لعبة الثنائيات

في ديوان «عناد الكمرة و بياض الليل» رشيد بلفقيه

"عناد الكمرة و بياض الليل"هو الديوان الزجلي الثاني للزجالة فاطمة بلعروبي و الذي يأتي بعد تجربة ديوان"كلام الهم و هم الكلام"ليؤكد تفرد التجربة الابداعية لهذه الزجالة التي تشق نسقها الابداعي في هدوء و صمت بعيدا عن الضجيج قريبا إلى المعنى.

يؤسس الديوان الزجلي مند العنوان على بناء من الثنائيات التي تتحكم في أفق انتظار المتلقي و تزج به رغما عنه في لعبة الانطلاق من العنصر الأول في الثنائية و توقع العنصر الثاني."عناد الكمرة"هذا المركب الاضافي الذي أنسنت من خلاله الزجالة القمر و أسندت له صفة من صفات البشر، صفة العناد التي يمكن تلقيها عبر مدخلين، مدخل إيجابي يحيل على المكابدة و الصبر و الصمود و مدخل سلبي يحيل على المشاحنة و الرأس الصلبة و رفض التسليم. هذا المركب يرتبط برابط عاطف هو الواو مع مركب إضافي آخر هو بياض الليل حيث يبرز هذا التكسير المقصود للتشاكل بين الكلمتين و الذي وسع بقدر كبير مساحة التاويل و عمّقها. فالليل ميزته السواد و العتمة فمن أين يأتيه إذن هذا البياض المحيل على نقيض كل ما يميزه؟ هل يأتيه من"عناد الكمرة"المصرة على إنارة سمائه السوداء أم من حروف الديوان التي ستنير عتمة ما خفي من معانيه؟ اختيار عميق للعنوان ورطنا في مساحة لا بأس بها من الحيرة و الأسئلة.

لم تقف الزجالة عند هذا المستوى فقط من توظيف الثنائيات بل عمقتها داخل الديوان، ف"شي حاجة قبل العناد"التي استهلت بها قصائدها ستقابلها طبعا ب"شي حاجة شايطة على التعاويد"التي ستكون آخر القصائد. و"هتوف عايشة البحرية"التي أفردت لها الزجالة المساحة الاولى من الديوان ستقابلها"هتوف المحضار"التي ستشكل نصفه الآخر لتبلغ هذه الثنائيات مداها في المقابلة التي ستضع بموجبها الزجالة قصيدة"عايشة"أولى قصائد الهتوف الأولى بقصيدة"بوشعيب"التي ستؤسس افتتاحية هتوف المحضار.

استحضرت الزجالة كما هو واضح قصة عائشة البحرية و مولاي بوشعيب الدفونين بحاضرة أزمور العتيقة، معيدة الاشتغال زجليا على تناول هذه القصة الشهيرة بما يستجلبه هذا من اشتغال على علاقة الحب التي جمعت بين العاشقين:

هي حكاية سمعناها و سمعاتها الألوف
حكاية ربطة زغبية
حكاية عطفة معمية
حكاية بوشعيب و عايشة بحرية.

حتى في توزيع الادوار على البطلين تحضر الثنائيات التي شكلت حسب قراءتنا اللحمة الأساس التي انتظمت من خلالها تراكيب الديوان اللغوية و الدلالية.

فكانت عيشة قصة،

و كان بوشعيب حديث.

اختارت الزجالة أن تتوارى في القصائد و تجعل قطبي حاكيتها يتحدثان عن نفسيهما بضمير المتكلم، هذا الضمير الذي يشكل توظيفه ورطة تجعل العلاقة ملتبسة بين السارد و الشخصية و الزجالة.

"السمية عايشة
و النعت بحرية"
"أنا الموصوفة بالحكامة"

نفس التوظيف سيتكرر بشكل متوازي في قصيدة بوشعيب أيضا.

"أنا المحضار
الحاسب البحر
خطوات"

سبب الحكاية عشق جعل بوشعيب يدخل في حالة من التيه في هذا البر، المعنق واد و بحر، منتظرا رجع الجواب على سؤاله من نفسه التي لم يجد غيرها أجدر به.

على المستوى اللغوي حضرت الكثير من الابداعية و الحفر في اللغة العامية و الصوفية دون أن تغيب التقابلات حتى في هذا المستوى، و التي نجدها على مستوى الطباق الذي في التلاعب ببعض الكلمات بطريقة تجعلها تخدم الصورة الزجلية العميقة. فسوق المعاني الذي يعرف فيه غزل الزجالة لأنه لا يغادر المساحة الممتدة بين الحاء و الباء، نجده في لحظات التجلي الطافحة بالصوفية المتأثرة بتيمة الديوان يتشكل"حبا"لكنه بالنزول إلى الواقع و خضوعه لسلطة الزمن البشري يتحول إلى"بح"التي تحيل على اللاشيء.

تستسلم الساردة"لكانة البحر"و البحر مزاجي لا ثقة في تقلباته كما الزجل تماما، يحلق طويرها في رياض المعاني، يحلق و يحلق حتى تشتاق رجلاه إلى اليابسة و لا يابسة هناك، فلا مكان إلا للحيرة و السؤال و الترقب و الانتظار. هكذا تقدم لنا الزجالة رؤيتها عندما تقرر استعادة مكانتها في الصورة:

"حيرتي أنا المعاودة هاد التعاويد
على ولاد الجواد"

هذه الحيرة التي تستمد مشروعيتها من شرخ السؤال الميتافيزيقي الذي قد يؤزم موقف القارئ من كل هذه القصة إن هو قرر اخضاعها لمنطق العقل.

كيف تدير كسدة حتى تعطي العزارى
و العاطي الله

كيف تتكلم السعود؟.