التعسف في شرح النصوص

، بقلم فاروق مواسي

هناك من يلوي رقبة النصوص ليستخرج المعنى الذي يحب أن يطرحه، ويوافق مزاجه أو مزاج المتلقين. والتعليل عادة فيه وجهتا نظر:

قبول الاجتهاد المبني على أسس.

رفض هذا الاجتهاد الغريب على عالم النص.

أذكر أن أحد الأساتذة شرح قصيدتي (المسرح والمهموم) أمام طلابه بأن المهموم هو الشاعر (أي فاروق- صاحب القصيدة)، وذلك لأنه لم يحظ بوظيفة إدارية لمؤسسة ما.
والصحيح أنني قصدت -والقصيدة فيها دوال وإشارات- أن المهموم هو الوطني صاحب القضية الذي لم يجد لصوته صدى.

قرأت قبل أيام تحليلاً صوفيًا كتبه صديق حول بيتي أبي تمام:

نقلْ فؤدكَ حيثُ شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كمْ منزل في الأرضِ يألفه الفتى
وحنينُه أبدًا لأولِ منزلِ

وقبل أن يكلف النص ما لا طاقة له به كان حريًا بالصديق أن يقرأ البيتين اللذين سبقاهما:

البينُ جرعني نقيعَ الحنظلِ
والبينُ أثكلني وإنْ لم أثكلِ
ما حسرتي أنْ كدتُ أقضي إنما
حَسرَاتُ نَفْسي أنَّني لم أفْعلِ
(ديوان أبي تمام ج4، ص 303)

إذن هو البين أو فراق الأحبة الذي جعل حياته حنظلاً، وجعله ثاكلاً فقد أعز ما لديه، وها هو يتحسر لأنه بقي على قيد الحياة بسبب ابتعاد الحبيب عنه.

الشعر الصوفي كما لا يخفى فيه مصطلحات ودلائل على محبة الله ووجد الحبيب وعشقه، ولم يُعرف عن الشاعر أبي تمام أنه تعلق بالصوفية، بل إن الصوفية في عصره لم تكن نشأت بطاقتها وتخريجاتها، وإبداعها.

ثم إن ديك الجن ادعى أن الحب هو الحبيب الآخر، فديك الجن يقول معارضًا أبا تمام:

اشربْ على وجه الحبيب المقبلِ
وعلى الفمِ المتبسِّم المتقبّل
شربًا يذكّر كل حبّ آخر
غضٍّ ويُنسي كل حبٍّ أول
نقِل فؤادك حيث شئت فلن ترى
كهوى جديدٍ أو كوصل مقبل
ما إن أحنّ إلى خرابٍ مقفرٍ
درَستْ معالمُه كأنْ لم يُؤْهَلِ
مِقَتي لمنزليَ الذي استحدثته
أما الذي ولّى فليسَ بمنزلي

يردّ أبو تمام على ديك الجن مدافعًا عن موقفه:

كذب الذين تخرّصوا في قولهم
ما الحب إلا للحبيب المقبلِ
أفطيّبٌ في الطعم ما قد ذقتَه
من مأكل؟ أو طعم ما لم يُؤكلِ

فهل بقي من الصوفية شيء بعد خطاب ديك الجن له، وبعد هذا الرد، وهذا التشبيه بالطعام؟

كنت في أكثر من مقالة قد ذكرت رأيي بأنه لا يجب أن نقيد أنفسنا ونحن نكد ونجد لإثبات أن الكلمة القرآنية هي الحصرية في المعنى، وذلك في مقالتي "لغة القرآن ومحاولة تحديدها وحصرها"- ويمكن البحث عنها في غوغل لمن أحب، فهي على الشبكة، وفي كتابي- (دراسات أدبية وقراءات بحثية، ج2، ص 285).

آخر ما قرأت في هذا الباب أن هناك من أنكر على الشعراء استخدام لفظ (عيون) جمعًا لعين- أي الباصرة، بدعوى أن القرآن الكريم لم يستخدمها، بل استخدم (أعين) في آيات مختلفة.
ثم استشهدوا بالقرآن بأن (عيون) هي جمع لعين الماء.

أقول إن المعاجم جمعت (عين) على أعين وعيون، وهناك جموع أخرى.

إذا عدت إلى الشعر الجاهلي وجدت أبياتًا ترد فيها لفظة (عيون) وأبياتًا أخرى فيها لفظ (أعين)، فالكلمتان في معنييهما تجمعان على (عيون) و(أعين)، ولا بأس في ذلك.

يقول الشافعي مستخدما الجمعين في معنى واحد:

سهرت أعين ونامت عيون
في أمور تكون أو لا تكون

عدت للموضوع لأن لي صديقًا أعده من العلماء يجتهد في تحليل الاسم الموصول لجماعة الإناث (اللائي) الذي ورد في الذكر الحكيم ثلاث مرات، بينما ورد (اللاتي) في سائر المواضع.
وأنا لا أعرف مسوغًا لهذا الجهد، ما دام الشعر القديم لا نعدم فيه هذا الاسم الموصول، أو ذاك، فهل نأخذ في الاجتهاد في ذلك أيضًا؟

يقول امرؤ القيس:

أو المُكْرَعاتِ من نخيل ابن يامِنٍ
دُوينَ الصفا اللائي يلِينَ المُشَقَّرا

وقد وجدت الفرزدق يكثر من استخدامها، وصولاً إلى المتنبي الذي ينام ملء جفونه عن شواردها:

فإن يكنِ الفعل الذي ساء واحدًا
فأفعاله اللائي سررن ألوف

فما الفرق هنا بين (اللاتي) و (اللائي)، وحتى (اللواتي)- إذا أجاز الوزن؟

أخلص إلى القول إن الاجتهاد في تعليل ظاهرة قرآنية هو جميل، ولكنه غير ملزم حتمًا في اللغة وتطورها أو حصرها، وبالتالي فهو غير ملزم في تحديد معناها مطلقًا.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف