رسائل لم تصل

قراءة نقدية ل (المخلب) لجمال سليمان

، بقلم فاتن رمضان

«حينما تعجز أقلامنا عن كتابة مشاعرنا، حينما يستعصي الدفتر نحتاج إلى مخلب كي نحفر»

عبارة طويلة يستهل بها الكاتب كتابه، بعدها مباشرة وبمجرد دخولك بين دفتيه تبدأ عدة مخالب تعلق بعقلك وقلبك لتتوزع بينهما، فتنساق لقلبك تارة وتغرق في أنهاره المتضاربة وبلحظة لفظك لآخر رمق لك ينتشلك العقل بمخلبه لتبدأ رحلة أخرى من التعقل والجنون.

أتفق مع الكاتب فيما قبل اللحظة الأولى بكراهة البدايات؛ فهي سخيفة كاذبة وتستهلك الكثير من الوقت وتستنزف المشاعر، إذن لنبدأ من المنتصف ومنه للنهاية ، فهو الفراق وألمه الذي يأكلك لأكثر من نصف الكتاب ، فراق من أجل حبيبته التي رحلت ومن أجل نفسه التي تألمت ومن أجل مبادئ وقيم إنعدمت.

الكتاب عاطفي فلسفي؛ فهو لا يتعامل مع العاطفة المجردة بل يمارس طقوسها بمذاق مختلف وينظر لها بزاوية جديدة ؛ فالحبيبة هي التاركة والمتروكة هي الأمل وهي الوجع وهي نفسه وذاته التائهة في ملكوت الله ، كل هذا يسوقه من خلال لغة حوارية أحيانا وسردية أحيانا أخرى وهو هنا يتفق مع رواد المدرسة الرومانسية في الأدب الذي تأثروا بالأدب الإنجليزى فطبعُ أدبهم بقلقٍ وحيرة ومسحة من حزن عتيق.

تسمع صوت تمزق قلب الكاتب في العديد من المنثورات كمنثورة كيف نعود ؟ ، يشبه الواقع ، ستقول شكراً ، ستبكي ربما .. ألخ ، وهو كما يوجعك في محبته يكرر ذلك في نهاية الكتاب حين تنساب كلماته رقراقة في مناجاته لله
للكاتب قاموس خاص ، ومفرداته لها دلالات معينة ، دلالات معجونة بطمى مشاعره ؛ فالسعادة لديه أحيانا تساوي الندم ومعرفة الخطأ لأن كلاهما يساوي الخبرة ، ومفردة الحرية عنده قيد ؛ لأنك من خلالها تقتل نفسك بأيديهم ، وخيانة الفرح عنده من أقسى أنواع الخيانة ، رسائله التي لم تصل وصلت لمن يقرأ الكتاب ويتذوق ما بين سطوره.

يعتمد الكاتب على الزمن الحاضر بمعظم منثوراته ، فحرف السين السابق لمعظم أفعاله يبدو وكأنه قيد لا يملك الفرار منه ، ومع حرف السين نجد حروف المضارع تتناثر هنا وهناك وهذا يدل على أن الكاتب مازال يعيش معاناته ووجعه وحبه وكل المشاعر التي احتواها كتابه ، ربما رغبة إرادية منه بتعذيب نفسه لاستخراج أنفس معادنها وربما هو لا إرادياً موثوق بهذا الزمن ، كما أن الأسلوب الإنشائي بلغة الكاتب يطغي على الخبري وهو ما يجعل القارئ بحالة استثارة وتأهب دائمين.

يعتمد الكاتب أيضا على تقنية فنية جميلة ؛ فهو يبدأ منثوراته بجمل فنية عميقة تهيأ القارئ لما سيأتي من منثورات ، كما تتنوع مشاعر الكاتب ويتباين مؤشرها ، ربما يعود ذلك لكتابته بأوقات شعورية متباينة ، ويجمع الكتاب قصصاً قصيرة وخواطر نثرية وشعراً حراً وكأن الكاتب أرد اعتصار قريحته والدخول لعالم الكتابة بكل قوة لديه.

رحلة ممتعة تستيقظ ببدايتها لتجد نفسك في عمق المحيط وبمخالبك تحفر وتغوص وتطفو حتي يصل للشاطئ ومنه للبر.