من المناظرات

، بقلم فاروق مواسي

أذكر في سنوات السبعينيات أننا كنا نخبة من أساتذة العربية عملنا معًا في مدرسة باقة الغربية، وكنا ننتهز الفرصة في كل استراحة لنتجاذب أطراف الأدب، نتناقش بمحبة، وأحيانًا بمناكفة، فنتعلم ونتدارس من خلال هذه المحاورات واستقصاء المسائل.

أذكر من ثلّة الأولين آنذاك ب. لطفي منصور-أطال الله عمره، والأستاذ المرحوم حسن سمارة، والأستاذ أحمد رجب غنايم، وقد أصدر ديوانه مؤخرًا مع أنه قرض الشعر منذ عقود، فلم يتعجل النشر شأن شبابنا اليوم.

قبل ذلك عُرفت مجالس الأدب بدءًا من العصر الأموي، وإذا رجعت إلى كتب الأدب تجد هذا الفيض من المناظرات في مجالس المهدي والرشيد والمأمون وسيف الدولة وابن العميد وغيرهم، وبرز فيها علماء كالأصمعي والكسائي وسيبويه والجاحظ وغيرهم.

كان طبيعيًا أن تزدهر هذه المناظرات مع ازدهار الحضارة ونضج الثقافة وشدة التنافس بين العلماء والأدباء، فأخذ النقد يتطور في كل هذه الجدية في عرض المسائل اللغوية والأدبية.

ومما زاد شيوع المناظرات أن الحكام كانوا ذوي ثقافة واطلاع (كحال حكامنا اليوم؟).

من أحب أن يتابع هذا الموضوع فعليه بكتابين رائعين هما:

(مجالس العلماء) لأبي القاسم الزَّجّاجي، وكتاب (المناظرات اللغوية والأدبية في الحضارة العربية) تأليف عبد الرحيم الحسناوي.

سأقتبس لكم من كتب التراث مناظرة وردت في عدد من المصادر باختلاف يسير، منها (خِزانة الأدب- الشاهد 183) للبغدادي، (نور القبَس، ج1 ص 105) للمرزُباني و(مجالس العلماء) للزجّاجي، ص 151 مناظرة جرت في مجلس الرشيد بين الأصمعي والكِسائي:

سأل الرشيد عن بيت الراعي النُّمَيري وذلك في مجلس ضم الأصمعي والكسائي:

قتلوا ابنَ عفّان الخليفة مُحرِمًا
ودعا فلم أرَ مثله مخذولا
مامعنى مُحْرِمًا؟

فقال الكسائي: أحرم بالحج.

تهانف الأصمعي (أي ضحك بسخرية) وقال:

ما كان أحرم بالحج، ولا أراد الشاعر أنه دخل في الشهر الحرام (كما يقال أشهر وأعام، إذ يقال: أحرم الرجلُ إذا دخل فيه كما يقال: أشهر إذا دخل في الشهر، وأعام إذا دخل في العام).

فقال الكسائي: ماهو غيرُ هذا، وإلا فما أراد؟!

قال الأصمعي: ما أراد عَديُّ بن زيد بقوله:

قتلوا كسرى بليلٍ محرِمًا
فتولَّى لم يُمتَّعْ بكفنْ
أإحرام لكسرى؟!

قال الرشيد: فما المعنى؟

قال الأصمعي: كلُّ من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرِم، لايحلُّ منه شيءٌ- أي أن عثمان لم يأت بشيء يُحل دمه.

وقوله: قتلوا كسرى محرمًا، يعني حرمة العهد الذي كان له في أعناق أصحابه.

فقال الرشيد؟ يا أصمعي:ما تطاق في الشعر. (أي ليس لأحد قدرتك في العلم به).

فأية حافظة كانت لدى السلف، وأي حضور بديهة؟

بربكم، هل تجدون مثل هذه الروح العلمية الوجاهية في أيامنا؟

هل هناك مجالس أدب واحتفاء به؟

أظن أن المناظرات حول الفريقين: برشلونة وريال مدريد بين ميسي ورونالدو أهم.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف