الناصريون قادمون.. قراءة فى أوهام محمد جلال كشك

، بقلم عمرو صابح

الكاتب الصحفى الراحل محمد جلال كشك عاش منعماً فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، يعمل تابعاً للضابط الحر”عبد الفتاح أبو الفضل “نائب رئيس جهاز المخابرات “فيما بعد.

تُفتح لكشك المنابر لتأليف ونشر الكتب، ويتم تعيينه رقيباً على الإعلاميين والصحفيين والمفكرين فى أمانة الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكى، يحلل مقولاتهم ومقالاتهم إيديولوجياً وفقاً لما جاء فى ميثاق جمال عبد الناصر!!!

لم يتعرض كشك لأى قمع أو قهر طيلة حكم جمال عبد الناصر.

بعد وفاة عبد الناصر، تحول كشك للدفاع عن النظام السعودى،و قام باقتباس كتاب «لعبة الأمم» لمايلز كوبلاند، ونقل أكاذيبه للعربية، وأصدر كتابين هما «كلمتى للمغفلين»و «ثورة يوليو الأمريكية» لمهاجمة عبد الناصر ونعته بالعمالة للأمريكيين، بل وأكد على ان أم جمال عبد الناصر كانت يهودية؟!!

بسبب هجومه الضارى على جمال عبد الناصر، تحول محمد جلال كشك إلى واحد من الأصنام المقدسة لدى المتأسلمين، يتخذونه مرجعاً لا غنى عنه فى مناقشاتهم، ويعتبرونه مفكراً إسلامياً فذاً!!

من أجل معرفة كم كان محمد جلال كشك مفكراً فذاً حسب تصنيف المتأسلمين له، سنقوم بقراءة سريعة لكتابه «الناصريون قادمون»!!، الذى أصدره كشك فى عام 1989 للدفاع عن شركات توظيف الأموال المملوكة للريان والشريف والسعد، و هاجم فيه عبد الناصر الراقد فى قبره قبل 19 سنة من صدور الكتاب، واتهم -عبر صفحات الكتاب- نظام مبارك بمحاربة الرأسمالية وإعادة إحياء الناصرية، ووصف شركات توظيف الأموال بأنها رأسمالية وطنية إسلامية تسعى للخروج عن الاقتصاد العالمى المسيحى الصليبى الماسونى!!

كان نظام مبارك قد ترك ما يسمى بشركات توظيف الأموال الإسلامية تعبث بالاقتصاد المصرى لعدة سنوات تحت مسمى الاقتصاد الإسلامى، استولت خلالها تلك الشركات على مدخرات المصريين الراغبين فى الربح السريع عن طريق الفوائد التى كانت تمنحها لهم تلك الشركات عبر المضاربة بالبورصات العالمية.

ولكن فى عام 1988 ضرب نظام مبارك تلك الشركات بعدما عجزت عن دفع الفوائد المعتادة للمودعين بها مع سقوط الأسهم التى تضارب عليها فى بورصات العالم.

يتباكى كشك فى كتابه رافضاً عملية الاستيلاء على تلك الشركات بعد نصبها على الملايين من المصريين، واصفاً ذلك بكونه الضربة الرابعة الكبرى التي أصابت مصر لمنعها من النهوض والتنمية المستقلة خارج إطار الاقتصاد العالمى، وكانت الضربات الثلاث الأولى حسب وصف كشك هى ضربة محمد على للمجتمع المصري وبدء توحش الدولة على حساب المجتمع خلال حكمه، واالضربة لثانية كانت هى الاحتلال الانجليزي لمصر، والضربة الثالثة كانت قرارات التمصير والتاميم الشركات والمؤسسات والهيئات التى أصدرها جمال عبد الناصر خلال حكمه!!.

عبقرية التحليل الكشكى تتجلى انه بعد عامين فقط من نعيق وعويل كشك على ضياع الرأسمالية المصرية على يد مبارك، طبق مبارك برنامج الخصخصة الذى يعتبر الخطوة الثانية بعد الانفتاح لتفكيك تركة جمال عبد الناصر الاقتصادية، ولأن كشك كان سابق عصره فى التحليل السياسى وعنده يقين ان قراءه مثله، فلم يفسر لنا ما العلاقة بين إقامة رأسمالية وطنية إسلامية خارجة على الاقتصاد الرأسمالى الغربى وبين مضاربة صناع تلك الرأسمالية الوطنية الإسلامية كما يصفهم كشك أفندى فى البورصات الغربية!!

والأن أترككم مع فاصل كوميدى افتتح به جلال كشك كتابه، وكان مولعاً بتسمية مقدماته لكتبه بعنوان خطبة الكتاب!!

هذا الجزء من خطبة كتاب «الناصريون قادمون» لمحمد جلال كشك، لا يقل فى الهزل والعبث عن خطب سميه عبد الحميد كشك.

يقول جلال كشك فى خطبته والأصح فى هزليته:

“الحقيقة التى يجب أن يسلم بها ويبدا منها كل من يريد الحديث فى مذبحة شركات الأموال، هى انتهاء عصر الاستثمارات الخاصة، فلا أمل فى حل رأسمالى ولا استثمارات خاصة، ولا نشاط اقتصادى خاص.. انتهت كل الآمال التى بدأت بسقوط الناصرية، لن يبق فى السوق المصرية دولار و لا جنيه يملكه القطاع خاص، إلا ما سقط فى أسر الحكومة واستحال عليه الفرار. ولن يدخل دولار و لا جنيه قطاع خاص.. وإذا كان الكساد قد شل الاسواق، والتحويلات تتناقص بمعدل مرعب، فذلك ليس إلا البداية، ولأن أبعاد الكارثة لم تتضح بعد، وهي تتكشف عن جديد كل يوم، رغم قرار حظر النشر، وهي ترسل شحنات من الرعب والفزع كفيلة بصد الشجعان فمابالك برأس المال المشهور بأنه جبان!..

لقد تعرض أصحاب شركات الأموال لمعاملة لم يتعرض لها الرأسماليون في أشد الدول تطرفا في الأخذ بالشيوعية، معاملة لم نجد لها مثيلا إلا معاملة اليهود في ألمانيا النازية ويكفي أن نستشهد بالتصريح المنسوب لمحافظ الجيزة: «إننا نراقبهم مراقبة شديدة لمنعهم من الانتحار»!

ربما يضاف ذلك لقانون الاستثمار الجديد، لإغراء المصريين بالخارج للحضور مع أموالهم، ما دامت الدولة تضمن منعهم من الانتحار!

أو ذلك الخبر المتوحش الذي نشرته صحيفة تقول: «وقد سقط فتحي توفيق عبد الفتاح في غيبوبة كاملة فوضعت عليه حراسة مشددة»

مريض!

حتى ولو بالإدمان

في غيبوبة مطلقة.. وتوضع عليه حراسة مشددة ! وعايزين مستثمرين والمائة مليار دولار التي يحتفظ بها المصريون في الخارج؟!!

إذا كانت الحكومة قد فقدت الحس بالمسئولية أو أصبحت كالأطرش في الزفة التي يقيمها الشيوعيون وأيتام الناصرية احتفالا بذبح الرأسمالية المصرية، فلم تعد تدري ماذا سيحدث غدا، فلا أقل من أن ينتبه المخلصون بصرف النظر عن معتنقاتهم، إلى الكارثة المحلقة في الأفق، ونبادر جميعا إلى محاولة التخفيف من خسائرها الفادحة..

بوضوح وصراحة.. لا أمل في رأسمالية ولا في رأسماليين..

إن ما جرى – حتى الآن – على شركات التوظيف يفوق كل ما ارتكب على يد الناصرية من تأميم ومصادرة وحراسات ولجان تصفية الإقطاع.. وما من رأسمالي سيقبل مصير الإخوة الريان.. وما من مستثمر سيخاطر بدخول عش الزنابير..

لقد ذبحتم الرأسمالية فلتتحملوا النتائج.. أما نحن فنؤمن بخطأ اختياركم.. نؤمن بحق الشعب الاختيار وندعوه لاختيار الحل الرأسمالي.. ومن هنا كان هذا الحديث أو هذا الكتاب إذا شئت".
- والأن بعد أن قمنا بقراءة هذا الجزء من مقدمة كتاب «الناصريون قادمون» لمحمد جلال كشك الصادر منذ 29 سنة، فلنقارن بين ما كتبه كشك وبين ما جرى فى مصر خلال الفترة من 1989 حتى 2018، لكى ندرك ان محمد جلال كشك كان مفلساً فكرياً وأعمى البصيرة سياسياً وصاحب مصلحة مع أصحاب تلك الشركات، وان اختياره اسم «الناصريون قادمون» لكتابه تعبير واضح عن الارتكاريا المفرطة التى يكنها لجمال عبد الناصر وأفكاره وسياساته وأنصاره، فكل ما دعا إليه كشك فى مقدمة كتابه وعبر صفحاته، تم تطبيقه بصورة تفوق أحلام كشك وأمثاله عبر تفكيك منهجى لكل ما بناه جمال عبد الناصر اقتصادياً، ومن خلال إطلاق العنان للرأسمالية المتوحشة للكسب والنهب من المصريين.

هؤلاء هم المتأسلمون.. وهذا واحد من مفكريهم ومؤرخيهم.


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف