الخميس ٢ آب (أغسطس) ٢٠١٨
جوليا بطرس تحلّق
بقلم رندة زريق صباغ

مع جمهور عمان ثم تتركه في الهواء

وين الملايين... الشعب العربي وين.... وين؟! غنت جوليا بصوتها القوي...

فهاجت الاّلاف المتجمهرة، وعلت الأصوات من الحناجر والقلوب... من الافكار والضمائر، رفرفت الأعلام الفلسطينية، السورية واللبنانية محلّقة في فضاء عمان، فغاب الجمهور للحظات عن اليقظة ليعيش في عالم اّخر من النشوة ظاناً أنها ستطول لدقائق معدودة أخرى على الأقل.... وما أن فتح عينيه وعاد للمكان والزمان لم ير جوليا بطرس على المسرح بعد، فساد صمت مسرحي مخيف من جهة رافقه ثوران جمهوري رهيب من جهة ثانية.

انتظرها الجمهور بعد أن صحا من نشوة انسانية وطنية، لكن جوليا لم تعد والجمهور لا زال منتظرا ليفاجئه صوت ولون أوراق فضية تفرقعت كإشارة رسمية لإنهاء الحفل الأسطوري، رغم ذلك تسمّر الجزء الأكبر من الجمهور تصدح حناجرهم بأغنية أحبائي وغيرها كمطالبة بعودة جوليا أو الأوركسترا لتعزف لحنا أخيرا يمهّد لهم استيعاب انتهاء الحفل نصف ساعة قبل المفروض، وبهذه الأغنية التي لا يعقل أن تكون خاتمة قائمة أغنيات منتقاة بدقة بحيث لا تشحن الحضور بشحنات زائدة من الوطنية الجياشة كي لا تفجر مشاعر ذات تداعيات الجميع في غنىً عنها.... خلال ثوان أدرك أعضاء الأوركسترا التسعون أن الحفل قد انتهى فجأة وعليهم القيام من المسرح فحمل كل منهم اّلته غالية السعر عالية القيمة وانسحبوا غلى الخلف غير مدركين هم أيضاً ما الذي حدث، هذه الأوركسترا العظيمة لفنانة عظيمة.

تسرّب البعض خارجين مستسلمين لانتهاء الحفل، في حين ظلّ القسم الأكبر من الجمهور واقفاّ بالانتظار لطلة، مقطع، أغنية، موسيقى ... بانتظار أية حركة تلملم أشلاء الملايين التي "المتكدسة" على شكل اّلاف في عمان، تسرّب الناس بإقدامهم خارجاً في حين ظلت قلوبهم وعقولهم في المدرج أما أرواحهم وعيونهم فمتجهة نحو المسرح على أمل ما.... لكن الأمل تحوّل سراباً وجوليا لم ترجع لتشكر الجمهور ولتعده بلقاء قريب أو بعيد ولم ترجع لتحيّي أعضاء الأوركسترا المذهولين...

لم تعد جوليا أدراجها ولم تلبّ مناشدة الحضور بأداء اغنية "أحبائي" فأدّاها الجمهور كله بصوت واحد ملأ فضاء عمان ووصل القمر في لحظات خسوفه الأخيرة في سماء هذه المدينة المضيافة...

وما أثار استهجان الجميع أن أخاها زياد بطرس أيضاً لم يعطها إشارة لتعود ولو ثوان معدودات تنهي من خلالها الحفل كما يليق باّل بطرس، الأوركسترا والجمهور العظيم.

ظلّ الاّلاف واقفين يغنّون بأعلى اصواتهم من أغاني جوليا، فالأرجل لم تسعفهم على مغادرة مسرح حفل الفرح والكرامة، مسرح الحب والغضب... ظلّوا واقفين بانتظار من يوجّه مشاعرهم الثائرة المحتاجة لمن يمسك بيدها الاّن كما في كل حال وموقف حيث لا موجّه للأمة العربية بملايينها المحبطة من النهر إلى البحر ومن المحيط إلى الخليج.

خرجنا متأكدين أن سوء فهم وتنسيق قد حدث أو أن خللاً سيطر على نهاية لا مفهومة ولا مقبولة وغير لائقة بحق جوليا بطرس وجمهورها....

فإنّ جهدا كبيراً كهذا، إنتاجاً واستثمارً بهذا الحجم وذكاء ترتيب الأغنيات لا يعقل أبداً أن ينتهي بهذا الشكل الهش تاركاً الجمهور فاغراً فاه لا يعي ما عليه أن يفعل وقد فقد موجه بوصلته الشعورية فجأة خاصة أن اختفاء جوليا بطرس تزامن مع اللحظات الأخيرة لكسوف القمر الذي زيّن سماء المدرج المفتوح بلونه الناري المميز.

كان حفلاً عظيم الرّقي، رهيب الجهد والاستثمار، كان حفلاً خرافي الإنتاج والاجتهاد.
بساطة جوليا وتواضعها، لطافتها ونغاشة حركاتها، إضافة لتفاعلها الفني والجسدي مع اللحن والكلمات، واحترامها للجمهور، كلها عناصر أضافت قيمة كبيرة على الأجواء.

زينت جوليا بطرس المسرح بفستان أحضر بدرجة هذا اللون في أعلام الدول العربية، لا مواد تجميل ولا مجوهرات أبداً كخاتم أو سوار أو تاج على الرأس... اكتفت بإكسسوار ذهبي كبير مع الفستان ، هذه الفنانة مسيحية الديانة عربية الانتماء فلسطينية الهوى التي تذكرنا بعظمة وشمم فيروز وماجدة الرومي ليكوّنوا مثلثاً فنياً وطنياً من الطراز العالمي الرفيع...

بدا الإرهاق واضحاً على تقاسيم وجهها فاتح اللون، كما ساهم لون شعرها الباهت بظهورها أكبر سناً وأكثر تعباً، لكن كل ذلك لا يعني جوليا بطرس التي جاءت لتقدم فناً ملتزماً وراقياً ولتسعد جمهورها الكبير خاصة الفلسطيني الذي حضر بالألاف متحمّلا مشاق السفر والتكاليف الباهظة .

استأذنت جوليا بطرس عمان وأهلها لترسل التحية من هنا إلى فلسطين لمدنها وشعبها، لأسراها وللمقاومين فيها، فذكرت حيفا والناصرة، رام الله ونابلس، القدس التي شددت أنها عاصمة فلسطين التاريخية.... ليعلو التصفيق ويصل القمر فينكسف خجلا من هذه العظمة.
شكراً جوليا بطرس على هذا الجمال، الرقي والعظمة في اّن معاً.

وتأكدي أننا نقدر خوفك، قلقك وحتى تعبك أو كل سبب اّخر اّل بك لاستعجال النهاية والهروب خارج المسرح بهذا الشكل غير اللطيف.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى