تترى و تارة

، بقلم فاروق مواسي

س- بحثت في المعجم عن كلمتي (تترى) و (تارة) فلم أهتد إليهما، فهل لك أن تبين لي ما سبب اختفائهما؟

هما في المعاجم، ولكن السؤال: كيف تبحث عنهما؟

(تترى) جذرها الثلاثي (وتر) وليس تتر، وأنت تجدها في الأصل (وََترى)- بمعنى متواترين، أي متتابعين ومتداركين، بعضهم في إثر بعض، فالتاء مبدلة من الواو، (نجد هذا الإبدال للواو كذلك في نحو اتزن، اتقد- إذا كانت فاء افتعل واوًا، فإذا أردت أن تبحث عن معنى "اتّـسم"- مثلاً، فابحث عن مادة "وسم"، وعن معنى "اتقى" فعد إلى "وقى").

وردت (تترى) في القرآن الكريم:

ثم أرسلنا رسلنا تَتْرى- المؤمنون، 44 أي بينهم فجوات وفترات، وقد وردت اللفظة في الآية غيرمنصرفة – إذ جُعلت ألفها للتأنيث.

وهذه اللفظة يصح أن ترد كذلك منصرفة- إذ تُجعل ألفها للإلحاق.

.. أما إعراب (تترى) في الآية فهو حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
..

أما لفظة (تارة) فأصلها (تأرة)- مهموزة، فالبحث يكون عن الجذر (تأر)، وليس عن (تور أو تير)، وقد حدث للكلمة تسهيل في همزتها، فاشتهرت الكلمة بها.

فأتأرته بصري تعني أتبعته إياه. ورد في (لسان العرب- مادة تأر):

قال الأزهري في التأرة- الحين، عن ابن الأعرابي قال: تأرة مهموز، فلما كثر استعمالهم لها تركوا همزتها".

ولما كانت بمعنى (حين) فإن إعرابها ظرف زمان منصوب.

وإن شئت معنى (وقت الإتباع)، فلك أن تعربها: نائبًا عن ظرف الزمان،
والإعراب الأول أولى.

من الجدير بالذكر في هذا السياق أن (لسان العرب) يشرح معنى (طور)، فيقول:

"الطَّور- التارة، تقول طورًا بعد طَور أي تارة بعد تارة"، ومن معانيها= الحال.

وهناك من ينشئ ويستخدم الكلمتين للتنويع، كأن يقول: كان الرجل تارة يكتب، وطورًا يقرأ.
وفي الشعر يقول الشاعر المهجري إلياس فرحات:

فنمسي وفي أجفاننا الشوقُ للكرى
ونُضحي وجمرُ السهِد فيهنَّ يَلهَبُ
ونشربُ مما تشربُ الخيلُ تارةً
وطوراً تعافُ الخيلُ مما نحن نشربُ

ويقول الشريف الرضيّ:

طــــــــورًا تكاثرُني الدموعُ وتارةً
آوي إلى أكرومَتي وحيائي

ملاحظة:

هناك من يجيز إعراب كل منهما (أي تارة، طورًا): نائبًا عن المفعول المطلق، على اعتبار أن معنى (تارة) هو (مرّة- كما ورد في معجم "المنجد")، وكلمة (مرة) يجوز فيها الإعراب: نائب عن ظرف الزمان، أو نائبًا عن المفعول المطلق.

وأرى الاكتفاء بإعراب (تارة) أو (طورًا)- ظرف زمان منصوبًا، ولا ضرورة لتكلف الإعراب.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف