي يخطط لإتمامها.

لقد وجدنا أن تلك الفصول التي تتحدث عن جيل الطفولة كان لها تأثير أكبر في القارئ، نظرا للسرد العاطفي الحميم الذي يبين ما تعرضت له العائلة من غبن وظلم أدى إلى فقدان البيت وتشرد أبناء البلد الواحد في دول عربية وأجنبية عديدة، وضياع الأرض مصدر الرزق الوحيد، كما يتجلى لنا في القطعة التالية التي تتحدث عن تشرد عائلة الطفل وانتقالها إلى قرية أخرى تاركين البيت والأثاث والدواب وقد تبدلت الحال والأحوال: "كان طعامنا يتألف من الخبز والزيت والعدس والبرغل وأما الفاكهة فكانت ثمرات التين التي نتسابق إليها ونقطفها عن الشجر قبل أن تنضج. نسينا الحليب واللبن لأن بقرتنا الحلوب بقيت في البلدة ولا ندري ما جرى لها ولابنتها العجلة الصفراء التي يزيّن جلدها بقع بيضاء. ونسينا كرات اللبنة البيضاء الصغيرة المحفوظة بالزيت في مرتبانات الزجاج التي كانت تعملها أمي من لبن الماعز وتعدها لأيام الخريف والشتاء...". (ص39)

السارد بالغ يعيش زمن الكتابة، والطفل يعيش زمن الحكاية، والقارئ يتلقى الحدث في زمن القراءة. فكيف يُقبل القارئ على النص في مثل هذه الحالة؟ هل يُقبل على قراءة النص من خلال الطفل أم من خلال السارد البالغ؟ تتداخل في بعض المقطوعات، كما في المقطوعة أعلاه، رؤيةُ الطفل مع رؤية البالغ، ومع ذلك فإني أرى، كقارئ، أن صورة الطفل وصوته يطلان على القارئ مخترقين صوت السارد البالغ، وترانا نميل إلى تلقي الخبر بما يحمل من براءة الطفل، وكأننا نؤمن بمقولة رولان بارت الذي نادى ب"موت المؤلف" وتسليم النص للقارئ كي يحلل ويفسر، بعد أن يكون قد قام بعملية "اختراق" للكاتب، وهذا يقودني إلى ما أطلق عليه المنظرون "الكاتب الضمني" أو "الأنا الثانية للكاتب"، كما يقول المنظر وين بوث، الذي يخترق الكاتب الحقيقي ويحدد قواعد الإرسال أثناء عملية الخلق والكتابة، وإلى "القارئ الضمني" الذي يتعدى الاثنين ويخترقهما ويرى النص من وجهة نظره هو، وكأن الكاتب يوجه النص إليه مباشرة فيتلقفه ويقوم بشرحه وتفسيره. ثم ألا يحق للبالغ، بعيدا عن التنظيرات السابقة، أن يعبّر عن آلامه وأوجاعه التي جربها حين يعود بذاكرته إلى أيام الطفولة؟! ينبثق صوت الطفل، في النص أعلاه، وصوت الطفولة وصوت البراءة بفضل الصورة العامة التي تتجاوب مع عالم الطفل أكثر من تجاوبها مع عالم البالغ.

يمكن تقسيم النصوص إلى مراحل زمنية مختلفة وفق عمر السارد، وبالتالي يُقبل القارئ على القطعة التي يُحدَّد موضوعُها وزمنُها منذ بدايتها. يتوقف الكاتب عند محطات هامة، كما ذكرنا أعلاه، يعرضها بعين الحكيم المجرب، بلغة تصويرية آسرة تشم فيها رائحة البلد، كي ترسخ في ذاكرة الأجيال لأنه يؤمن أن هناك من يحاول تزييف الرواية الفلسطينية وحكاية الإنسان الفلسطيني في رحلته السيزيفية، قبل النكبة وبعدها. يقوم برسم خارطة متكاملة المعالم لبناء مجتمع يحاور ويناور، رغم ما مر عليه من مآس وويلات، موظفا العاطفة بشكل بارز لأنه يروي حكايته منذ الطفولة مرورا بجيل المراهقة فالبلوغ والشباب حتى أصبح معلّما وكاتبا وجوّاب آفاق.

ربما في هذا السياق كان علينا أن نطرح السؤال الذي يراودنا حين نقرأ أي عمل سواء كان أدبيا أو غير أدبي: لمن يكتب المؤلف؟ لقد ألح عليّ هذا السؤال طوال قراءة "نوم الغزلان"، ومن خاصرة هذا السؤال يولد سؤال آخر لماذا كتب محمد علي طه "نوم الغزلان"؟

إن كل كتابة ليست بريئة، وبالتالي فإن هناك دافعا ومحفزا يحرك الكاتب لأن يقول ما في داخله. يكتب محمد علي طه من أجل ذاته أولا ومن أجل الآخرين ثانيا. صحيح أن الكاتب يكتب بدافع من أناه ليظهر قدراته على قول أمور يراها هامة ومتفردة، لكن الدافع الثاني ينبع من خاصرة الأنا أيضا، فالكاتب يؤمن في قرارة ذاته أن ما يحفظه يلح على الخروج إيمانا بأن المتلقي سيتفاعل معه، وسيكتشف قيمة ما قيل له. إن كل كاتب صادق ومجرب يبقى متوترا حتى يرى مدى قدرة نصه على التواصل مع الآخرين، فيقوم بتوظيف وسائل وأساليب خطابية تظهر قدراته الخاصة في اختراق القارئَ. محمد علي طه يفتح أبواب المحاورة على أوسعها مع الشجر والحجر والتراب والطيور لتقول ما عندها، يحفزها، كمخلوقات عاقلة، كي تنطق وتبوح بما رأت وبما شهدت، فهي الحافظ لسر الإنسان وتاريخه هنا في هذه البلاد بالذات.
مهما كان الدافع للكتابة إلا أن الأهم أن هذا الكتاب هو أحد أهم كتب التاريخ الفلسطيني من زاوية إنسانية، بعيدا عن المعلومات الجافة التي تُقدَّم للطلاب معلبةً في قوالب صدئة، هنا تأتي على قراءتها بشغف لأنها، تُعرض بصورة شائقة جذابة، قادرة على فتح شهية القارئ للمتابعة في القراءة، وفتح باب للحوار مع النصوص.

إن القارئ سيقف على وصف الأمكنة بتفاصيلها في معظم المقطوعات مروية على لسان السارد بشكل يظهر بوضوح أن هذا السارد يحفظ صورة للمكان، كما كانت عليه في حقبة زمنية معينة: "عندما كان والدي يمسك راحتي ويوجهني إلى الغرب كنت أرى الكرمل، أنف الغزال الجميل ومدينة حيفا التي زرتها لأول مرة وأنا شاب في الثامنة عشرة من عمري وتعلق قلبي بها، وكنت أشاهد رأس الناقورة والبحر الأزرق والسهل الساحلي الأخضر وكنت أحيانا أقف مع والدي ومع الجيران في ساعات الأصيل في أيام الشتاء ونصغي لتلاطم الأمواج في كهوف رأس الناقورة...". (ص155)

هذا الوصف أعلاه موجّه من الراوي إلى القارئ المتلقي، بصورة فنية، كما يفعل الرسام حين يعرض صوره للمشاهد دون صوت، فتلعب الصورة دور المؤلف الباثّ، تخاطب المشاهد، عبر ألوانها وأشكالها وتناغمها، فنحس، كقراء، بالعلاقة القوية الحميمة التي تربط بين الراوي والمكان الذي يلوح أمامنا كما لو أن هناك بثا مباشرا بالصوت والصورة. إن ضمير المتكلم يجعل التواصل بين السارد والقارئ تواصلا مباشرا يدعوه إلى المشاركة ليكون شاهدا على ما كان، وعلى ما حدث وما زال يحدث من تغيير.

توثيق المكان ودلالته

لا يمكننا الحديث اليوم عن أي عمل أدبي دون ذكر المكان ودوره، وعلاقته بالزمان وبالشخصيات. كُتبت حول الموضوع دراسات عدة، غربية وعربية، تحدثت عن المكان المفتوح والمغلق، وعن الأعلى والأسفل، وعن الخارج والداخل، وعن دلالات الأمكنة وتشخيصها. وعن دلالاتها الاجتماعية في عصر من العصور حيث تسود عادات وتقاليد معينة تميز سكان مكان ما عن غيره، وعن سيادة حضارة بشرية معينة في حقبة زمنية محددة. أما القارئ فإنه يتواجه مع المكان من خلال وجهة نظر الشخصية التي تعيش فيه. وهما معا يتبادلان التأثير والتأثر.

يستطيع دارس الأدب الفلسطيني، عامة، سواء كان شعرا، قصة، رواية أو مسرحا أن يرى بوضوح العلاقة الحميمة التي تربط الفلسطيني بالمكان، نظرا لما تعرض له من تشرد وضياع. فالأدب الفلسطيني يؤكد على ثيمة الأرض والبيت والحقل والقرية والمخيم وغيرها كموتيفات متكررة. إني أعتقد جازما أن فضاء الأدب الفلسطينيّ يختلف عن فضاء الأدب العربي عامة. كما يختلف عن الفضاء الأدبي في بلاد الشام، رغم التقارب الجغرافي. وهو يضطلع بدور مختلف، يُبنى ويُرسم ويُصور بشكل مغاير، وذلك بفعل النكبة والنكسة، ما سبقهما وما تلاهما من حروب جعلت الفلسطيني يتنقل من مكان لآخر، بعد أن فقد بيته وقريته وبلاده. يحاول التعويض عن ذلك بوسائل متعددة منها استحضار المكان في الذاكرة، والحديث عنه في مؤلفاته فيخرج من إطار الموقع الجغرافي ويأخذ منحى عاطفيا مرتبطا ارتباطا وثيقا بالشخصيات.

يحدثنا الكاتب في "نوم الغزلان" عن بيته وقريته ميعار المجاورة لبحر عكا ورأس الناقورة، وهجرته لها عام النكبة، مطلعين على التفاصيل المكانية من وجهة نظره مقودا بأيديولوجيا محركة ومحفزة، وبالتالي يتعرف القارئ على المكان وساكنيه من خلال عين الراوي. وكان من الطبيعي أن يُعرِّفنا على سكان المنطقة في هذا الإطار الزمكاني كما هو متبع في كل عمل أدبي، فنراهم أناسا بسطاء ساذجين يتحركون بفعل مخططات لا يفقهون منها شيئا؛ يسمعون الأخبار من منادي القرية، أو من "طارش" غريب، إذ لا وسائل إعلام في القرية سوى جهاز راديو واحد ووحيد عند طبيب "حلبي" غريب عن القرية مشكوك في أمره: "وكان بعض الكبار يزورونه ليسمعوا نشرة الأخبار من مذياعه. وكان هذا المذياع حديث الرجال والنساء والأطفال. صندوق خشبي يتكلم ويقرأ القرآن وينقل أخبار العالم. وكنا، مجموعة الأطفال، نقترب من غرفة الطبيب، ونسترق السمع لصوت المذياع. وكنا نعتقد أن في داخل الصندوق رجالا مسحورين يقومون بالقراءة والغناء، حتى إن محمودا كان يزعم أنه سمع "أولاد الراديو" يغنون ويضحكون".(ص24)

إن التوصيف أعلاه يحمل في طياته تلميحا واضحا إلى مسببات ما جرى للسكان وما يجري بالتالي للمكان. يترك الأهل البلدة هربا ورعبا طلبا للنجاة فتضيع الأرض وما عليها. يتابع الراوي السرد دون تسلسل زمني، كما ذكرنا، فنرى تغييرا في شكل المكان وبالتالي في إدراك الناس الذين بدأوا يستوعبون تدريجيا ما حصل لهم بعد أن فقدوا بيوتهم وقريتهم/قراهم، وبعد أن فقدوا أهلهم وأصدقاءهم وأدركوا هول الحدث، فيحاولون تشكيل المكان من جديد. فلا يتبقى سوى الذاكرة التي تحمل كل معالم الفضاء في مفهومه الذي يتعدى المكان.

يعتمد الكاتب أسلوب التوثيق، يدخل في التفاصيل الدقيقة، يتلقف القارئ الأماكن بتفاصيلها؛ البيوت وأبوابها المخلّعة، الأزقة وتعرجاتها، الكروم، وتينها ونبعها، الحارات وأسماءها كما هي دون تغيير أو تحريف: "تعمدت أن أذكر في قصصي أسماء النباتات والأشجار في حقولنا وأراضينا وهضابنا وأوديتنا وجبالنا كما تعمدت تدوين أسماء الأماكن العربية الفلسطينية. كنت أرى يوميا عبرنة وصهينة وأسرلة المكان". (ص 156) هنا لا حاجة للأديب أن يبحث عن لعبة الإيهام بالواقع، لأن الواقع، كما هو على حقيقته، بعيد عن الواقع المألوف في أماكن أخرى حيث يعيش كل رب أسرة مع أسرته في بيت يؤويه وحقل يفلحه ويزرعه. لا يخفي محمد علي طه عن القارئ دوافع كتابته التوثيقية حرصا على المكان والزمان، أهم عنصري تكوين الفرد، حيث ينتمي الإنسان إلى المكان بكل مركباته وهو يواجه الزمن وتبدلاته، عين تنظر إلى الوراء وأخرى تنظر إلى الأمام، ولم يترك القارئ ليستنتج ذلك، بل وسم إحدى مقطوعاته بعنوان مباشر "رائحة المكان وأنامل الزمان" (ص، 155). يكاد هذا الفصل أن يكون شاهدا على فضاء بلادنا بكل مركباته ومكوناته حيث يحدثنا عن علاقته بالمكان منذ نعومة أظفاره وحرص والده على ذلك، ثم يدخل في وصف تفاصيل موقع القرية وطوبوغرافيتها وسحرها وجمالها الأخاذ حتى نرى إلى عمق المأساة والخسارة الكبيرة التي مني بها هو وأهله وبالتالي أبناء شعبه. لم يأت الراوي على ذكر التفاصيل الدقيقة للقرية ومحيطها عفوا، إنما بدافع داخلي يبرز انتماء الكاتب/ الطفل للمكان، وبالتالي هي دعوة أشبه بالمباشرة موجهة للقارئ المتلقي كي يشاركه في المشاعر والأحاسيس.

محمد علي طه منذ قصته الأولى وحتى كتابه الأخير "نوم الغزلان"، يكاد يرسم صورة للوطن في مراحله المتنوعة منذ كان المواطن هنا يعتمد على الأرض كمصدر رزقه الأساسي، مرورا بتغيير ملامح القرية وتأثرها، بشكل تدريجي، بالتكنولوجيا وتقلبات الزمن. لكننا نرى أن لغته تنساب انسيابا كشلال هادر حين يصور المكان في زمن الطفولة. فقد لفت نظرنا عدة مشاهد مؤثرة منها مشهد الطفل، ابن السادسة، أثناء الهجيج، وقد كانت الطريق جبلية وصعبة، فطلب الوالد من أحد الفرسان الذين مروا بالعائلة أن يردف الطفل خلفه لتخفيف العبء: "فرحت بركوب الجواد وأخذت أتأمل الجبال والسفوح والأودية وأشجار السنديان والسريس والبطم والعبهر والبلان والقندول [...] قطعنا مسافة طويلة فنظرت عن يميني فإذا الفرس على رأس منحدر حاد جدا وبيوت بلدة البقيعة تطل صغيرة من واد عميق فخفت والتفت إلى الوراء فلم أشاهد والدي فشرعت في بكاء صامت ما فتئ أن علا فسمعني الفارس فأوقف حصانه وقال: انزل وقف على هذه الصخرة حتى يأتي والداك! وقفت على الصخرة مثل عصفور وسط العاصفة. الوادي السحيق يمتد أمامي والأشجار البرية تلفِّع الطريق الذي سلكناه..." (ص35-36)
يعرض الراوي/الكاتب هذا المشهد من خلال عيني طفل. وهو مشهد ذو بعد نفسي يبين الحزن والقلق في عيني الطفل الذي ينتظر وصول الأهل، ويصور الحزن والأسى في ساعة وقوع الحدث وفي زمن الكتابة ثم في زمن القراءة. إن آلة الوصف هي اللغة، بل إن المكان، كما قال المنظرون، "مخلوق لغوي بامتياز". إن هدف أي كاتب من توصيف المكان لهو خلق مصداقية لوجهة نظره. المكان هنا منحدر عال خطر، والطفل يقف "مثل عصفور وسط العاصفة". الغموض يكتنف المستقبل المجهول كما يكتنف الغموض شكل الطريق. الطفل في مهب الريح، والمستقبل في مهب الريح، والخطر يحاصر الطفل كما يحاصر العائلة ككل. إن تكثيف صورة المكان مؤثثا بأشجاره ونباتاته وشكله ليس وصفا عفويا، بل إن له بعدا نفسيا يخترق كلا من الرائي والقارئ. فالخسارة كبيرة، بلاد غنية بأشجارها، وخيراتها، وسفوحها، وجبالها، باتت اليوم ذات طابع آخر، فكأن الكاتب يقول لنفسه وللقارئ لقد خسرنا كل هذا الجمال.
إن وصف المكان من شأنه أن يوقف حركة السرد، لكن مثل هذا التوصيف المكاني المؤثر لا يدع مجالا للملل أن يتسرب إلى القارئ، لأن الأحداث تتابع الحركة من الخارج إلى الداخل لأن المشاعر جزء هام من الأحداث وسيرورتها وصيرورتها. يبدو لنا حين نقرأ دراسات باشلار حول المكان وحول العلاقة الحميمة التي تجمع المكان بالإنسان الذي يسكنه وكأنه يتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي هُجِّر من وطنه ومن قراه ومن مدنه، دون أن ينجح "الهجيج" في تغيير معالم الوطن، ودون أن ينجح في خلق حالة من الهجران أو الابتعاد والنفور. على العكس تماما فإن الأحداث السياسية قد وثَّقت العلاقة الحميمة بينهما، بحيث حمل الفلسطيني المكان لا على كتفيه، فقط، بل في قلبه وعقله ووجدانه.

لا يختلف كتاب "نوم الغزلان" من حيث تشخيص المكان عن غيره من مؤلفات محمد علي طه، رغم أنه ليس مجموعة قصصية، وليس رواية. فالأمكنة متشابهة، تحمل نفس الرائحة ونفس المعالم والدلالات، بل إني لأرى أن محمد علي طه أحد الأدباء الذين عملوا بوعي تام على ترسيخ صورة المكان لأنه يرى أن التغيير الحاصل في صورة المكان مقصود ومتعمد، وليس بفعل عامل الزمن وحده، بل بفعل الآخر الذي بدل الصورة والمعالم وانتقى أسماء جديدة تقضي على المسميات القديمة التي ترتبط بوجدان الأهل، فكل اسم لبلد وواد وبئر وجبل وحارة وزقاق وساقية له ارتباط عاطفي مع ساكني هذه البلاد، ولذلك تراه يعمل على ذكر المواقع الصغيرة في القرية وحاراتها وحواكيرها لتوثيقها وحفظها من الضياع، فيلجأ إلى رسم معالمها الخارجية ويربطها بدلالاتها الوجدانية كفعل كيان ووجود، وبالتالي فإن هذا الوصف الدقيق للأمكنة من شأنه أن يحدد مكونات الأشخاص ويعكس العلاقة التي تربط بين الإنسان والمكان.
عمل الأدباء الفلسطينيون في أشعارهم وقصصهم ورواياتهم على ترسيخ المكان، منهم من جعل المخيم مكانا للأحداث، مثلما فعل غسان كنفاني في روايته "أم سعد"، وكما فعل يحيى يخلف في "نشيد الحياة". ومنهم من جعل المدينة مكانا مركزيا للأحداث مثل غسان كنفاني في رواية "عائد إلى حيفا"، أو كما فعل يحيى يخلف في روايته "راكب الريح" التي تدور أحداثها في مدينة يافا نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

بقي محمد علي طه في الوطن، ولم يعش في الشتات، فعمل على حراسة ما تبقى من هذا الوطن ليرسخ في الذاكرة الجمعية. فرأيناه يلتزم بحقبة زمنية محددة هي النكبة؛ ما قبلها بقليل وما بعدها حتى يومنا هذا. إن قراءة متأنية لكتاب "نوم الغزلان" ولبقية إنتاج الأديب محمد علي طه ستمكننا من بناء خارطة هيكلية للوطن بكل مركباته: القرى، البيوت، الأزقة. الأشجار، النباتات، الطيور، المأكولات، اللباس، العادات، التقاليد واللغة.

خلاصة

كتاب "نوم الغزلان" عبارة عن شبه سيرة ذاتية تتمحور حول شخصية السارد، يتوقف فيها عند محطات عدة على مدار ستة عقود ونيف، تعكس تجارب حياتية خاصة وعامة، بدءا من النكبة مرورا بأحداث اجتماعية وسياسية وأدبية. يتغلب فيها طابع التوثيق على عامل التخييل بالرغم من توظيف العديد من تقنيات السرد التخييلي الروائي والقصصي. تبرز فيها أيديولوجيا الكاتب من خلال توظيف ضمير المتكلم الذي يعمل على توثيق صورة لشعب له تاريخ وحضارة، يحب الحياة، يقدر الفرح، يعشق الأرض ويفلحها، وفيه شباب وصبايا، وحواكير وبيادر عامرة، وسنابل تلوّح للشمس كما تلوّح الصبية لعاشقها.

رأينا أن العنوان قادر على المراوغة والمفاجأة وفتح حالة حوار مع القارئ الذي يتابع البحث عن دلالته، منذ الفصل الأول حتى الفصل الأخير، فنجح في خلخلة فكر القارئ وخلق حالة من التجاذب والتعالق بينه وبين النص ليلح السؤال على القارئ أثناء عملية القراءة: ما العلاقة بين النصوص وبين العنوان. لقد وجدنا أن هناك علاقة وثيقة بين العنوان وبين الفكرة الرئيسية للكتاب مما حدا بالكاتب إلى تدوين هذه النصوص وجمعها في كتاب واحد، لتعبر عن رؤية الكاتب ووجهة نظره وفلسفته الفكرية. كاتبنا يأخذ على عاتقه أن يحاور الآخر الذي يشوه الحقائق التاريخية، كما يشوه أسماء الأماكن وصورتها الخارجية وأن يزعزع المقولات التي تشوه الحقائق، فجاء يحمل وثيقة غنية قادرة على الرسوخ والثبات في وجه الرياح والعواصف، كشاهد على العصر.

وظف الكاتب الوصف بكل أنواعه؛ وصف طوبوغرافيا الأمكنة، وصف الشخصيات من الداخل والخارج، ووصف الزمان وتبدله، وتبعا لذلك تبدلت الصورة ومعالم الأمكنة وصورة الشخصيات وطريقة تصرفاتها.

لقد وجدنا أن المقطوعات التي تناولت طفولة الكاتب هي الأكثر حميمية وقربا إلى قلب السارد والقارئ معا. هناك يدخل السارد أكثر في داخل النفس فترق اللغة ويبدو لنا حافظا لأدق التفاصيل، حتى ليكاد يأتي على ذكر السنين والأيام والساعات، فضلا عن ذكر أسماء الحارات و"القسايم" وأصحابها، والنوادر وسارديها ومناسباتها.

محمد علي طه كاتب قصة، وروائي، وكاتب مقالات متعددة ومتنوعة في مضمونها وأسلوبها، يفقه جيدا أسرار اللغة فانسابت بين يديه رقراقة كسواقي بلادنا التي لم تجفَّ. وهو نبع فياض سريع الخاطر، قوي الحافظة يطرح الحكايات على سجيتها فتولد معافاة تحمل رؤيته ورؤياه منذ كتابه الأول وحتى كتابه الأخير. يرمي إلى ترسيخ صورة المكان والإنسان الفلسطيني عبر الزمان وتبدله. ينتابه الحزن والأسى، وهو الخاسر، على المستوى الخاص وعلى المستوى العام. وقد رأيناه يوظف جميع الوسائل السردية، المباشرة منها وغير المباشرة، لتصبح المفردة والصورة عالما من الدلالات المنفتحة القابلة للدراسة والتأويل. وهو أمر نصبو إليه في دراسة أخرى، لتوضيح ما أشرنا إليه بإيجاز.

برأينا إن هذا الكتاب جاء ليعالج الألم النفسي الذي يرافق المرء إثر تعرضه لصدمة عنيفة تهز مشاعره وأحاسيسه، ومن أصعب هذه الصدمات هي صدمة الفقدان. وقد تعرض الكاتب/السارد لأصعب حالات الفقد على الصعيد الخاص والعام؛ فقدان الطفلة الأخت أثناء النكبة ودفنها خارج القرية، فقدان القرية بكل ما تحمله من علاقات مع الأهل والجيران والأصحاب. لكن الكاتب محمد علي طه يصر على بث الثقة في النفوس في مجمل ما يكتب، فعالج الأمر من جوانب خاصة وعامة، فجعل الطفل يكبر ويتعلم ويبني بيتا وعائلة.

يحمل "نوم الغزلان" وجهة نظر الكاتب وأيديولوجيته لترسيخ النكبة وآلامها وهمومها وأوجاعها عبر شخص السارد الذي يمثل شعبا بأكمله تعرّض لصدمات هزت كيانه وبلبلته، حتى تمكن أن يقف على رجليه من جديد. ولما أدرك هول العاصفة وعاد إليه توازنه وقف في وجهها متحديا يبني ذاته أولا ويبني بيته وعائلته ثانيا ليحافظ على كيانه ووجوده. وهو شهادة يتحاور من خلالها مع الآخر فيلجأ إلى تصوير الإنسان في ارتباطه بالمكان وما حل بهما من تغيير وتبدل لم يؤثر على الهوية والانتماء فأتاه بشهادات من الواقع، لا من الخيال كي يعرضها كما هي دون تغيير أو تحريف؛ هذا هو شكل بلادنا، هذه هي أسماؤها، هذه هي أسماء الحارات، وتلك هي البيوت يرسمها كما يحفظها عن ظهر قلب، لذلك كان من الطبيعي أن تروى الأحداث بضمير المتكلم/الشاهد. إن الكتاب أشبه بوثيقة يحملها الكاتب محفوظة في وجدانه يرى أن الوقت قد حان ليسلمها لمن يأتي من بعده، ثم تنتقل هذه الوثيقة من جيل لجيل، كي لا تفقد الأجيال الصاعدة البوصلة فتواصل في مسيرة البناء ومسيرة الحوار بحكمة مزودة بما يجب كي تصمد وتتابع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى