الرسالة السابعة

ما أروع أن تكون إلها!

، بقلم فراس حج محمد

أسعدت صباحا أيتها الكاملة كرؤيا، والبعيدة كحلم، والغامضة كإله محاط بالأسرار، أما بعد:

كل شيء غامض، غير مدرك الذات، هو إله. فكري معي بهذا الأمر جيدا. كيف لك أن تكون إلها؟ وهل بوسع بشر أن يكون كذلك؟ أليس كتاب الروايات هم آلهة ورقية، يشبهون الآلهة إلا قليلا، شبها بعيدا، ساردوهم الذين يتخفون وراءهم هم الآلهة، وليسوا هم فقط. يطلق النقد على هذا النوع من السارد، السارد كلي المعرفة، السارد العليم، إنه إله. يستطيع أن يرى ويسمع ويتخيل ما بداخل الشخصية، أينما ذهبت شخصياته فهي تحت سيطرته، لا تغيب عنه، ويعرف بماذا تفكر، يقلب أقدارها وقلوبها على هواه، مستمتعا بعذابها، وراضيا بشقائها. تقرأها معراة في الصفحات، وكأنه يتلذذ وهو يكشف عنها ستائرها. فالسارد إله مهووس بالفضائح.

الروائيون يصنعون أحداثا، ويرتبون أقدارا، ويخلقون شخصيات، يمنحونها الحياة الكاملة بأقدار كاملة، يحيون من شاءوا، ويميتون من شاءوا حسب ذلك القدر المتخيل. هم آلهة بصورة ما، يسيطرون على اللعبة كلها، لا ينقادون لشيء، بل يقودون العالم كله وراءهم، القراء عباد طائعون لقدر الروائيين، يقرؤون وينفعلون، يشتمون، ويصرخون، يحبون ويكرهون، والنقاد كذلك عبيد مقيدون بأقدار الروائيين. الناشرون كذلك خدم في معابد آلهة الرواية، يصنعون كل ما يستطيعون من أجل أن ترضى عنهم آلهة الرواية. الرواية أيضا إله، لها سيطرة وقوة، غامضة في أسرارها، تسيطر على العقل والنفس، وتستعمر العقل، والكل يسجد في محاريبها طائعا، وإن كره، مقودا إليها، وإن أحب. قضت قضاء مبرما على آلهة الشعر.

ليس الروائيون وحدهم هم آلهة في هذا العالم الذي أصبح يسبح دون أن يستند إلى إله حقيقي، الكل يركض وراء آلهة مزيفة ورقية، ووهمية، المرأة المعشوقة هي إله أيضا. تصوري معي ما كتبه الشعراء في محبوباتهم، إنهم يعبدونهن، ومستعدون لأن يسجدوا بين أيديهن. يتلون الصلوات من أجل إرضائهن، يستغفرون الحب إن سهوا عنهن، ويقدمون القرابين إن أخطأوا في حبهن. كم صريعٍ في معابد الجمال والحب يا جميلتي.

الثوار كذلك آلهة، الملثمون الذين كانوا يجوسون الليل، ويحرسون الوجود من العبث، يعرفون كيف يصطادون الوحوش ويجعلونها راكعة ذلا وصغارا، كم هي رائعة صور الثوار في عيوننا، وكم هي مرعبة في خيالات الأعداء. بالتأكيد إنهم يلاحقونهم فيكشفون عنهم، ويعرونهم وينتصرون عليهم، ويرجعونهم بشرا، يستعبدونهم، يقتلونهم، يعذبونهم، يعتقلونهم. إنها محاولة السيطرة على إله محتجب مخيف يرعبهم، والآن لك أن تتصوري فرحة هؤلاء كلما اصطادوا ثائرا إلها. كانوا يقيمون الأفراح ويوزعون الحلوى، كأنهم يقدمون القرابين لآلهتهم هم وقد انتصروا. لم يعد الصراع بشريا أيتها الفنتازيا، إنه صراع آلهة.

الأشخاص الوهميون ذوو الحسابات الوهمية هناك في مملكة العم "مارك" هم أيضا آلهة، يراقبون الجميع، ويرونهم، يطلون من علٍ على أشيائهم، يكشفون عن ضعفهم، يتسللون إلى مخادعهم، يخدعونهم، يضللونهم، يستعبدونهم، ويحرقون أعصابهم. يحرسون سقوطهم، ويرفعون تفاهاتهم، ويهوّنون عليهم مجدهم، لا يسمحون لهم بالتعالي والتصابي، يقودونهم نحو الجنون.

المتحكمون في البشر في عالم السياسة هم آلهة أيضا، وإن كانوا أشرارا، يتحكمون في المصائر من وراء الكواليس، يرسمون لهم حياتهم، لا أحد يفلت من قبضتهم، يعاقبون، ويقتلون، وإن شاءوا يمنحون أتباعهم وعبيدهم الأعطيات والهبات، يرضون عنهم فيعيشون، ويسخطون عليهم، فيذهبون إلى العالم السفلي ملعونين ومرجومين. لا أحد له عليهم سيطرة أو سلطة.
رجال المخابرات والمخبرون جميعا آلهة صغيرة تافهة لآلهة أكبر حجما وإن كانت أشد جبروتا إلا أنهم أشد تفاهة، والديكتاتور المتسيّد على عرش الجنون إله وثنيّ يحمل سوطا يجلد من شاء، ويغدق على من شاء، يحرم ويعطي حسبما يرضى ويهوى، وبإمكانه أن يختار عبيده كما يحلو له!

كثيرا ما كانت تستفزني صورة "الكبير" الذي تصوره بعض الأعمال الدرامية في قصص المافيا، يصورونه من بعيد، لا ملامح له، له ظل أو صوت، لا يظهر ولا يستطيع أحد الوصول إليه، حتى إذا قضي عليه، صار واضحا كسوءة امرأة عاهرة.

كنت ذات مرة إلهة، مرة وأنت مختفية محتجبة بحساب وهمي، لا أحد يعرفك، يتصورون صورتك، ويرسمونها كإلهة عليا، كنت قوية، قوة غامضة، في عرش عَلِيّ، وعندما كشفت الحجاب نزلت عن العرش، صرت بشرا سويا، لم تعودي إلها، ها أنت أمام الجميع واضحة، واضحة، من شاء أن يصل إليك وصل، ومن شاء أن ينساك نسي، صار هو المتحكم في حضورك وغيابك. لم تعودي حاكمة على الأقدار، ولا على الآمال والتصورات، أوقفتِ الخيال عن الرسم، والشعر عن استحضار الجمال الإلهي الغامض الغريب. جردتِ الحياة من طعمها اللاذع المشبوب بالألم. فقدتِ صولجان الألوهة السحري في لحظة فتنة في التجلي.

وكنت إلها مرة أخرى، عندما كنت معشوقة، تغيبين، ولا يجرؤ أحد أن يسأل أين كنت، لا يحق لبشرٍ عبدٍ أن يسأل إلهاً أين كنت. الآلهة وحدها من تسأل، والبشر منقادون وصاغرون، إنك كنت هكذا، إلهة معشوقة، متصورة. تستدرجينهم إلى حتفهم، وهم ضاحكون ومتلهفون. لماذا نزلت عن هذا العرش، أيتها الغامضة كإلهٍ جميل؟

أيتها الساكنة في البعيد، المحتجبة في مجاهيل الصمت، كوني إلها، ولكنْ إلهَ رحمةٍ لا إله عذاب.

إليك القلب حتى ترضي، ولك الحب حتى تصيري بشرا جميلا، وإن كنت في القلب نورا لإله عظيم.


فراس حج محمد

ناقد وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف