من موسيقا الحرف في الشعر

، بقلم فاروق مواسي

كثيرًا ما يردد الشاعر حرفًا من حروف المباني، أو كلمة أو جملة، قصدًا أو عن غير قصد، فتضفي في تكرارها نوعًا من الموسيقا اللفظية.

أما الحرف (أعني هنا من حروف الهجاء) في بيت الشعر فيكتسب إيقاعًا منه ما يؤدي إلى التماثل مع ما يحسه القائل.

كم علّمنا طلابنا قصيدة ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط - مثلاً، ولم ينتبه إلا القليل الأقل من معلمينا إلى تكرار النون في قول الشاعر:

وإنّي وإنْ مُتعت بابنَيَّ بعده
لذاكره ما حنّت النّيبً في نجدِ

تسع نونات يقرأها القارئ العادي دون أن يحسها أو يتذوقها، ويقرأها القارئ المتذوق المتعمق مردّدًا أنين الأب وحنينه ونبرته الأسيانة.

هكذا ينتبه قارئ البحتري المتفاعل إلى تتابع السينات في وصف إيوان كسرى، ففي مطلع سينيّته يقول:

صنت نفسي عما يُدنّس نفسي
وترفَّعت عن جَدا كل جِبس

وتماسكت حيث زعزعني الدهر التماسًا منه لتَعسي ونكسي

إنها وسوسة فيها تفاعل داخلي ينبسط مع نفس الشاعر وينداح في أحاسيس وشجون، وفي موقف متماسك في مجابهة حوادث الدهر المزعزعة.

ويبدع البحتري كذلك بإظهار القاف وترديدها للتدليل على البرد الشديد الذي اعترى الذئب قُبيل أن صرعه:

يُقضقضُ عُصلاً في أسرَّتها الردى
كقضقضة المقرور أرعده البرد

غالبًا فإن الشاعر لا يقصد أن يردد حرفًا ما في قصيدته، فالحرف في القصيدة يطوف أو يسري في الصياغة في إيقاع مشحون بعاطفة ما، حتى يجيء النظم متنفسًا له وبه، وإذا أجزتم لي أن أستشهد بشعري من قصيدتي "يوم الأرض"، حيث لم أقصد اختيار الكلمات الميمية فيما يلي:

يا شعبي الجبّار إنك مُلهمي
أنت الكريم وما سواك معلمي
قدّمت كل ضحية قدسية
لتضمّ نجمًا في مجرّة أنجم

ويبقى السؤال: لماذا كثرت الميمات في القصيدة كلها؟

لن أطالب نفسي بتعليل ترديد الحرف، ولا أطالب الشاعر حافظ إبراهيم أن يعلل لماذا كثرت الباء في قصيدته (لمصر أم ربوع الشام):

لولا طِلابُ العُلا لم يَبتَغُوا بَدَلاً
من طِيبِ رَيّاكَ لكنّ العُلا تَعَبُ

كما لا أطالب صديقي الشاعر المصري حسن طلب في تعليل كثرة الجيمات المتراقصة في قصائدة، وخاصة في مجموعته (آية جيم) ، فذلك الأمر موكول للناقد الحصيف، ومدى مشاركته في الانفعال وتقبل النص.

من جهة أخرى، فثمة ترديد بعض الحروف الثقيلة التي تضجّ ولا تحمل معاني تسمو بالفكرة، بل فيها التنافر، والنفور من سماعها، كقول القائل:

وقبرُ حربٍ بمكان قفرٍ
وليس قربَ قبر حربٍ قبرُ

وقد أخذ على الأعشى تكرار شيناته:

ولقد غدوتُ الى الحانوت يتبعني
شاوِ مشلٍ شلول شلشلُ شولُ

كما أخِذ على المتنبي- كبير شعرائنا- عدد من الأبيات التي فيها هذه الحروف التي لا ينبو منها السمع، نحو:

فقَلْقَلْتُ بالهَمّ الذي قَلْقَلَ الحَشَا
قَلاقِلَ عِيسٍ كُلّهُنّ قَلاقِلُ

وسنجد نماذج كثيرة في المقامات من شعر يردد حرفًا معينًا، وليس ذلك من الموسيقا التي تتجاوب أصداؤها مع المعنى، فتظهر في رونق وبهاء، بل هو تلاعب لفظي للدلالة على مهارة لغوية مجردة.

في الشعر الحديث ذكرت لكم شاعرنا المميز حسن طلب وهو يكرر الجيم، وأرى أن في ذلك براعة وعمقًا صوفيًا مدهشين، بالإضافة الى القدرة اللغوية الفذة، وفي تعليل هذا ضرورة للاستقصاء.

ما أكثر الشعراء في هذا الترديد لهذا الحرف أو ذاك، وما أكثر الأمثلة!

من تكرار الحرف يقول السياب، وهو يجدد تشبيهاته بالكاف:

كيَدٍ بلا عصب، كهيكل ميت كضحى الجليد
كالمدّ يصعَد كالسحابة كالدموع

وكان الشابي قد سبقه في ترديد الكاف:

عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد

غير أن تكرار صوت الكاف ليس كإيقاع النون أو السين أو الميم أو الجيم التي مثلتُ لها أعلاه، فالكاف هنا أشبه بضغطة كاميرا لالتقاط صورة. إنها صور متغيرة معبّرة إيحائية مستجدة، متفاعلة مع الطبيعة في تشبيهات متلاحقة، وكأن الكاف تقوم مقام (بل) للإضراب، ومن جهة أخرى وردت بمعنى (بل) لترسيخ ما كان ولتثبيت ما سيكون.

ثم إننا نلاحظ ترديد بعض الحروف والكلمات في الشعر الصوفي إلى درجة كبيرة، مما يضفي موسيقية، وغموضًا شفافًا، وتحميل الحرف طاقات من الحال والمقام.

وثمة تجربة الشاعر العراقي أديب كمال الدين وهو يكرر الحرف تلو الحرف في كتابه (رقصة الحرف الأخيرة، منشورات ضفاف- لبنان 2015.)

من ذلك:

نمتُ سعيدًا،
وأنا أحلمُ بحاء الحلم،
أحلمُ كأيّ طفلٍ ينتظرُ صباحَ العيد،
العيد الذي سحقتْ رأسَه حاءُ الحرب،
وحاءُ الحرمان،
وحاءُ الجحيم!

جدير بالذكر أن الشاعر كمال الدين أصدر عددًا من المجموعات الشعرية تتناول لفظة "الحرف"، وهو يوظف ذلك ببعد صوفي يتواصل مع أئمة الصوفية كالحلاج وابن عربي وغيرهما من حيث محاورة الحرف وقوة توصيله وتوظيفه.

فمن مجموعات كمال الدين الشعرية:

أيقونة الحرف، مواقف الألف، الحاء، النون، الجيم، الحرف والغراب، في مرآة الحرف، حرف من ماء، أقول الحرف وأعني أصابعي، أربعون قصيدة عن الحرف، شجرة الحروف...

أقول: عجيب بل مدهش هذا التعلق بمحورواحد!

وهكذا فمن خلال تكرار بعض الحروف، يتبين لنا أن الشاعر يستخدم رابطًا أسلوبيًا يحاور من خلاله عناصر قصيدته ومضمونها بتلقائية وعفوية، فيكون صوت الحرف متضافرًا مع مشاعره، وذلك في ربط فني يعزف على الوتر المرافق، منطلقًا من الجانب الشعوري، ومجسدًا في الوقت نفسه الحالة النفسية التي هو عليها، فالتكرار يتمثل في هذه الحالة الشعورية النفسية المماثلة لما هو عليه.

ملاحظة:

هناك أنواع أخرى من الترديد أو التكرار: المقطع، الكلمة، الجملة، الفِقرة، وكلها بإيقاع موسيقي يساعد الشاعر على تشكيل موقفه وتصويره.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف