سيمفونية الموتى لعباس معروفي

عزف على أرواح بشرية رشيد بلفقيه

صدرت حديثاً عن دار المتوسط للنشر والتوزيع رواية "سيمفونية الموتى" لعباس معروفي في نسختها العربية، وهي واحدة من الروايات القليلة المشهورة خلال السنوات الأخيرة في إيران والمصنفة ضمن أفضل عشر روايات في تاريخ الإنتاج الروائي الإيراني. وقد ترجمها إلى اللغة العربية الدكتور أحمد موسى، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة بأسلوب أدبي رصين، أعاد تقديمها إلى القارئ العربي متجاوزا الترجمة الشكلية الباردة إلى إنتاج تسرب إلى أعماق النص مكتنها لبه، فجاءت النسخة العربية بنفس روعة نظيرتها الإيرانية بل أقرب–طبعا- إلى قلب المتلقي العربي.

تقع الرواية في 383 صفحة من القطع المتوسط تتصدر غلافها لوحة فنية تظهر فيها العديد من الأجساد البشرية مصلوبة، وقد حلـت أجسادها المعلقة محل النوتات الموسيقية، في إعداد متعمَّد للقارئ لكي يتلقي أنغام هذه المعزوفة التي ستعزف بأرواح بشرية بدل الآلات الموسيقية. ويستهلها "عباس معروفي" بالآيات التي تسرد واقعة قابيل وهابيل من سورة المائدة، كما خلدها القرآن الكريم الآيات (28-31). سيعيد الروائي في روايته تجسيد الخطيئة الأولى لابنَي آدم –إذن- فهل يتحول "أورهان"، وهو أحد شخصيات الرواية، إلى هابيل العصر الحديث، وهل سيصير "آيدين"، شقيق أورهان، قابيل المعاصر؟ وإذا كانت هذه هي لعبة الروائي التي سيستدرج لها القارئ، فإن السؤال المشروع الذي ينفجر في وجوهنا كعلبة أسرار هو ما القربان المتنازع عليه بل من الإله الذي يحكم هنا؟ سمفونية الموتى أيضا هي مقطوعات لغوية يعزفها الأحياء – الموتى؟ فمن هم هؤلاء وما هي تقاطعات عوالمهم التي نشأت عند ثخومها الأحداث.

تأخذنا الرواية بأسلوب أدبي عميق وعبر مجموعة من الحركات الموسيقية وفي ترجمة عميقة لهسيس النص إلى معاينة مآسي وأفراح عائلة "أورخاني"، وتغوص مستعرضة ظواهر وخبايا كل فرد منها على حدة، مستعرضة تأثر العائلة بالمتغيرات العميقة التي مست المجتمع الإيراني بأكمله خلال سنوات الحرب العالمية الأولى والسنوات التي تلتها مرورا بالحرب ثم الاحتلال ثم الانفتاح.

منذ "الحركة الأولى" تطفو على السطح تلك الخلافات الدقيقة بين أفراد هذه الأسرة الصغيرة.
فالوالد -المتشبث غالبا برأيه- يعارض توجهات "آيدين"، ابنه المثقف والشاعر والقارئ للأدب الغربي بل والمنفتح بحماس على الفكر اليساري. وفي هذه الحرب الضروس التي تنشب بين الأب والابن يجد بقية أفراد الآسرة أنفسهم بين البينين، فحتى حين يقوم الوالد بمساعدة حليفه ومساعده، "أورهان"، بإحراق الكتب والأشعار المرة تلو المرة، ينزعج "آيدين" لكنه لا يتمرد كلية بل يكابر في انتظار محتمياً إلى حين بعطف الأم وتفهم الأخت. الوالد طبعا يرى أنه يفعل ذلك لأجله، لأن "الزمان تبدل والنظام يقبض على الشباب لأسباب تافهة" ص61. ويغادر الفتى المتمرد أو "الميرزا"، كما يحلو للأب التندر عليه، البيت كل مرة لفترات قصيرة لكن "الأم تصر على إعادته إلى البيت كل مرة، كانت تلح على الأب لإرجاعه"ص61" وتتسع هوة الخلاف بينهما مخلفة المزيد من الأسئلة والنقاشات والأجوبة المبتورة وردّات الفعل الصارمة. "يسأله الوالد عما تبحث فيرد عن نفسي "ص79.

قبيل النهاية، يختبئ "آيدين" في دهليز تابع لكنيسة نصرانية فراراً من بطش والده ومن متابعات "إياز الضابط" له، وهناك يعكف على القراءة وصناعة البراويز لتغزو حياته بعد مدة الفاتنة سورملينا "الغجرية الأسارير، اللطيفة أحيانا والحادة المندفعة أحيانا أخرى" ص227. تنجب منه "سورمه" بنتاً لكن أمرها يظل طي الكتمان طيلة فصول الرواية حتى تظهر في الرمق الأخير. وبعد سنوات طويلة جدا، "لديه بنت عمرها خمس عشرة سنة، إسمها "إلميرا اورخاني "ص369. سيُعقِّد ظهورها الأحداث خصوصا وأن "أورهان" كان عقيما مما سيدفعه إلى التصرف بسرعة...

في رواية سيمفونية الموتى الصورة العامة أو المشاهد الروائية لا تقدم مكتملة بالمرة، فعلى القارئ أن يتعقبها ويطارد تشكلها عبر الأسطر المتشعبة، وحتى الشخصيات لم تقدم كبناء مكتمل ودفعة واحدة، بل تم بناؤها حركة حركة طيلة أحداث الرواية. وفي هذا المستوى نجد أن هناك شخصيات رئيسة قادت الحكي وتأثرت مجرياته بمواقفها وتحول أحوالها. وأخرى ثانوية ساهمت في نسج الحبكة بما أنيط بها من أدوار، ولكنها ظلت بعيدة عن التأثير المباشر في أحداث الرواية بل قبعت في دورها السلبي متلقية فقط، وظل القاسم الرئيس في تقديم كل الشخصيات بلا استثناءات تقريباً هو البناء التدريجي وحتى ظهورها واختفاءها لم يكن اعتباطيا البتة، بما لذلك من أهمية إجرائية على مستوى التحليل كما يشير إلى ذلك "الأستاذ عبد المجيد النوسي" في حديثه عن رتبة الظهور والاختفاء للمثلين وهكذا تتأسس معمارية الشخصيات بدءاً بـ"أورهان" حليف الأب ويوسفه ثم "إياز الضابط" ليتوالى ظهور بقية الشخصيات : الوالد، الأم، التوأم "آيدين" الشاعر المتمرد كما سلف، "آيدا" الطفلة المُهَمَّشة التي كبرت فجأة داخل النص ثم غادرت فجأة، كما عاشت، فكان الهامش عرشها الأثير. "يوسف" الحاضر الغائب الذي كان يكتفي بالجلوس على الأريكة متأملاً الصغار والكبار والذي ستنهي حياته الطبيعية عندما سيقفز من سطح البيت محاولاً تقليد الطيارين الروس لتكون نتائج القفزة وخيمة جداً عليه وعلى محيطه "لم يمت ولكنه أصيب في جسده إصابة بالغة حولته إلى حيوان يبتلع فحسب، لا يصدر منه أدنى اذى.." ص 119

تتجاوز الشخصيات دائما دورها الوظيفي في المتن الحكائي داخل هذه السيمفونية لتلعب أدواراً أخرى تتيح للقارئ المتيقظ إمكانيات تركيبها وتفكيكها كل مرة فتصير حسب مقاربات فيليب هامون Philipe Hamoun)) كالعلامات الفارغة مشابهة بذلك العلامات اللغوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبعد الثقافي والاجتماعي متجاوزة المقاربة المحايثة الصرفة لتنفتح منذ "التسمية" إلى "كل موقف موقف" على ثنائية الدال والمدلول، وإلا فما مبرر نزع التسمية "آيدين" مثلا عن البطل فور تحوله إلى حالة الجنون وإعادة تسميته بـ "سوجي" هذا الاسم الذي كان يلتقطه بمرارة بالغة في تلك اللحيظات النادرة التي كان يستعيد فيها رشده.
"سيمفونية الموتى" هي رواية شخصيات بامتياز كما يعلمنا العظيم باخثين، شخصيات يطيب لها أحيانا أن تنطلق حرة داخل المتن الحكائي بعيداً عن سلطة الراوي الواحد والمتسيّد وشيئاً فشيئاً تنفصل بنفسها وتسرد تفاصيل حكاياها بنفسها في حرية مطلقة، محققة بذلك تعددية الأصوات في النص، ترافع كل شخصية عن نفسها وتروي وجهة تصورها للحقيقة من زاويتها الخاصة ويشكل توحد هذه الروايات صورة واحدة كما تشكل المرايا المتناظرة صورها.
يبرز هذا مثلاً من خلال حادثة "المحرقة" التي ستغير حياة البطل بصفة نهائية بعد أن تذهب بكل أشعاره وكتبه، سيتكرر سرد هذه الواقعة في العديد من المقاطع على امتداد الحركات التي شكلت فصول الرواية.

فنجد "آيدين" يسردها كالتالي "عمو العزيز.. لقد أضرموا النار في حياتي كلها وأخرجوني من البيت "ص119 محتفظاً لنفسه وحده بكل الحق في اعتبار نفسه المضطهد الأكبر في كل هذا. وترويها "فروزان"، خليلته لردح من الزمن، "ذهبت إلى بيتكم في اليوم الذي اندلعت فيه النار، فتحت أمك الباب، رأيتها تلطم رأسها وتنوح قلت ماذا حدث؟ قالت هؤلاء الملاحدة هم من أحرقوا غرفة ولدي "ص195 بما يؤكد للقارئ أن البيوت تقريباً أسرار وهذا ما ينسجم كلية مع بنية هذه العائلة المحافظة التي قد لا تسمح للغريب بالإلمام بكل ما يدور فيها من أسرار، ويرويها "أورهان" الأخ الأوسط كشاهد عيان ومنقذ تخلى عن حياديته ومارس جزء من ساديته منتقما "حملتُ برميل النفط، أَوْقِدْ عود الثقاب، أوقدتُه قال الوالد : هذه روح الشيطان تحترق، تبادر إلى ذهني أن آيدين سوف يصاب بسكتة حين يرى الوضع "ص 60 ويصر الوالد على أنه على حق كالعادة حتى وهو يقدم على قلب حياة أحد أبنائه رأسا على عقب "ما الذي حصل.. فعلت ذلك لأجله، أنت ترين الزمان تبدل يقبضون على الشباب لأسباب تافهة "ص61.
نغوص بعيداً بعيداً مع الأحداث ونتساءل كما الكاتب، ما الخبر؟

ليلكزنا الجواب بقسوة. الحرب تغير وجه المدينة وتحولها إلى مدينة لوط، توصد الدكاكين وتُغلق وتقل مواد التموين. تسقط إيران إذن في حربها مع الروس ويدخل المستعمر، ليغير كل شيء فيها "بعد الحرب شل المدينة الجوع وطفا على السطح هروب الفتيات اليافعات والسرقة والاقتتال واعتداء الجنود والطمع والشقاء"ص109. ثم يستقيل الشاه ويسلم مقاليد الحكم لولي عهده، وتنفتح البلاد على الخارج.

يستمر أورخاني الوالد في إيمانه المطلق بمبادئه مخفياً في العمق خوفه على أبنائه من المتغيرات المتسارعة متقهقراً إلى العقلية التقليدية محتمياً بها من انفتاح أبنائه على الفكر الغربي "أقيموا عرسا يليق بمكانة العائلة، بلا ضجيج أو صخب.. الرجال في الأسفل والنساء في الأعلى." ص149. فهو لم يكن يراهم إلا من خلال منظار الطاعة الواجبة عليهم اتجاهه واتجاه ما يمثله من قيم، وأي سلوك يصدر من الابناء لقراراته كان يدخله في موجة غضب أو حزن عارمين "أنت أجبرتها على مواجهتي.. لم تكن آيدا هكذا وابتلع كلامه وكأنه أجهش بالبكاء"ص153. لم يكن الوالد التقليدي يتوانى عن اللجوء إلى الضرب، يضرب الزوجة والأبناء ويذلهم ويسبهم جميعا "والدك رجل متشدد.. صعب المراس "ص 191. ولكنه كان يطيع "إياز" الضابط في سلك الشرطة طاعة عمياء ولو على حساب حياة ومستقبل الأبناء متمثلاً فيه صورة النظام الغائب الظهور المباشر والصريح في ساحة الأحداث ولكن المحرك لها من مكان ما من عمق المحكي.

ختاماً..

كانت الحركة الأولى مرة أخرى، فهل كانت عوداً على بدء؟

يموت الأب في سريره وقبل أن يموت يصر على توزيع تركته بين أبنائه مما يشعل حقد "أورهان" الذي كان يطمع في الاستئثار بكل شيء لوحده ويستبد بكل شيء "حين رأيت هذه الهيئة البادنة تذعن لأمري.. أحسست بالنشوة ص317

تتدهور حال آيدين بعد جرعة السم التي سقاها إياه أخوه، فيفقد كل شيء حتى الاسم.
ماتت الأم وفي قلبها حسرة على يوسفها وعلى آيدين أثيرها.

احترقت "آيدا"..

مات يوسف أيضا أو تمت تصفيته بوحشية بالغة كما يروي قاتله "هشمت رأسه حتى أحسست بأن شيئا انغمس تحت يدي، خرج دماغه من الشمال وبقيت عيناه كما كانتا.. جاحظتين" ص322

ثم يموت الشاعر "آيدين" محققاً على الأقل أمنية أخيرة في أن يفعل شيئاً ما بمحض إرادته وينجح فيه.

"كان يرغب في النوم.. فنام، نام نوماً هادئاً

كل من رآه قال..

شنق رجل نفسه في الماء".