أنا ولغتي (٣)

، بقلم سعيد مقدم أبو شروق

تلك الليلة لم أنم مرتاحا، كنت مستعجلا، أو بالأحرى مشتاقا لشراء الكتب العربية، وعند الغد رافقني زميلي سعيد العبادي واتجهنا بالدراجة النارية نحو كيان، الشارع الذي توجد فيه مكتبة عربية.

كنت أسوق وأتكلم مع زميلي سعيد، وفجأة ...

فتحت عينيّ لأجد نفسي في المستشفى سابحا بالدماء، الممرض يخيط جرح رأسي، والممرضة تنظم قطرات محالیل المصل التي كنت أحسها تجري في عروق يدي اليمنى.

وعند انتهاء عملهما دخل عليّ زميلي سعيد ملتاعا، لكنه والحمد لله كان سالما.

سألته بصوت مرتعش من شدة الألم الذي أحسه في رأسي:

ماذا جرى يا سعيد؟

وأجاب سعيد بجزع وحزن:

لقد تعرضنا لحادث!

ثم دخل رجل قال إنه سائق الحافلة التي صدمتنا، فأعرب عن فرحته لسلامتي.

سألت عن الدراجة، قالوا إنها بقت في مكان الحادث وقد نقلتها الشرطة إلى المخفر، وكذلك فعلت بالحافلة.

خرجنا من المستشفى بعد ساعتين، وأبلغتنا الشرطة أن نحضر غدا إلى المحكمة.

كنا قريبين جدا من شارع كيان، نتمشى ببطء، والأنظار تتوجه إلينا باستغراب!

قميص أبيض مضرج بالدماء! ورأس معصب بالضماد الذي تغير لونه إلى الأحمر من شدة النزيف والبيتادين، ونتمشى في الشارع، مشهد غريب حقا!

سألت رجلا عن المكتبة رغم الدوار الذي أصابني بعد خروجي من المستشفى،
ورغم الألم الذي بدأ يشتد بعد زوال تأثير البنج؛ فاندهش سعيد وقال:

وأنت في هذا الحال؟!

قلت: ولماذا جئنا وتعرضنا لحادث وجُرحتُ وسالت دمائي إذن؟

أليس كل هذا لأجل أن نصل إلى المكتبة؟!

ودخلنا المكتبة.

كانت أبعادها إن تسعفني الذاكرة 2 في 3 أمتار لا أكثر، وأظنها كانت المكتبة العربية الوحيدة في الأهواز، والتي يبلغ عدد سكانها الملايين!

وعلى القارئ أن يتصور عمق الكارثة.

عند دخولنا وأنا في تلك الهيئة المخيفة، وثب الرجل الذي كان جالسا من مكانه وسأل في توجس:

ماذا تريدان؟!

أجبت بهدوء وإرهاق: نريد كتبا.

وقصصت عليه القصص بأكملها.

وقف الرجل البائع لبرهة ينظر إليّ بغرابة، ثم قال:

لا أصدق ما قصصت لولاك مضرج بدمائك أمامي!

ثم أردف وهو يوجهني صوب رفوف الكتب:

ما أشد اشتياقك إلى القراءة!

خذ ما شئت من الكتب ودون أي مقابل.

اشتريت أربعة كتب، وأهداني الرجل الكريم كتابا أو كتابين، ثم رجعنا.

عند الصباح أخذت من أمي مبلغا آخر بعد أن أخبرتها إني متوجه إلى المحكمة، وذهبت على مضض.

أغرمني القاضي 3000 ريال لعدم امتلاكي رخصة القيادة، ثم توجهت إلى المخفر آخذ الدراجة.
وجدت عجلتها الأمامية معوجة تماما، وأن الدراجة مدمرة، كلفني تصليحها 5000 ريال، لا أتذكر كيف دبرتها


سعيد مقدم أبو شروق

قاص أهوازي

من نفس المؤلف